نحو يسار وطني ديمقراطي موحد!
كاظم الموسوي.
لا يدهش المراقب او الباحث السياسي اليوم من ملاحظة وجود اعداد كبيرة من التنظيمات التي تحسب أو تعلن نفسها من اليسار باطاره العام او المتعارف عليه اعلاميا في كل بلد عربي من ارجاء الوطن العربي الكبير من المحيط إلى الخليج. ولا يستغرب الباحث السياسي من هذه الحالة اذا ما عرف ان الاغلبية فيها جاءت نتيجة انشطارات وانقسامات من الجسم الرئيس او الاول تاريخيا في ذلك البلد، الحزب الشيوعي، ومنه تناسلت الاسماء الاخرى، التي احتفظت بالاسم واضافت له ما يميزه عنه، وهنا لابد من الاشارة الى ان الاغلب الاعم هذا انطلق من اسباب او حجج تبرر له ما قام به ولكن هناك في الوقت نفسه عوامل اخرى، لاسيما عند من تخطى الاسم او كشف عن طلاق واضح حتى مع الاسم. وهناك غيرها من القوى التي تحولت وتبنت الماركسية منهجا علميا في برامجها، وقسم منها عملت على التنافس مع القوى والاحزاب القائمة والتي هي يسارية تاريخيا، ولا يعني هنا صحة احتكارها للمصطلح والمفهوم عموما، ولكن صفحات التاريخ سجل شاهد ولا يمكن إنكاره أو تغطيته بغربال، رغم التعدد والتنوع في أشكال التنظيم وحتى التركيب الطبقي والاجتماعي لاغلبها.
اذا نظرنا الى اي بلد فنرى اكثر من تنظيم او جماعة تحمل اسم؛ الحزب الشبوعي وتضيف له مثلا اللجنة المركزية، القيادة المركزية، المكتب السياسي، القاعدة، الكادر المتقدم، التصحيح، الماركسي اللينيني، الثوري، العمالي وامثالها، او تغير الاسم كاملا وتحمل اسما اخر، كحزب الشعب، الحزب الاشتراكي، الديمقراطي، الوطني، او التقدمي، وغيرها الكثير. وتعلن تبنيها للفكر الاشتراكي العلمي، الماركسي اللينيني، أو الماوي أو التروتسكي أو الالباني وغيرها.
في كل الاحوال هذه هي ملامح عامة للصورة التي تعكس واقع حال اليسار عموما. وهذه ليست حالة جديدة او مبتدعة ولكنها تعبر عن وضع ثقافي وسياسي وعن صراع فردي تحت غطاء أيديولوجي وعن وعي او مستوى وعي لدى عناصر القيادات والادارات المتنفذة في كل حزب وتجمع وتنظيم سياسي. مع الانتباه إلى طبيعة التركيب الطبقي لكل منها، ودور القوى الاجتماعية المهيمنة فيها وتاثيرها على الانعطفات الأيديولوجية والصراعات السياسية، وحتى على عدد المنتسبين والاعضاء والارتباط والرهانات الأخرى.
وبالتأكيد يطرح سؤال عن ما هو اليسار؟ وكيف يتميز عن غيره او كيف يعتبر بصفته وعنوانه ولا يختلط في اطار المفهوم والمصطلح؟. ولا باس من التحديد والتوصيف، لسعة التنظيمات وتعددها ورفع مصطلح اليسار عليها او بمعناه. و تبدأ من تسمية او احتكار المصطلح للأحزاب الشيوعية، بعنوانها واسمها او ببرامجها ومواقفها..ولكن ينبغي التوقف عند الانشقاقات وتغير عناوينها ووضع مصطلح اليسار او اتخاذه اسما لها، كما حصل في اكثر من بلد عربي. ولم تتميز هذه المسميات عمليا وواقعيا عن مصادرها او امهاتها او اختلفت كليا عنها وباتجاه مخالفتها وارتهانها باعدائها نكاية او تعارضا ايديولوجيا له دوافعه وعوامله التي تتطلب هي الاخرى دراستها وتحليلها ووضعها في صفحات تاريخ الحركات السياسية ومفهوم اليسار فيها.
يضاف إلى ذلك، او لابد من الاشارة من التجربة والدروس التاريخية في عمليات انشطار وانشقاق داخل الاحزاب، الى تدخل قوى خارجية كالسلطات الحاكمة، (البرجوازية المنشأ والتركيب الطبقي والاجتماعي والاغلب منها متحالف مع الرأسمالية العالمية والإمبريالية بأشكال متعددة) واجهزة الامن لديها (التي قد تكون مزدوجة، أو متعددة الولاءات والانتماء السياسي والامني)، في تلك العمليات لاضعاف تلك الاحزاب وابعادها عن المنافسة حتى ولو شكلية او لفظية، ومنعها من الانتشار والتمدد والتثقيف الأيديولوجي المعادي للامبريالية والاستعمار والرجعية. ما حصل مع اقدم الاحزاب الشيوعية في اكثر البلدان العربية التي تاسست فيها وناضلت من اجل تقدمها وتطورها، شاهد واثبات، وحتى في منظمات عسكرية تقاوم وتناضل من أجل هدف التحرر الوطني والحرية والاستقلال.
