وقفات على المفارق مع… جبل العرب وأيلول الأسود!
(الجزء الأول)

سعيد نفّاع.

الوقفة الأولى… جبل العرب هو جبل العرب لأنّه لكل العرب!
هذه الوقفة أقفها مع منشور “فيسبوكّي” أطلقته أيامًا قليلة بعد اعتداء أواخر أيلول 2020 على أراضي القْريّة في الجبل، وقد أثار المنشور نقاشًا ومن طرفيّ المتراس، ولا شكّ أنّ النقاش حول فحواه كان وراء وقفاتي هذه. أقف فيها متوخيّا من طيّبي النوايا بطروحاتهم أن يستفيدوا من المعلومات في بلورة المواقف، بدل أن تكون عاطفيّة ارتجاليّة. ولقد تقوّى موقفي في إعادة الوقوف مع المنشور على ضوء ما قرأته من موادّ بعد المنشور. وكان جاء في المنشور:
“لم أشأ أن أدلو بدلوي حول الاعتداء الأخير الذي شنّه فيلق “أحمد العُوده” على بلدة “القْرَيّة” مسقط رأس سلطان الأطرش وموقع نصب شهداء الثورة العربيّة السوريّة الكبرى عام 1925م. لم أشأ ذلك لأنّي ما رأيت في الأمر أكثر أو أقلّ من أيّ اعتداء يجري على الأراضي السوريّة ضدّ مواطنين سوريّين بغض النظر عن انتماءاتهم الثانويّة، بدءًا بالمعتدي الأكبر إسرائيل وأدواتها ومنها “العودِه”، وانطلاقًا من أنّ دم الجندي السوري ابن الجبل المسفوك في دير الزور لا يختلف عن دم الجندي من دير الزور المسفوك في السويداء.
ولكن على ضوء المنشورات “الدرزيّة الإسرائيليّة” الفاقعة مرارات ودِرَر أصحابها على دروز الجبل ومتناسين من الذي سلّح العُودِه، لا بدّ من بعض قول:
أوّلا: أخطر ما تعرّض له الجبل ومنذ أن اندلعت الأحداث وثمّ الحرب في سوريا ليس جبهة النصرة ربيبة إسرائيل في الجنوب السوري على حدود الجبل، وإنّما محاولات ضرب وحدة أبناء الجبل ودقّ الأسافين بينه وبين الدولة.
ثانيًا والأخطر: إنّ غالبيّة أصحاب المنشورات “الدرزيّة الإسرائيليّة” استُعمِلوا أدوات من حيث يدرون أو لا يدرون، للوصول إلى الهدف المزدوج أعلاه؛ ضرب الوحدة ودقّ الأسافين، وقد نجحت نسبيّا الأيادي الخفيّة التي شغّلتهم، إذ خلقت بواسطتهم وبالدولارات قوى انفصاليّة كادت أن تحرق الجبل، لولا الحكمة التي تمّ التعامل معها رغم كثرة استفزازاتها.
ثالثًا: ما جرى بالأمس هو من تبعات وبقايا هذا ليس إلّا، وبغض النظر عن السبب المباشر الظاهر!
أخيرًا: بالمناسبة، الغالبيّة العظمى من الشهداء ليسوا منتمين لهذه القوى الانفصاليّة عالية الضجيج كثيفة صفحات الفيس بوك والبيانات.”
عندما استعمل مصطلح: “الصوت الدرزي الإسرائيلي” أنا أفرّق بين نقاش الفعاليّات الدرزيّة غير الرسميّة أفراد أو جماعات وبين الرسميّة، فبالنسبة للرسميّة والمرتبطة بالمؤسّسة فحدّث ولا حرج وليست ابنة نقاش هي ابنة إدانة في كلّ ما فعلته في الجبل. فللفعاليّات غير الرسميّة إسرائيليّة التوجّه طائفيّة المنطلق، التي تقوم قيامتها على “النظام” إن بدأت الدولة بحملة تجميع للمتخلّفين، ولا تلبث أن تقوم على “النظام” إن تخلّف عن مد يد العون للمليشيات الجبليّة والتي أساس قيامها هو الطلب من الدولة أن تعفي المتخلّفين لصفوفها أو في حالات ليست قليلة الوقوف العنيف في وجه الدولة “حماية” للمتخلّفين واحتوائهم تحت موقف أو حجّة أن يقوموا هم بواجب الحماية والدفاع عن الجبل، وهذا بغضّ النظر عن مصادر التمويل، فلغير الرسميّة وعلى ضوء ذلك وبمقولتنا المحليّة لا يجوز: “لا أرحمك ولا أخلّي غيري يرحمك، وإن طلع في يدي ما أخلّي رحمة ربنا تنزل عليك!”
الوقفة الثانية… تنّوع ونوعيّة المواقف ودوافعها.
