ثلاثة انهار وصحراء وشرفه؟/6!
عبدالامير الركابي.

لاتكون كيانية الأنماط المتعددة الشرق متوسطية ابان العصر الحديث ونهوض الغرب برغم تباطؤ وضمور الياتها التاريخيه، بدون دالات حضور منتسبة الى الحاضر، والى مايمكن نسبته الى “دورة ثالثة”تاريخية، وفي حين تكون الاستعادية المستحيلة السلفية غالبة على واقع الجزيرة العربية، والالتحاق بالنموذج الغربي حصة المجال الأحادي المصري غير الدينامي، مع المجال الساحلي الشامي المقارب له مضمونا، يكون موضع الازدواج التحولي التاريخي الرافديني بحالة تشكل من نفس نمط التشكلات الصعودية في الدورتين السالفتين، السومرية البابلية الابراهيمه، والعباسية القرمطية الانتظارية، تبدا مثل هذه الظاهرة المطموسة وغير المعاينه، منذ القرن السادس عشر، متخذة السياق النشوئي نفسه من جنوب العراق وسومر الحديثة، كما هي القاعدة في تشكل الكيانيه الازدواجية تكرارا(1).
ولا تشبه الدورة الراهنه ماسبقها في الدورتين السالفتين الكبريين من ناحية أساسية، قسمتها الى طورين ومرحلتين، الأولى الممتدة من القرن السادس عشر الى بداية العشرين، وعرفت صفحتين الأولى قبلية، والثانيه دينية انتظارية، وهي مرحلة التوافق المجتمعي البيئي المترافق مع الإنتاجية اليدوية، والثاني يبدا مع حضور الغرب المباشر منذ عام 1914، وإعلان احتلاله للعراق عام 1917، ويستمر الى اللحظة الراهنه، ويكون من نوع وطبيعة غير مسبوقة، تقع الخاصيات الازدواجية المجتمعية ابانها تحت طائلة الانقلابية الحاصلة في وسائل الإنتاج عالميا، مع كل مايواكبها ويتصل بها من نموذجية كيانيه وتنظيميه، وعلى الصعد التفكرية الأساسية، عدا عن فعل الاليات المستجدة المباشر وغير المباشر.
في اللحظة مدار البحث تكون المجتمعات واليات تفاعليتها قد بلغت زمن “التفارقة الرباعية”، ووحدة الفعاليه الملازمه لها كما تتمثل في، اختفاء اخر متبقيات الدورة الثانيه العثمانيه، يمقابل صعود الغرب الالي المصنعي الراسمالي الحديث، إضافة لاكتشاف القارة الامريكة وظهور الكيانيه المفقسة خارج رحم التاريخ، ثم ورابعا عودة الاليات الازدواجية الرافدينيه للعمل، مع الاخذ بالاعتبار اولوية الصعود الغربي مع الاختفاء العثماني، وختامية محورها الكيانيه الامريكيه المنبثقه من خارج العملية التاريخيه، ومن ثم دخول كيانيه الازدواج الرافدينيه زمن “فك الازدواج”، والانتقال بالعالم، من المجتمعية الى مابعدها، ارتكازا الى المنتجية التكنولوجية، مابعد المجتمعية.
والسياق المنوه عنه ينفي ويبطل كليا مايؤول الى السرديات المستعارة عن تاريخ الغرب، وطابع حضوره الفعلي، ونمط ذلك الحضور، والمواجهة الناشئة عنه مع حضوره الى ارض الرافدين، خارج منظورات “التحرر العالمي” الأحادية والنقلية المتصلة بالغرب وحيثياته وانقسامه الازدواجي بعد الثورة الروسية عام ، 1917 فالغرب الذي طرق باب ارض الرافدين كمسلك بديهي وموضوعي، محكوم لما متضمن فيه من الاليات المحركة لظاهرته، فعل وقتها بالأحرى احد اخطر واكثر الظواهر المتصلة بحقيقته كظاهرة عالميه، وجدت لتعين حدوده، وغاية ومنتهى طاقاته وقدرته على الفعل، وهو ما سرعان ماتبدى واضحا مع أولى خطوات احتلاله لهذا الجزء من العالم، يوم اضطر وللمرة الاولى للخروج على ذاته الاستعمارية الكولونيالية، فانتقل على اثر الثورة الابراهيمة الحديثة الأولى عام 1920، لان يبتكر نوعا من الاستعمار بالواسطة ومن وراء ستار، وهو ماصار معروفا في وقت لاحق على مستوى العالم، قرابة الستينات من القرن الماضي،باسم “الاستعمار الجديد”، بمعنى ان الاستعمار الغربي القديم الكولونيالي انتهى عالميا وتاريخيا في العراق عام 1921 مع أقامه حكومه من اهل البلاد، تكون واجهة للنفوذ البريطاني كتدبير استثنائي اضطراري، انقلابي إنكليزي، اعتمدته الإمبراطورية التي لاتغيب عن ممالكها الشمس مجبرة في ارض البدء والامبراطوريات الأولى، والوسيطة الازدواجية التحولية العظمى.
