ثلاثة انهار وصحراء وشرفه؟/3!
عبدالامير الركابي.
تعتبر حالات الاضطراب او الاقتراب من الفوضى، وبالاجمال، الاختلال في عمل الاليات المجتمعية، او مايعرف عادة بالازمات بمختلف اشكالها، كانها حالة “استثنااء” وخروج على ” الطبيعي”، او المفترض على انه “الطبيعي” و اللازم الملازم للظاهرة المجتمعية وقاعدة وجودها، ومايعرفها، ذلك على الرغم من ان الظاهرة مدار البحث لم يسبق لها، ولا استطاعت في يوم من الأيام ان تظل خاضعة لرغبة الكائن البشري في ان يراها مستقرة ثابته، بلا كوارث، ولا انهيارات او تازمات من مختلف الاشكال، على العكس من ذلك وجدت المجتمعات وظلت الى اليوم، محكومة لظاهرة الازمه والكارثة غير المعترف بها، والمنفيه من الاعتبار العقلي، ومن ثم الادراك الضروري للحقيقة المجتمعية، ولطبيعة الوجود الحي ومآلاته.
ولم يسبق للكوارثية ان، او التازم يوما ان وضعا بمقابل “البنائية” الثباتيه،او كصنو لها، ناهيك عن كونها الوجه الاخر للظاهرة مدار البحث، فضلا عن المزج بينهما كعنصرين متلازمين اصيلين في الكينونة المجتمعية، فغلب اللاكارثي على ماعداه من ضمن غلبة المنظور الأحادي الرغبوي، ماقد الحق بالرؤية البشرية للظاهرة المعاشة نقصا جوهريا فادحا، أزال من الاعتبار اهم مواطن الدينامية الاجتماعية، وغيب حقيقتها والاهداف التي هي مؤهلة لكي تبلغها وسائرة باتجاهها، ومع ان البشر قد عرفوا اسطورة شهيرة مثل “اسطورة سيزيف”، الا انهم لم يذهبوا يوما لمطابقتها على حالهم، وعلى اشتراطات وجودهم المجتمعي، هذا برغم ان المجتمعات وفي حالات بارزه وعامه بلا استثناء تقريبا، عاشت تاريخها التصّيري، اشكالا وتدرجات من “الانقطاعات” التي تعقب الدورات النهوضية، بالاخص، وبدرجة تجسيد كاملة تتابعية، في حالة ارض مابين النهرين الموضع الأصل، ومنطقة الدورات النهوضية الثلاث، وانقطاعين تاريخيين وجوديين.
ولا يستثنى من المظهر المذكور، تاريخ أي من المواضع الهامة الحاضرة تفاعليا وتاريخيا، كما الحال بالنسبة لاوربا وامبراطوريات الشرق، مايحعل من متوالية الغياب والعودة للحضور خاصية تاريخيه أساسية، سعى الغرب متوهما وقاصدا، الى نفيها باسم العلموية، محاولا تكريس نوع من الاعتقاد القائل بلا نهائية عملية “التقدم”، واتصالها اللامحدود، وتلك احدى اهم ضلالات الحداثة الغربية واوهامها الكبرى، الناشئة عن الرغبة بالايحاء بالديمومة الهيمنية، كرست اليوم في وقت كان يفترض ان يحدث العكس، فتجري إزالة المفهوم الاولى الذي ظل يلازم نظرة الكائن البشري للمجتمعية والحياة.
ولعل اهم مايترتب على نفي واستبعاد فكرة السيزيفية المجتمعية، انها تبعد كليا احتمالية التفاقم، او مايمكن اعتباره نوعا من التحول الكيفي الحتمي والبديهي ربما، ذلك سوى مايتعلق بنظرة الكائن البشري لما يخص وجوده بالاجمال، باعتباره وجودا ضمن اشتراطات فنائية، لا ثباتيه، منتهاها متوقف على غلبة أسباب الفناء، و وتوقف الفعاليّة الديناميه، الامر الذي لم تفلح سوى الرؤى المجتمعية اللااضوية، في مقاربته ابتدائيا لدرجة تبنيه مرتكزا رؤوويا ” قياميا”، كان الاحرى بمايعرف بالجانب الوضعي الارضوي من التفكير، ان يأخذ به، ليضعه كاحتمالية واقعية ظاهرة و مستديمة، وصولاالى مايمكن ان يتولد عنه من ختام متوقع.