المواقف المحليّة (عرب ال-48 بكلّ أطيافهم) من الأزمة السوريّة ومنذ أن اندلعت في آذار 2011 قلّما كانت موضوعيّة، غالبيّتها انطلقت طبقًا للآراء المسبقة والانتماءات الفكريّة والسياسيّة وحتّى الاجتماعيّة المختلفة وليس اعتمادًا على قراءة الحدث. في المعسكر، إذا صحّ التعبير، المؤيّد للدولة السوريّة بقيادتها ومؤسّساتها، يستطيع المرء المتابع أن يميّز اتجاهين:
الأول: المساند ل”النظام” (كما يطيب للبعض الاستعمال) بشكل مطلق وبغضّ النظر عن أدائه سوريّا وعربيّا قبل الأزمة وخلال الأزمة، وهذا لا يُبقِ ولا يذَر لكلّ من يطال النظام ولو ملامةً. والثاني: المؤيّد ل”النظام” ومحتكمًا إلى مواقف النظام من القضايا الأساس للأمّة وفي صلبها القضيّة الفلسطينيّة دون أن يتجاهل أداءه لا محليّا سوريّا ولا إقليميّا عربيّا لا قبل الأزمة ولا خلال الأزمة، يعبّر عن ذلك وفي كلّ مناسبة شفهيّا وخطيّا، ويميّز بين أعداء النظام وخصوم النظام. هؤلاء وأولئك، الاتّجاهان، أصحابهم بالأساس وطنيّون فلسطينيّا قوميّون عروبيّون عربيّا أو يساريّون تقدّميّين.
أمّا المعسكر الآخر ففيه اتجاهات كثيرة، ولكن القاسم المشترك بين هذه الاتّجاهات، مع كلّ الغرابة في الأمر لبعد المسافة الفكريّة والسياسيّة والاجتماعيّة بين مركّباته، هو معاداة “النظام” بقاموسهم، وطبعًا يعلّلون الغرابة تلك ويفسّرونها باختلاف المنطلقات، ويستطيع المرء أن يشير إلى ثلاثة اتجاهات أساسيّة في هذا المعسكر، وكالآتي:
الاتّجاه الأوّل: “المُتأسرِل”، وهو من شقيّن: الشقّ الأول المنطلق ذاتيّاً ممّا تمليه عليه إسرائيليّته قناعة، ولا فرق إن كانت مصلحيّة أو غير ذلك. والشقّ الثاني وهو كالأول ولكنه المنطلِق ممّا تمليه عليه المؤسّسة الإسرائيليّة خدمة لأهدافها من ناحيته ويقبل الإملاء قناعة بإسرائيليّته هو الآخر.
الاتّجاه الثاني: هو الطائفيّ السنّي وفي طليعته الإخوان المسلمون؛ الحركات الإسلاميّة، ويكفينا الإشارة أنّ بعض رموز هذا الاتّجاه وحين كان “النظام” يأوي “حماس- حركة المقاومة الإسلاميّة الفلسطينيّة”، كانوا يتوجهون إلى الرئيس السوريّ في المهرجانات الجولانيّة؛ ذكرى إضراب الجنسيّات وعيد الجلاء: “يا هذا الشبل من ذاك الأسد”، وإذ بالشبل وبعد الأزمة يصبح: “العلويّ الرافضي الباطنيّ الكافر”، وهذا الاتّجاه يلتقي في خلفيّة بعض أطروحاته ضدّ النظام مع الأطروحات الطائفيّة المحليّة الأخرى وعينيّا الدرزيّة.
والاتجاه الثالث: هو مجموع أكاديميّين يصنّفون أنفسهم يساريّين و\أو لبراليّين والبعض يساريّين و\ أو قوميّين ودعاة الحريّة وحقوق الإنسان والديموقراطيّة الأثينيّة. تجد بينهم فئة في نظرها “النظام” السوريّ هو المسؤول عن كلّ الموبقات في الأمّة وحتّى وإن “لم تنبت الخبيزة بعد الشتاء” فالمسؤوليّة عليه، وغطاؤهم أنّ النظام فاشيّ و.. و.. وزد ما شئت. وفئة أخرى نرجسيّة محبطة لا “يعجبها العجب ولا الصيام في رجب” في وعند هذه الأمّة من محيطها إلى خليجها بمجتمعاتها ودولها، فكلّ ما فيها مقرف متخلّف ومنها طبعًا النظام السوريّ، اللهم إلّا هم فهم من كلّ ذلك براء. هاتان الفئتان المشترك بينهما هو التنظير وإطلاق الأحكام ليس إلّا ولن تجدهم في أيّ ساحة نضاليّة ميدانيّة إلّا إذا ضمنوا فيها السلامة أوّلا والميكرفون ثانيا والعكس صحيح. وهنالك أخرى ثالثة وهي أكثر خطورة وهي المندسّة بخطابها انتهازيّا أو مهامّاتيّا طبقًا لمهامّ منوطة بها ممن يقف وراءها.