والحديث جار هنا عن التاريخ الفعلي المطموس والمغيب لا على المستوى العراقي الرافديني وحسب، بل على مستوى كيانية الأنماط المتعددة الشرق متوسطيه، ومايعرف بتاريخها الحديث ومختلف ظواهره، مع مجمل التاريخ على مستوى المعمورة وتباينات محركاته ونوعها، بين المنظور الأحادي، بالاخص بصيغته وشكله الأعلى الارفع والاعلى دينامية، الغربي الأوربي، ومقابلتها الديناميات التحولية الغائبة، المتعذرة على العقل، والدالة على قصوره الموضوعي التكويني والارتقائي المجتمعي، ماقد جعله في العصر الحديث ومنذ محمد علي الالباني يتخيل بدءا متوهما، يطلق عليه افراضيا اسم”عصر النهضة العربية” كصيغة تحايلية على واقع التماهي المستحيل مع الحداثة الغربية، اختص بها جزء من كيانيه الشرق متوسطيه، في وقت كان الحاصل وقتها هو حالة من الصدام الدال على توقف وعجز الظاهرة الغربية الاستعمارية والحداثية، الامر الذي اتخذ من موضع الفعالية القصوى الازدواجي الرافديني مسرحا، يبدا متواقتا مع بدايات تبلور الظاهرة الالية الغربية، وينتهي باللقاء التصادمي بين البنيتين الازدواجية التحولية، والانشطارية الأحادية الطبقية، اعلى اشكال تجلي الأحادية وارفع صيغها.
وكما كان عليه الحال في الدورة الأولى السومرية البابلية الابراهيمه، عاد موضع الازدواج الأعلى ديناميه للعمل في العصر الحديث على إعادة انتاج وبلورة التعبيرية الكيانيه الشرق متوسطية كما كان عليه الحال مع الابراهيمه الاولى، معينا من جهته مسارا اختراقيا متجاوزا للظاهرة الغربية ، غدت هي الخاصية المميزه لتاريخه الحديث، بمقابل تطامن الجزء الأحادي المصري، بالأخص بسبب بنيته الكيانيه الذاتيه، ومقاربتها الظاهرة الشكلية لبنيه الوطنية الغربية من دون الياتها، في الوقت الذي تحولت فيه الجزيرة العربية، من الاستعادة خارج زمنها السلفية، الى الريعية القاتلة للخاصيات التاريخيه التي كانت وراء توليد الظاهرة المحمدية التحرريه في القرن السابع، ومانجم عنها من اطلاق الدورة الثانيه التاريخيهن بعد ان ايقاظ الاليات التاريخيه الازدواجية الإمبراطورية الرافدينيه المتوقفه.
مالذي حصل فعليا مع حضور الغرب وظاهرته الحديثة من ناحية الانعكاس على منطقة الكيانيه متعددة الأنماط، هذا اذا تجاوزنا المتداول السطحي عن “مقاومة الهيمنة الامبرياليه”، متقصدين الجوهر الاصطراعي الناشي، سواء في البؤرة التحولية الازدواجية الرافدينيهن او على المستوى الشرق متوسطي، الامر الذي يستوجب أولا واساسا التركيز على العنصر الرئيسي المميز للظاهرة الغربية من حيث كونها نقطة انتقال من المجتمعية البيئية اليدوية، الى الاليه وحتمالات الاختلال الطبيعي المجتمعي الإنتاجي، الامر الذي لم يكن من البديهي تصور انتقاله وشموله بقية المجتمعاتن وبالذات منها على سبيل المثال المجتمع اللا احادي من مثل المجتمعية والكيانيه الازدواجية الرافدينيه، حيث الاستحالة البنيوية المانعه للانتقال الى الالة.