هل الظاهرة المجتمعية سائرة الى “غلبة حالة الانقطاع التاريخي النهائي؟”، لم يعالج هذا الاحتمال من قبل وضعيا، ناهيك عن ان يدخل مجال البحث كمحور اهتمام مركزي، الامر الذي كان يوجب التعرض لمسالتين جوهريتين: هل المجتمعات وجدت من التجمع وإنتاج الغذاء سدا للحاجة الحيوية وحسب، ولكي تتكررهذه العملية دائريا الى مالا نهاية له، باعتبارها الهدف والمقصد المحدد للذاتيه المجتمعية، ام ان الحالة المذكورة، وجدت محكومة لاشتراطات ديناميه متغيرة، او كما يقال صعودية “تقدميه”، مامن شانه نفي وحدانيه مظهري ( التجمع + انتاج الغذاء بعد عصر التقاطه وصيده) ليجعل من الظاهرة المجتمعية تعريفا: حالة تجمع وإنتاج الغذاء ضمن صيرورة تحزلية صاعدة. مع ماينطوي عليه ذلك من احتمالية “نهاية” وتجاوز للذاتية المؤقته حكما ونشاة، ماقد حدث ان قال به، وبما يلفت النظر اليه، ماركس، وان من منطلق احادي انشطاري طبقي مقفل، نابع من مجال حياة مكتشفه الانشطارية الطبقية.
التساؤل الاخر المترتب على الأول هو : مادامت الظاهرة المجتمعية دينامية حكما، وسائرة الى مابعدها صعودا، فمن اين تاتي أسباب وعوامل ديناميتها وتحريك أسباب صيرورتها؟ وهنا نتذكر بالمناسبه ماقد قال به ماركس عن “الطبقات”، مقررا بكل ثقه لاتقبل الجدل ان “تاريخ المجتمعات ماهو الا تاريخ صراع طبقات” الامر الذي يناسب نوعا من المجتمعات من دون غيره، هو الأوربي حصرا، علما بان المجتمعية المكتملة لايؤرخ لها باوربا بالذات، بل في ارض الرافدين والشرق المتوسطي، حيث صراع الطبقات لاوجود له، لاابتداء، ولا انتهاء، وحيث المجتمعية ازدواجية ارضوية، ولا ارضوية، تبدا أولا وتسأسيسا بالمجتمع اللاطبقي اللاارضوي، غير القابل للتحقق ارضويا كما حال مجتمع سومر، اصل المجتمعية وبداية اكتمالها التحوليّ.
ثمة مجتمعات طبقية قطعا، لكنها مجتمعات ثانوية موجودة من ضمن الخارطة المجتمعية، لكي تضطلع بادوار ضمنها تناسبها كينونة، و تؤهلها لاداء دورها التحولي الممبز، مايعني كقاعدة ان المجتمعات تنشا عند نضوجها التحولي محكومة لاليات المنتجية والتجمع، ولاتكتمل الا بفعل البيئة التي تتم ضمنها وخضوعا لمقتضاها عمليتا الإنتاج والاجتماع معا، او الاجتماعو/ إنتاجية، فليس مجتمع اللادولة الأحادي الخاضع لاقتصاد الغزو والاحتراب بدل العمل بالارض، هو نفسه المجتمع الإنكليزي او الفرنسي، ناهيك عن الصيني، لابل والمصري الذي هو مجتمع أحادية تغلب فيه ظاهرة الدولة التي تحتوي المجتمع، خضوعا لاسباب بنيوية نهرية متاتيه من دور النيل المتوائم مع الجهد البشري والانتاجي، مقابل النهرين في ارض مابين النهرين، وحضورهما المدمر العاتي، ومايترتب عليه وينجم عنه، مع جمله العوامل المجافية الأخرى، من شكل مجتمعية ازدواج تحولي امبراطوري انقطاعي صعودي نموذجي.
