هل تشعل هواوي فتيل الأزمة بين الصين والسويد؟

د. تمارا برّو.
انضمت السويد إلى قائمة الدول التي حظرت استخدام معدات الاتصالات من شركة هواوي الصينية في شبكات الجيل الخامس. فقد حظرت هيئة البريد والاتصالات السويدية في 20 تشرين الأول/ أكتوبر استخدام منتجات من شركتي هواوي و ZTE الصينيتين في مزاد تقنيات الجيل الخامس المقرر عقده الشهر المقبل. وقالت الهيئة إن الإجراء يأتي لحماية الأمن القومي مضيفة أنه على شركات الاتصالات اللاسلكية التي تخطط لاستخدام البنية التحتية للاتصالات الحالية لشبكات الجيل الخامس أن تتخلص من أي معدات موجودة من الشركتين بحلول كانون الثاني/ يناير 2025. وفي معرض تعليقها على قرار الحظر أعربت الصين عن استيائها الشديد من السويد، وجاء ذلك على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو ليجيان، الذي اتهم السويد باستخدام الأمن القومي كذريعة لتشويه سمعة الشركات الصينية، وقمع شركات الاتصالات الصينية علانية، وتسييس التعاون الاقتصادي الطبيعي. وأضاف ليجيان أنه يتعين على السويد تصحيح خطأها من أجل تجنّب التأثير السلبي على التعاون الاقتصادي بين الصين والسويد والشركات السويدية العاملة في الصين. وجاءت تصريحات تشاو بمثابة تكرار لبيان صحفي مماثل صدر من قبل السفارة الصينية في السويد.
قرار السويد بحظر شركتي هواوي و ZTE لم يكن غريباً إذ أن المعطيات والأحداث تشير إلى ذلك. فالعلاقات السويدية الصينية تشهد منذ سنوات اضطرابات على خلفية سجن الناشر السويدي الصيني الأصل غوي مينهاي، الذي أدين في الصين عام 2015 في إطار قضية قانون عام، وأفرج عنه في العام 2017، ثم اعتقل مجدداً في العام 2018 ، ليحكم عليه القضاء الصيني في شباط/ فبراير 2020 بالسجن 10 سنوات بتهمة نشر معلومات سرية في الخارج خلافاً للقانون. وكانت السويد قد طالبت مراراً وتكراراً بإطلاق سراح مينهاي لكن دون جدوى. وأثار منح الناشر مينهاي في تشرين الثاني/نوفمبر 2019 جائزة رابطة القلم السويدية “توتشولسكي”، وهي جائزة سنوية تمنح للكتّاب والمعلمين الذين يعيشون تحت التهديد أو في المنفى، حفيظة الصين التي دعا سفيرها في السويد غوي كونيو إلى إلغاء الجائزة مضيفاً أنها “ستحدث تأثيرات سلبية خطيرة” على التعاون الثنائي بين الصين والسويد. وفي العام 2018 أدانت السفارة الصينية في السويد تعامل قوات الأمن السويدية مع سيّاح صينيين وطردهم بالقوة من أحد الفنادق. وبعد نحو أسبوعين من هذه الحادثة، أثار عرض برنامج “أخبار السويديين” (Svenska Nyheter) الساخر، الذي بثته هيئة الإذاعة الوطنية السويدية، انزعاج الصينيين حيث تناول البرنامج بطريقة ساخرة طرد السيّاح الصينيين من الفندق، كما عرض البرنامج دليلاً إرشادياً حول ما يمكن للسيّاح الصينيين القيام به في السويد وما لا يمكن فعله بطريقة ساخرة، وعرض خريطة الصين بدون تايوان وجزءاً من منطقة التيبت. لم يرق للسفارة الصينية استخدام حادثة النزل في استوكهولم، وطرد الشرطة للسائحين، في البرنامج الساخر فطالبت بالاعتذار متهمة البرنامج ومقدمه بنشر العنصرية والدعوة إلى الكراهية. وفي العام 2019 رفضت السويد طلب تسليم الصين مواطناً صينياً متهماً باختلاس الأموال، على اعتبار أنه قد يتعرض للتعذيب والإعدام. وتأزمت العلاقات أكثر بين بكين وستوكهولم في الآونة الأخيرة حيث انتقدت الأخيرة تعامل الصين مع مسلمي الايغور. ومن جهة أخرى ضغطت ستوكهولم في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الذي عقد في شهر أيار / مايو 2020 من أجل فرض عقوبات على الصين بعد أن تبنى البرلمان الصيني قانون الأمن القومي لهونغ كونغ. كما أقدمت السويد على إغلاق معاهد كونفوشيوس على أراضيها، وأدى هذا الإغلاق إلى إنهاء برامج التبادل الثقافي واتفاقيات التوأمة بين المدن الصينية والسويدية. فمثلاً في نيسان/إبريل 2020 أنهت مدينة غوتنبرع، ثاني أكبر مدينة في السويد، اتفاقية توأمة مع شنغهاي والتي وقعت قبل 34 عاماً. ومع تفشي فيروس كورونا، انضمت السويد إلى نادي الدول المطالبة بإجراء تحقيق دولي حول أصل الفيروس وانتشاره. والصين من جهتها انتقدت تعامل السويد مع فيروس كورونا المستجدّ، عبر مقال نشر في صحيفة غلوبال تايمز، المرتبطة بالحزب الشيوعي الصيني، وطالبت المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي بإدانة السويد لأنها استسلمت قبل تفشي الفيروس.