عمليا أضعفت الانشقاقات والانشطارات، لاي سبب، داخل الاحزاب الشيوعية خصوصا من فعاليتها ودورها وتنفيذها لبرنامجها الطبقي والاجتماعي والفكري ايضا، واشغلتها أو دفعتها للتحارب فيما بينها اكثر من تفرغها وعملها شعبيا واجتماعيا، كما ابعدتها عن تطوير الصيرورة الثورية في بلدانها واضطرارها لتبرير تحالفاتها وقبولها بموقع أو دور لا يمكن أن يكون عليه وضعها أو مكانها فيه، وبالتالي خضوعها للتنازلات الميدانية والسياسية وحتى الفكرية التي تتطلب منها أن تكون فيها القائد والموجه للحركة والعملية السياسية وقيادة التغيير الثوري.
تاريخيا الاحزاب الشيوعية من أقدم التيارات السياسية والفكرية في تاريخ الحركة السياسية في الوطن العربي، وبرامجها والتوجهات التي كانت تحركها تدور كلها في نهضة شعوبها واوطانها وتقدمها وعمرانها ولكنها لم تتمكن من تنفيذها بسبب تاثرها بالانقسامات والتدخلات والاختراقات الكبيرة من أعدائها داخليا، وتوزّع اهتماماتها وتضييّع فرص كبيرة لها، ولكن قدمت رغم الماسي دروسا في التضحية والاستشهاد في سبيل الشعب والوطن. حتى سميت بعضها أحزاب الشهداء الذين سقطوا في السجون والتعذيب والقمع السياسي ومن الصراعات الداخلية البينية، خلال مسيرة الكفاح الوطني والطبقي.
تركت هذه المعطيات والاحداث أثارها سلبا وتعمقت في النفوس وظلت تتردد في العلاقات السياسية، حتى في ظروف تحالفات ومشاركات مختلفة، في الموالاة أو المعارضة، ورغمها لم تجر أغلبها مراجعات نقدية وتحمل مسؤولية ما في مسيرتها ومصير شعبها ووطنها، الى الآن، تتعنت بعض القيادات في محاكمة تاريخها أو مصالحته مع غيرها، القريب أو البعيد، المشترك أو الجاني، الضحية أو الحلاد، وتقاسم الأدوار أحيانا دون عقبى ضمير. وهي في النهاية قوى وطنية يشهد لها ولكنها غير قادرة على فرض برامجها الثورية وقيادة العملية الثورية في بلدها لوحدها وحتى بتحالفاتها مع القوى الأخرى الاقرب لها سياسيا وفكريا. وللأسف شوهت بعض الانشقاقات منها تاريخها وتعاونت مع أعداء الفكر اليساري أو تعاملت مع الإمبريالية وأدواتها في أكثر من بلد عربي، مما أعطى لبعضها الاخر العذر من تجنب العمل الجبهوي أو المشترك فيما بينها. وتلك مسألة تلح الان بعد ما حصل ويجري في الوطن العربي عموما وفي كل بلد منه خصوصاً، سواء من هجمة إمبريالية عدوانية لفرض الهيمنة الاستعمارية وانهاك البلدان والشعوب في صراعات داخلية وخارجية وأبعادها عن تطوير نفسها وبناء عمرانها، ومن صفقات تصفية للقضايا الرئيسية، كالقضية الفلسطينية، أو الحريات والديمقراطية وحكم القانون في البلدان التي جرت فيها حراكات شعبية واسعة، اشتركت فيها قطاعات شبابية من الطبقات والفئات العمالية والفلاحية والصغيرة والمتوسطة، أو الفقيرة والمحرومة في أغلبها. مما يعني ضرورة البحث عن سبل أو طرق أو حلول تؤدي إلى التفكير الجاد والمخلص لبناء كتل سياسية واضحة، معبرة عن هذه الطبقات والفئات، وضرورة طبقية واجتماعية لها. وهنا اركز على اليسار الوطني الديمقراطي، تاسيسا على تجسيد كل مصطلح ومفهوم لكل من اليسار الحقيقي، والوطني المخلص، والديمقراطي العملي بقناعة، لا لفظيا أو على المودة. ليكون منطلق العمل سليما في التغيير والاصلاح والبناء والسير في صيرورة ثورية جديدة، تغلب على الانانيات الذاتية وعلى تعنت القيادات المزمنة وعلى الإصرار على احتكار التيار والاستفراد بالقرار والمصير والخضوع في الوقت نفسه عمليا لإرادات الاعداء في إضعاف هذه الكتلة أو التيار اليساري في كل بلد وفي المجموع، الوطن العربي.

2020-10-18