لم يسبق ان جرى التفكير بما قبل، او بممهدات المجتمعية كوكبيا، او شكل توزع المسرح الأرضي الذي وجدت عليه، واهمل لاسباب غنية عن الذكر، دور الكوكب كعامل “حي” وعنصر حيوي ومشارك أساس في العملية النشوئية الارتقائية، من بداياتها، وصولا الى تهيئة الأرضية التحولية البيئية المناخية الملائمه تحوليا، ثم لاكتمال واحكام “خارطتها” التي تضمن تفاعليتها ووجهة صيرورتها المصممه بما يفضي الى مابعدها، الامر الذي ينفي أولوية فعل بنيتها المطلقة، أووحدة نمطيتها كما يعتقد الطبقيون الاحاديون.
تقتضي السيرورة التحولية، تعددية نمطية، وكيانيه ازدواجية، واحاديتين، كنماذج رئيسية ليست متماثلة تماما، وكيانيه ابتداء متعددة الأنماط، يقابلها نوع كيانيه احادية تتحول الى حالة نموذج ايهامي عند لحظة من تاريخ التصيّرمع نهوض الغرب الحديث وغلبته، مع مايرافق ذلك من محاولة تكريس لاحتمالية الاستمرارية اللانهائية من ناحية، والمادية التاريخيه كمآل للطبقية، والمنظوران دالان على العجز بإزاء الظاهرة المجتمعية ونمطياتها من ناحية، كما اليات صيرورتها واشكالها بحسب التفاعلية المجتمعية البيئية المسبقة.
كل هذه النواحي ظلت ناقصة، وتحول دون مقاربة العقل البشري للظاهرة المجتمعية كما هي بشمول مقاصدها المنطوية ضمن بنيتها وكينونتها الكوكبية، غير ان من اهم ما يغيب من اللوحه بالاخص في جانبها الدينامي، مايتعلق باحتمالية تغير او انتهاء فعل الأوان الارضوي البيئي، وتبدل مفعوله، او حصول طاريء محتمل من شانه تغييردرجه فعله ونوعه، من قبيل وعلى وجه الحصر الانتقال الذي حصل في العصر الحديث، من الإنتاج اليدوي الى الالي، ومترتبات هذه الوسيلة، ودرجة تاثيرها في تغيير الحضور البيئي الجغرافي على العملية الاجتماعية، عدا عن الانتقال اللاحق الى “التكنولوجيا”، واطلالتها قبل تمكنها من الغلبة كوسيلة انتاج مافوق مجتمعية.
ووقتها هل يمكن تصور او افتراض اثر المتغير الطاريء على فعالية، ونوع حضور العامل البيئي المناخي الناجم عن غلبة الاليه المجتمعية الغربية ومايواكبها نموذجا وتفكرا وحضورا ماديا، واثره على الديناميات الفاعلة تاريخيا، بالذات في منطقة او كيانية الأنماط المتعدد، او الاحتشاد النمطي، من قبيل توقف مفعول واليات الازدواج المجتمعي في العراق، وانتفاء الفعالية الاحترابية، وطبيعة المجتمعية الأحادية الاحترابي في الجزيرة العربية، وتوقف النيل عن الفعل بصفته المشكل للاليات المجتمعية في مصر، ومايمكن ان يترتب على انقلاب تاريخي استثنائي من هذا القبيل على مجمل الحياة والسيرورة المجتمعية في الموضع التاسيسي مجتمعيا، مع مايمكن تخيله من شكل التحدي العقلي الفكري المواكب له.
تعيش كيانية ومنطقة التعددية النمطية راهنا، ازمة كبرى غيرمدركة، وخارج ممكنات المقاربة العقلية، تستمر متفاقمة تحت وقع الاختلال العميق الواقع على البنى الأصل وعملها، اهم تجلياتها بلوغ المجتمعية الازدواجية الرافدينية لحظة “فك الازدواج” المفضية الى التحول، والى تحقق ماكان كامنا ومنتظرا خلال الاف السنين.
ـ يتبع ـ
‎2020-‎10-‎24