الورقة الخامسة في تأهيل مساجين التطرف العنيف. الخطاب البديل الجزء الأول!
بقلم أعلية العلاني*

قبل الخوض في عملية المراجعات الفكرية في إطار برنامج تأهيل معتقلي تيار التطرف العنيف لا بد أن تضع اللجنة المشرفة على هذا البرنامج خارطة طريق تهدف إلى نزع الراديكالية عن هؤلاء، عبر خطاب يَنْفذ إلى عقول هذا الشباب المتحمس لأطروحات التشدد الديني. ونحاول التذكير بأن عملية التأهيل لها وجهان متلازمان تأهيل فكري وتأهيل اجتماعي. والنجاح في هذين النوعين من التأهيل هو الهدف الرئيسي الذي سيُمكّننا من تقليص ظاهرة التطرف العنيف إلى حدّ كبير.
1) أهمية التأهيل الفكري
تتطلب المراجعات الفكرية منهجية معينة: الإلمام بالأطروحات الفكرية الأساسية لهذا التيار وإعداد الأطروحات المضادة لها. كما تتطلب المراجعات الفكرية بيداغوجيا معينة أيضا إذ يكون من المفيد عقْدُ جلسات استماع مُطوّلة نسبيا مع هؤلاء الخاضعين لعملية التأهيل وتَرْكهم يُعبّرون عن قناعاتهم الإيديولوجية دون لوم أو مُحاجَجَة ومطالبتهم بالتعبير بكامل الحرية عن رؤيتهم للدين والحكم والأمْن والاقتصاد، وماذا يقصدون بشعار “القرآن دستورنا” وكيف يتصورون ممارسة الجهاد؟ وما هي العوامل التي تؤدي إلى تكفير الدولة وأفراد المجتمع في نظرهم. وكيف يُقيّمون علاقة الدين بالدولة؟ وتكون جلسات الاستماع المطولة مسجلة.
وبَعْد أن يُعبّر هؤلاء المعتقلون عن كل أفكارهم وخواطرهم تجتمع لجنة التأهيل لتفكيك عناصر هذا الخطاب وإعادة تركيبه ضمن رؤية جديدة مختلفة تماما. وهنا تتم مراعاة مستوى الثقافة الدينية التي يحملها هؤلاء المتشددون، إذ أن التجربة والتحقيقات تُفيد بأن صنفا من هؤلاء لهم نصيب من الثقافة الدينية ضعيف جدا، وصنف آخر تمّت أدْلجتُهُمِ منذ الصغر في فضاءات عائلية أو دينية متشددة (في بعض المساجد أو الجمعيات). ويتمّ وَضْع الخطاب البديل، كما ذكرْنا، باتفاق مع المختصّين المُكوّنين لهذه اللجنة. وهناك دراسات صادرة عن علماء النفس وعلماء الاجتماع وعلماء الدين وعلماء مختصين في الجريمة ومؤرخين وعلماء في الانتروبولوجيا حول نفسية المورط في الإرهاب في علاقة بوضعه الأُسَري والاجتماعي والثقافي ورؤيته للمخزون التراثي الديني، بالإضافة إلى المستوى التعليمي والثقافة الدينية الموجهة، وما هي أسباب انجذابه إلى أطروحات المتشددين دينيا؟ وكيف يتمّ نزْعُ الراديكالية عنه؟
2) الخطاب البديل في التمييز بين الدّين والتدين ومبدأ التوحيد ومسألة التكفير
لا بد من التركيز في بداية المُراجعات الفكرية على التمييز بين الدين والتديّن. فالدين في جوهره مجموع المعتقدات “أما التديّن فهو التطبيق العملي لتعليمات الدين” (مقال محمد الحمامصي، التديّن ليس هو الدين، العرب، 09 يوليو 2019). وفي هذه التطبيقات تتعدد الأفهام، فمفهوم التوحيد لدى تيار الإصلاح الديني في القرن 19 ليس هو نفسه لدى تيار الإسلام السياسي (سُنّة كانوا أم شيعة وخاصة لدى أحد أقطاب الفكر الإخواني سيد قطب) وهو مفهوم يُعطي لمبدأ التوحيد بُعْدا سياسيا ودينيا في نفس الوقت، بالإضافة إلى الخلْط بين الدين والتديّن الذي استعارَتْه ووظّفتْه الجماعات الجهادية. وتمتلئ أدبيات القاعدة وداعش بفتاوى تُكفّر من لا ينخرط في عملية الخلط بين الدين والتديّن على شاكلتهم. ويُستحسن أثناء المناقشات مع معتقلي الإرهاب، تبسيط مفهوم التوحيد واجتناب الجدل الفلسفي بين المذاهب حول الذات والصفات، والتركيز على أن التوحيد إفراد لله بالعبودية وعدم السقوط في تسييس هذا المفهوم كما فعل سيد قطب والمودودي وغيرهما. ولا بد من إقناع هؤلاء المعتقلين كذلك أن التكفير سلاح خطير سياسيا ودينيا، فسياسيا يُعتبر مدخلا للفتنة والحرب الأهلية والآية القرآنية تقول: “والفتنة أشدّ من القتل”، ودينيا هو نوع من أنواع صكوك الغفران (أي تقدير مَنْ هو مؤمن ومَنْ هو كافر) وهو تعدّي على صلاحيات الله الذي هو المؤهل وحده لمحاسبة البشر على الإيمان وعدم الإيمان به استنادا للآية القرآنية (لكم دينكم ولي دين) والآية (أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين).
البطاقة القادمة: الورقة السادسة في تأهيل مساجين التطرف العنيف. الخطاب البديل الجزء الثاني

أكاديمي ومحلل سياسي- جامعة منوبة – تونس
‎2020-‎10-‎24