الورقة الرابعة في تأهيل مساجين التطرف العنيف!
بقلم أعلية العلاني*
نتناول في هذه الورقة مفهوم التكفير بالإضافة إلى تحديد علاقة الدين بالدولة في منظور التيارات الدينية الراديكالية.
1) مفهوم التكفير
ظهر التكفير في العصور الإسلامية الأولى مع الفرق الكلامية، وهو في الأصل تكفير سياسي مغلف بطابع ديني. ويُرجع بعض الباحثين بروز ظاهرة التكفير بشكل جليّ إلى فرقة الخوارج التي خرجت عن الخليفة علي ابن أبي طالب عندما قَبِل هذا الأخير مبدأ التحكيم في حربه مع والي الشام معاوية ابن أبي سفيان مما أدى إلى خلْع عليّ من الحكم، وقبْلهُ كفّر الخوارج الخليفة عثمان بن عفان بتهمة توليته وُلاّة من قبيلته من بني أمية ومَنْحهم بعض العطايا، فاتُّهم فقهاء أهل السُّنّة الخوارج بقتلهم الخليفتين عثمان وعليّ (حدث هذا في القرن الأول الهجري الموافق للقرن السابع الميلادي)، وكل ذلك كان بسبب الصراع على الحكم. وفي الحقبة المعاصرة يُكفّر الظواهري الحاكم الذي لا يحكم بشريعة الله، وهو موقف مستوحى من فكر سيد قطب. ويَعتبر الباحث محمد كامل أن “خطورة التكفير تأتي في أنه يتْبعه حكم الردة الذي يُبيح دم المخالف” (محمد كامل، القاعدة وداعش، الوطن، 9 أغسطس/أوت 2020). أما داعش فهي تتوسع أكثر في دائرة التكفير، من ذلك مثلا استعمالُها لمصطلح التكفير المتسلسل “وهو تكفير من لم يُكفّر الكافر”، وما ينتج عنه من اتساع رقعة المهددين بالقتل. وقد تجسّم ذلك مثلا في حادثة حرق الأردني معاذ الكساسبة (في ديسمبر2015) وذبح أقباط في ليبيا (في ديسمبر 2014) وغيرهم في فترة سيطرة داعش على سوريا والعراق وأجزاء من ليبيا. ويتمّ غرس فكرة التكفير التي تؤدي إلى التفجير والتدمير لدى أنصار القاعدة وداعش وبوكو حرام وحلفائهم كفكرة مركزية تُقرّبهم – في نظرهم- إلى الله وتعطيهم مكانا متميزا في الجنّة باعتماد أسانيد دينية يتم تأويلها وتوظيفها لخدمة مشروعهم السياسي والديني.
2) العلاقة بين الدين والدولة لدى تيارات التطرف العنيف
لا تؤمن تيارات التطرف العنيف بحيادية الدولة عن كل الأديان. فالدولة عندهم لا بد أن تخدم الدين كما حصل في عهد الإسلام المبكر أو ما يُسمّيه سيد قطب بالجيل القرآني الفريد. والدولة مُطالبَة أيضا بتطبيق حَرْفي للشريعة. وأكثرُ من ذلك، فإن الدولة لديهم مطالبة بنشر الإسلام ولو بحد السيف لإجبار غير المسلمين على الدخول في الإسلام أو فرْض الجزية عليهم واعتبارهم ذمّيين أي مواطنين من درجة ثانية، وذلك استنادا لفهم خاطئ للحديث النبوي “أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إلاه إلا الله.” والدولة في نظر هذه التيارات تخدم الدين لا العكس. وتحتاج الدولة إلى خليفة له كل السلطات لإنفاذ أمر الشريعة، ويستعين بجنود مطيعين وبأجهزة كالدواوين والمحاكم الشرعية لفرض سلطة الدولة. وحاولتْ داعش عند تأسيسها لِما كانت تُسمّيه “الدولة الإسلامية” من 2014 إلى 2019 تاريخ مقتل مؤسسها أبو بكر البغدادي أن تطبق نموذج الدولة الذي سوّقته لأنصارها لكن النتائج كانت هزيلة ويبرر أنصارها هذا الضعف بتدخّل القوى المعادية للإسلام لإجهاض مشروعهم، وبالتالي فهم مازالوا إلى اليوم متمسكين بعودة قيام هذه الدولة التي قيل الكثير عن علاقاتها المشبوهة ببعض الأجهزة. (انظر الرسائل المنسوبة إلى هيلاري كلينتون التي سمح الرئيس الأمريكي ترامب بنشرها في أكتوبر 2020)
إنّ علاقة الدين بالدولة في منظور تيارات التطرف العنيف هي، أولا: علاقة تبعيّة الدولة للدين (والأصح نقول، علاقة الدولة بشكل التديّن الذي تُسوّق له هذه التيارات الراديكالية) أي أنها تجعل من الدولة خادمة للدين لا العكس، وثانيا: هي علاقة توظيف للدين في شؤون السياسة من خلال إضفاء نوع من القداسة على قرارات الخليفة الجامع لكل السلط، ومن خلال تغذية النزاعات المسلحة أو الحروب بدعوى إعلاء كلمة الدين، وهي حروب لا تنتهي في نظر هذه التيارات الراديكالية حتى يتمّ إخضاع الناس لسلطتهم سواء في الدول الإسلامية أو غير الإسلامية وتنتصر دولة الإيمان على دولة الكفر حسب اعتقادهم.
هذه المقولات التي عاش عليها أتباع تيارات التطرف العنيف لعدة عقود تجد سندا لها في بعض مقولات تيار الإسلام السياسي والجماعات الجهادية وكذلك في بعض كتب التراث التي تحتاج لمراجعات جذرية. وبالتالي فإن تأهيل سجناء الإرهاب يحتاج لخطاب بديل له خاصياته المختلفة عن خطاب الوعظ والتلقين، وينقسم إلى خطاب بديل كلاسيكي وخطاب بديل رقمي.
البطاقة القادمة: الورقة الخامسة: الخطاب البديل في تأهيل مساجين التطرف العنيف.. الجزء الأول
أكاديمي ومحلل سياسي- جامعة منوبة- تونس*

‎2020-‎10-‎18