حول التلوث الذهني !
د. صلاح حزام.
هنالك أشكال مختلفة من التلوث ، منها العضوي ومنها الكيميائي والبيولوجي ( الجرثومي والبكتيري والفايروسي الخ ….) ،ومنها الصوتي ( الضوضاء والضجيج ) والبصري ( المناظر المشوهة والقبيحة).
واليوم وجدتُ نفسي افكّر بنوع آخر من التلوث وهو التلوث الذهني ..
والتلوث ، تعريفاً، هو إضافة أيّ مادة سواءً أكانت صلبة، أم سائلة، أم غازية، أو الصوت، أو الحرارة، أو الإشعاع، إلى البيئة بأسرع من امكانية البيئة على التخلص منها، أو تحليلها، أو تخزينها على شكل غير ضار بتلك البيئة.
والتلوث فيه مستويان :
-التلوث الذي لايتعدى المستويات المسموح بها ( contamination)
-التلوث الضار الذي يتعدى الحدود المسموح بها (pollution).
وبالعودة الى موضوع المقالة والذي هو التلوث الذهني ، فأننا نلاحظ هذا التدفق الهائل من الاخبار والمعلومات والتحليلات والقصص والحوادث التي يتلقاها الفرد من خلال وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مستمر..
انها تصل الى الافراد بغض النظر عن العمر وعن المستوى التعليمي والثقافي وفي اي وقت وفي اي مكان.
العقل الانساني لايخترع المعرفة من الفراغ ولايحصل على المعرفة بالالهام الألهي مثل الانبياء (وهذا موضوع يتعلق بالميتافيزيقيا او الماورائيات).
قدرات العقل الانساني تنمو عن طريق المعارف المكتسبة والمتراكمة بشكل منهجي وتدريجي ، ومختارة بشكل علمي من خلال النظام التعليمي ، أضافة الى المصادر الاخرى الرصينة من خارج النظام التعليمي والتي تخضع للتحكيم والتقييم وتكتب من قبل اشخاص معروفين ومسؤولين عما ينشرون..
على ضوء ذلك التراكم المعرفي يمكن ان يُبدع العقل البشري ويبدء بانتاج معرفة جديدة وأضافة للعلوم المعروفة.
بناء على مايقوله الفيلسوف “مانوئيل كانت” في كتابيه المشهورين : نقد العقل العملي ونقد العقل المحض..
فان الله يمنح الانسان العقل المحض كجهاز تحليل ومعالجة ( ايمانوئيل كانت، كان مسيحياً مؤمناً)..
ثم يستخدم الانسان هذا الجهاز لتحليل المعلومات التي يستلمها من المحيط لبناء عقل عملي تطبيقي ينمو باستمرار ..
معنى ذلك أن تغذية العقل بمعلومات مشوهة ومبهمة ومتناقضة وغير منطقية ، يؤدي الى نوع من التلوث العقلي والمعرفي.
بعض الناس من ذوي التعليم البسيط يستلمون معلومات علمية وطبية خطيرة ويتصرفون بموجبها دون فهم حقيقي لانهم لايملكون القدرة على المقارنة والحُكُم وينشرونها الى محيطهم مقترنة احياناً بتعليق خاطيء او ساذج..
انتشار وسائل التواصل الاجتماعي كان مقترناً ،لحسن الحظ ، بانتشار الشبكة العنكبوتية التي سهّلت الوصول الى المكتبات العظيمة والكتب والمقالات والابحاث الرصينة .
لكن المشكلة ان وسائل التواصل الاجتماعي تنشر بكثافة وباستمرار سيلاً من المعلومات القصيرة والمبتورة والمتنوعة والتي استحوذت على وقت الفرد ولم تترك له فسحة للقراءة الجادة المنتجة بالاستفادة من شبكة الانترنت كما ينبغي.
النتيجة كانت هذا التلوث العقلي الذي انتشر بين الكثيرين وجعلهم غير قادرين على اتخاذ قرارات سليمة او اتخاذ موقف سليم من قضية هامة.
على مدى التاريخ الانساني كان هناك مستوى معين من التلوث الذهني ولكنه كان بالمستوى المقبول..
اما الآن فأن تفشي هذه الظاهرة تجاوز كل الحدود.
‎2020-‎10-‎17