وهنا لابد من التوقف لاجل النظر في كيفية، ولماذا امكن للالة ان تظهر في اوربا الانشطار الطبقي بالذات، في حين كانت الكيانيه الشرق متوسطية منطقة “نبوية”، مختصة من دون الكرة الأرضية بهذا النمط من التعبيرية الشاملة للمعمورة، وهنا لابد من التعرض لناحية هامة، هي تلك التي يمكن استخلاصها بالنظر في الدورات التاريخيه التبادلية تفاعليا بين ضفتي المتوسط، لنجد ان الدورة الراهنه الغربية هي بالأحرى الثانيه، مقارنه بماهو عليه الحال في الموضع الشرق متوسطي الذي سبق له ان اجتاز دورته الثانيه، ودخل منذ القرن الثالث عشر زمن الانقطاع الثاني، مع ملاحظة كونه لم يذهب وهو يعيش دورته الثانيه المذكورة التي استمرت قرابة ست قرون، الى الالة. صحيح ان الدورة الثانيه الاوربية ليست هي الدورة الثانيه الشرق متوسطية نفسها، مثلما ان الدورة الأولى الاوربية، ليست هي الدورة الأولى كما عرفتها الكيانيه متعددة الأنماط، والسبب واضح، بما ان الدورات الاوربية، لاحقة وليست ابتدائية، أي انها تبدا مستندة لبدء اسبق ات من خارجها، تبني عليه ويكون قد اختصر امامها زمن مهما، فهيأ من الأسباب ما يجوز وصفه بالاول اللاحق، والثاني اللاحق، لا الريادي، مع مايفترض في مثل هذه الحالة من اشتراطات مضافة، هائلة في المعنى الاختباري الوجودي والتاسيسي المجتمعي مع توقع وانتظار ايقاعية إضافية بديهية بالمقارنه بين اللحظتين.
وما لم تحققة بغداد العباسيين والنظام العالمي الريعي التجاري الذي قادته مدة تقارب الخمسة قرون من انتقال كان يبدو وشيكا، نحو الالة، كان من المنتظر تحققه على الطرف الثاني من المتوسط مع نهوضه، مع ان أسبابا أخرى غير الاسبقية الميكانيكيه تدخل هنا، في مقدمها نوع البنية المجتمعية على الضفتين، وبالذات الازدواجيتين والانشطاريتين المقتابلتين، الطبقية، والمجتمعية، واذا كانت مهياة بنفس القدر بنيويا لمثل هذا الانقلاب او لا. الامر الذي من شانه وضعنا امام إشكالية مطموسة هي الأخرى تحت وطاة التعميمات الغريوية التي تصور المجتمعات برمتها وكانها مجتمعات سائرة تاريخيا الى الالة والتحول الطبقي البرجوازي المصنعي، مع ان مثل هذا الافتراض غير متفق مع ماتوحي به الالية التفاعلية المجتمعية الغربية الشرق متوسطية عند النظر الإجمالي والتوقف عند السياقات التبادلية والتناوبيه المراحلية بينهما، مامن شانه اثارة التساؤل عن احتمالية أخرى نابعه من منطوى البنيه الازدواجية المقابلة لتلك الانشطارية الطبقية التي تلائمت مع الالة في العصر الحديث، تلك هي احتمالية التلاؤم مع وسيلة الانتاح مابعد المجتمعية، مابعد الالية، وتحديدا “التكنولوجية” في حين تستعصي على، وترفض الانخراط في التحولية الالية الاوربية.
بمعنى واجمالا، ان هنالك مجتمعات”آلية” مهياة بنيويا لتقبل الانتقال الى الالة، ومجتمعات “لاآاليه”، غير مهياة للانتقال للالة، او افرازها من داخل بنيتها، بانتظار مابعدها من وسيلة انتاج تطابق كينونتها.
ـ يتبع ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يعتقد مفبركوالسردية الحديثة للعراق الراهن، وعلى جميع الصعدالمتصلة بالعراق وارض الرافدين غربويا، وبحسب الوصفة الكيانية الغربية ونموذجها “الوطني”، اي الكيانيه المتماثلة التشكل، الامر البديهي مادام هؤلاء خارج الوعي بذاتهم وبخصوصيتهم البنيوية التكوينيه، مايجعل من باب الاستحالة لفت انتباههم الى نمو العراق عبر الدورات الثلاث التي مرت عليه، من الأسفل، أي من سومر في الأولى، ومن ارضها في الكوفة والبصرة في الثانيه، ومن المنتفك سومر العصر الحديث الان، باعتبار ذلك قانونا مترابطا لزوما مع بنية الازدواج التحولي.
‎2020-‎10-‎29