يميّز خطاب هذه الفئات الثلاث المزايدة من ناحية والعنف الكلاميّ من الأخرى وتوجيه الاتهامات وتقليد ال”نياشين”؛ التخلّفية في أحسن الحالات لكلّ من يرى غير ما يرون وليس فقط في الشأن السوريّ موضوعنا، وعلى الغالب يقلّدون هذه “النياشين” دون تمحيص وفي كثير من الحالات بقصد تشويه الآخرين وتغطية أقفيتهم هم.
في هذا الاتّجاه الثالث فئة رابعة عقلانيّة حتّى لو لم تتفّق معها ولا تتّفق معك وهاوية تفصل بين وجهة نظرك ووجهة نظرها، لكنْ يظل نقاشها في خانة النقاش الموضوعيّ، لا المتساوق مع أطروحات أعداء الأمّة وحلفائهم من الأمّة، حتّى وإن التقى النقاش شكليّا مع تلك الأطروحات، ولا يتمحور نقاشها حول الشعاراتيّ المزايد المُتّهم أصحاب الرأي الآخر عشوائيّا بما هبّ ودبّ، وهذه الفئة الرابعة عادة تخوض نضالاتها ميدانيّا دافعة الثمن مواقعًا ولقمة عيش.
الوقفة الثالثة… الجبل المشهد العينيّ والعام.
في الجبل وحول الجبل يوجد من كلّ تلك الاتّجاهات (الفلسطينيّة – الثمان وأربعينيّة) مع اختلاف المرجعيّات لدى بعضها، اللّهم إلّا أنّ الأكثريّة في الجبل هي مع قيادة بلدها موقفًا وممارسة حقيقةّ وإن كان البعض عندنا يعتبر ذلك خوفًا ولكنها تبقى حقيقة، وهو حرّ!
لكلّ هؤلاء عندنا وفي الجبل ومهما اختلفت اجتهاداتهم ومواقفهم، لعلّ في الآتي الإسرائيلي ما يضيء ولو ومضة أمامهم، وما أشبه اليوم بالأمس، ففي مقال كنت كتبته في حزيران 2015 تحت عنوان: “لن يضيع الجبل بين العمائم والياقات”، كتبت فيه:
التحركات التي يقوم بها الجيش السوريّ أو إعادة التموضع وبغض النظر عن دواعيه وأسبابه، وإن كان وبحق يقلق البعض، لم يثر مثل هذه العاصفة الهوجاء التي ثارت عندما قارب هذا التحرّك أو التموضع أكناف جبل العرب. فلماذا؟ وهل سيضيع جبل العرب بين العمائم والياقات؟!
جبل العرب كان هدفا للحركة الصهيونيّة منذ أن حلّت في منطقتنا وفي سياقين؛ الأول: برنامجها الذي أسمته تحالف الأقليّات الدروز والعلويّين والموارنة واليهود وهذا معروف ومشهور، أما الثاني والأقل شهرة ومعرفة: ترحيل دروز فلسطين إلى الجبل والاستيلاء على قراهم وأملاكهم للمهاجرين اليهود مقابل دعمهم ماديّا في الاستيطان في الجبل وتعزيزا لمشروعها أعلاه. ويكفي للدلالة الاقتباس الآتي من تقرير لإلياهو أفشتاين المسؤول حينها في القسم السياسي في الوكالة اليهوديّة والمتخصص في شؤون سوريّة ولبنان – (أرشيف الهجناه تل- أبيب المصدر رقم 5أ-8ب): “إسكان الدروز في الأراضي المتروكة في الجبل يجلب الفائدة الاقتصاديّة ويمنع تسلط البدو عليها… سكان الجبل 70 ألفا منهم 57,764 من الدروز، 6 نسمات لكل كم مربع، يعني أخفض النسب في الاكتظاظ في أرض الانتداب الفرنسيّ وإضافة 10 آلاف درزي من أرض إسرائيل أمكانية سهلة… هذا يقوي الدروز في الجبل سياسيّا ويقوي مطالبهم في الاستقلال الذاتي…”.
من نافل القول، أن نقرّر أن إسرائيل هي الرابح الوحيد في المنطقة من الأزمة العاصفة اليوم بالدول العربيّة، وهي التي تفرك اليوم أكفها بهناء ما بعده هناء، والمحاولات الحثيثة التي كانت وما زالت لشقّ أبناء الشعب العربيّ السوريّ عن بعضهم البعض وعن قيادتهم هي اليوم أكثر وأخطر، والخوف الأكبر اليوم هو استغلال الواقع الجديد وتهويله لا بل تأجيجه لعلّها تُسقط في شباكها أهل الجبل، وأدواتها ممن يلبسون من نسيجها باطنا وظاهرا “لبوس الغيرة” على أهل الجبل بحكم الانتماء المذهبيّ.