تقود الولايات المتحدة الأميركية حملة على هواوي، التي تتهمها بأنها خطر على أمنها القومي، وتحض حلفائها على أن تحذو حذوها على خلفية المواجهة الأميركية الصينية، وهي قد نجحت بالفعل مع بريطانيا التي أعلنت منتصف تموز/ يوليو استبعاد هواوي من المشاركة في شبكة الجيل الخامس. وبعد هذا الإعلان قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه كان مسؤولاً عن قرار الاستبعاد وأضاف بأنه اقنع العديد من الدول بحظر هواوي لأنها بحسب تعبيره تشكل خطراً أمنياً. ويبدو أنها نجحت أيضاً مع السويد، التي تربطها بها علاقات تجارية وعسكرية قوية، اذ تعتبر الولايات المتحدة الأميركية ثالث أكبر سوق للصادرات السويدية. ومؤخراً بدأت ستوكهولم تستنجد بواشنطن لمواجهة التهديدات الروسية لها. كما يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية كان لها يدّ في اسقاط السويد تهمة الاغتصاب عن جوليان أسانج ووقف ملاحقته، كي تتمكن من استرداده من بريطانيا في أسرع وقت ممكن تمهيداً لمحاكمته بسبب نشره مئات آلاف الوثائق السرية.
لا جدال في أن حظر الشركتين الصينيتين سوف يضر بمصالح الشركات السويدية في الصين (إن أقدمت الأخيرة على ذلك)، ولاسيما شركة إريكسون، التي أعلنت بعد يوم واحد من حظر السويد لشركة هواوي، أنها حققت أرباحاً أقوى من المتوقع خلال الربع الثالث، حيث تمكنت الشركة من توسيع حصتها السوقية. ونظراً لأهمية الصين بالنسبة للشركة، التي فازت بعقود من أكبر ثلاث شركات اتصالات في الصين ( تشاينا موبايل، وتشاينا تيليكوم، وتشاينا يونيكوم) دعا الرئيس التنفيذي للشركة بوريه إيكهولم، إلى رعاية العلاقة مع الصين وقال “تستثمر الصين في توسيع شبكة الجيل الخامس بسرعة كبيرة، وبالتالي من المهم جداً بالنسبة لنا أن نكون هناك”. إضافة إلى شركة إريكسون، يمكن أن يضر تصرف السويد بشركة فولفو السويدية للسيارات المملوكة لشركة جيلي الصينية والتي توظف آلاف العمال في مصنعها المترامي الأطراف في شمال جوتنبرج وتعتمد عليه آلاف الوظائف الأخرى بشكل غير مباشر. هذا وتشتهر في الصين شركة IKEA السويدية المتخصصة في صناعة الأثاث، والتي تجد أكثر زبائن لها في الصين مع 28 متجراً، ومن المحتمل أن يطالها الضرر أيضاً جراء قرار حظر شركة هواوي، ناهيك عن الاستثمارات الصينية في السويد والتي بدأت تزداد بشكل كبير منذ العام 2014.
في ظل الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة الأميركية على الدول الأوروبية لاستبعاد شركة هواوي من شبكات الجيل الخامس، هل نشهد مزيداً من الدول التي تقدم على هذه الخطوة وتوتير علاقتها مع الصين؟
‎2020-‎10-‎23