الوقفة الرابعة… الجبل في اللعبة الإقليميّة.
وأضفت في المقال أعلاه: ومن باب ذكّر إن نفعت الذكرى، فقد انشغلت مراكز الأبحاث الإسرائيليّة في الأزمة السوريّة من بداياتها، وعكفت بشكل خاص على القيام بمحاولات تسليط الضوء على محتوى ومضمون الحدث السوريّ وتداعياته على الدولة العبريّة، وفي هذا السياق فقد نشر مركز (اورشليم للسياسة العامة)، ومقره القدس الغربيّة العديد من الاوراق البحثية التي حاولت بلورة رؤية محددة ازاء حركات الاحتجاج السياسي الشرق اوسطية، وعلى وجه الخصوص تلك المتعلقة بالحدث السوري. فما هي مكانة الحدث السوري في الادراك السياسي والاستراتيجي الاسرائيلي وعلى وجه الخصوص الإدراك اليميني، الذي يمثله المركز المذكور؟
نشر المركز على موقعه الالكتروني، ورقة بحث، اعدّها البروفيسور الإسرائيلي أيال زيسر، حملت عنوان: “الانتفاضة السورية، التأثيرات على إسرائيل”، ….. وممّا جاء فيها:
“وأما بالنسبة لسورية، فقد اوضح زيسر، الذي يُعتبر مرجعًا في الشؤون السوريّة بالدولة العبريّة، انّه في حالة صعود حركة الاخوان المسلمين السورية (النصرة)، فإنها سوف تدفع باتجاه ابعاد دمشق عن ايران وحزب الله اللبناني، اضافة الى انّ رموز هذه الحركة من خلال علاقاتهم مع النخب الاردنية والسعودية والنخب التركية، والامريكية والغربية الاوروبية، سوف يعملون باتجاه بناء افضل الروابط مع امريكا وبلدان اوروبا الغربية، وخلص البروفيسور زيسر الى القول انّه واذا اضفنا الى ذلك الحقيقة القائلة انّ دمشق البديلة سوف تكون هي دمشق الضعيفة، فانّ خيار صعود جماعة الاخوان المسلمين السورية هو الافضل بالنسبة لإسرائيل”.
جدير بالذكر في هذا السياق الى انّه بالرغم من انّ الخبير الاسرائيليّ يُفضّل خيار استبدال سوريّة القويّة بسوريّة الضعيفة، فقد كان لافتا اعترافه بالحقيقة الاتية:
“ما زالت فعاليات الحدث السوري الاحتجاجية مقتصرة حصرا على جزء صغير محدود من المجتمع الاسلاميّ السنيّ، وليس كله، بالإضافة الى ذلك، قال انّ المجتمع الدرزي ما زال بعيدًا عن المشاركة في الاحتجاجات، وبالنسبة للمسيحيين السوريين فقد حسموا الامر لجهة خيار دعم نظام البعث القوي، وفيما يتعلق بالأكراد، فعلى الرغم من خلافهم مع النظام الحاكم في سوريّة، فانّ السواد الاعظم منهم، أصبح حاليا، أكثر اهتماما بالوقوف بعيدا ومراقبة الامور عن كثب، وذلك عملا بالمبدأ القائل: دعنا ننتظر ونرى، على حد تعبيره. يُشار الى انّ الموقف الذي طرحه زيسر يتساوق مع موقف رئيس الموساد السابق، مئير دغان، الذي أكد مؤخرا على انّ سقوط نظام البعث في سوريّة، هو الافضل بالنسبة للدولة العبريّة”.
أبعد هذا الوضوح وضوح!!!
الوقفة الخامسة… خاتمة وفاتحة للجزء الثاني.
الحرب العدوانيّة على سوريّة هي حرب وجود وحتى إن لم تكن كذلك في البداية أو حسبها البعض أنها لم تكن كذلك، فهي حرب وجود على سوريّة الدولة وعل سوريّة أطياف شعبها وخصوصًا المصنّفين كفّارًا، فلا هزيمة في حروب الوجود فإما النصر أو النصر. ومثل هكذا حروب هي طويلة، ولا حاجة أن يكون الإنسان خبيرا عسكريّا، ليقرّر أن في مثل هكذا حروب، المحارب بحاجة ل”راحة محارب” وبحاجة لترتيب وإعادة تموضع، والتموضع يتم عادة في الأماكن التي يأمن فيها ظهيره، والجبل لم يكن يوما إلا ظهيرا وطنيّا قوميّا أمينًا.

أوائل تشرين الأول 2020
…..\ يتبع

2020-10-18