فلسطين والعراق تحوليّا:ملحق ج/ 10!
عبدالامير الركابي.
فلسطين والعراق تحوليّا: ملحق ج/10
تتجدد قضية الوعد خارج ارضه في العصر الحديث، ابان صعود الشق الأحادي الأوربي من الانتقال التحولي الشامل، قبل وتمهيدا لصعود الشق الثاني الشرق متوسطي الرافديني، وهذا الافتراض يقتضي تعديلا أساسيا في السردية الحداثية المعتمدة والشائعه الغالبة، بالاخص منها مايتعلق بمحاولة التكريس النهائي للطور الأوربي الغربي منها، وماقد حدث هناك من انتقال الى الالية، والى الانقلاب الراسمالي باعتباره حدثا بذاته، مع مايلحق بذلك من توهمات المركزية، ومحاولة مصادرة التاريخ ورهنه بالممكنات الاوربية ومامتاح من خلالها.
وثمة نقطه جوهرية هنا، تتاتى بالاصل من الق وغرور القوه والسيطرة المباشرة عالمبا، مع مايبنى عليها استنادا لنزعه الاحادوية ومفاهيمها للقوة، تلك هي مسالة ماتنطوي عليه ظاهرة القوة من تامين القدرة على الغلبة الممتدة خارج الأرض المعنيه، كما حصل ابان الإمبراطورية الرومانيه، واثناء الصعود الغربي الحديث، وهو مالم تتسن قراءته الى اليوم وفقا للنتائج والخلاصات التي ترتبت عليه، هو ومقابله التمدد الامبراطوري الشرقي الفارسي خصوصا، وتلاقيهما على ارض الكياينه الشرق متوسطية، باعتبارحضورهما كظاهرة متصلة بالتفاعليه الشاملة المجتمعية على مستوى المعمورة، الطرف الإيجابي الفاعل فيها، هو الشرق متوسطي، فالى الشرق لم يبق لإيران بحصيلة احتلالها وتهديدها للبنى الأساس الشرق متوسطية، “زرادشتيتها”، ولابنيتها الإمبراطورية التاريخيه المعهودة، وتحولت الى الإسلام، ملتحقة بذلك بالابراهيمه، ومتبنية لها لدرجا الصدور ذاتيا/ وطنبا، وفقها، وبناء عليها، في حين ان لاسقراط ولا افلاطون تحولوا في شرق المتوسط الى مثال شعبي عام، كما الحال الذي لحق باوربا، وبعدها أمريكيا، المسيحية الابراهيمه، كحصيلة ترتبت على احتلالها لهذه المنطقة، والى اليوم.
والغريب ان لاينظر حتى اللحظة الى الاليه المشار اليها أعلاه، على انها آليه تفاعل رئيسي، الجانب الإيجابي فيها والاعلى بنيه ودينامية، هو الشرق متوسطية، مع الاخذ بالاعتبار احتكامها تاريخيا واليات، الى الدورات والانقطاعات( 1)، وهو ماليس الغرب معنيا بحكم تكوينه بالبحث عنه، او محاولة لفت الأنظار اليه، بالاخص مع الميل الأساسي الى طرد التعبير الابراهيمي، من المجال المجتمعي المغايركمجتمعية لاارضوية، نحو عالم ودنيا “الدين”، والحديث جار هنا عن القوانين المتصلة بالتحولية المجتمعية، واشكال تجليها وفعلها، كما هو حاصل في الطورين، الأول الروماني، والثاني الحالي الراسمالي الامبريالي، ومايقابله شرقا، مع الاختلاف المتوقع في درجه اندماج كل من الموضعين الأوربي والإيراني ابراهيميا، وتجدد حضور الأخيرالحالي، المنتقص بالاصل بسبب النهوض الأوربي، مثله مثل شرق المتوسط، كما وبالاصل، بسبب عمق الاندماج بالابراهيمه، وهو ماقد مبز في العصر الحديث حضورالصفوية، والخمينيه، كشكل استمرار وانبعاث لتفاعليه ضرورية، لاحقة على العثمانيه المنتمية حضورا الى الدورة الثانيه المنقضية تاريخيا.
كانت روما تعتقد كينونة، انها هي التاريخ، مع كل ماهي مستنده له ومرتكزه من منجز سابق اغريقي ، فلم يكن ليخطر لها انها ستنكسف شمسها، مقابل صعود “بابل” العصر الوسيط ” بغداد”المنبعثة كضرورة ومحطة لازمه سابقة على الانقلاب الآلي الأوربي، الضروري لكمال العملية التاريخية الكبرى، الذاهبة الى التحولية، باكتمال الوسيلة “المادية” الضرورية التي تحتاجها البنية التحولية لاجل الانتقال من المجتمعية، ممثلة بالالة ابتداء، ومن ثم وتحديدا “التكنولوجيا” وسيلة الإنتاج اللامجتمعية، والتي لن تستقيم فعالية، الا بعد التعرف على طبيعتها وخاصياتها العملية، خارج الانتاجوية الراسمالية، ومحاولاتها الحجر على الوسيلة المستجدة، عن طريق وضعها بخدمة الانتاجوية المصنعية الراسمالية ومتبقياتها.
من هو ومايكون اليوم “مابعد روما الحديثة”؟وكيف ومتى، وعلى اية شاكله؟ وهل من دون ان تنتج التراكمات الكمية، تحولا كيفيا، فلا تظهر حيث لامكان لتكرار الثورة الجزيرية المحمدية التي صارت جزءا من الماضي، ونقطة فصل بين دورتين، ومالحق بها من انبعاث اليات الإمبراطورية الازدواجية الرافدينيه، وانعكاس صعودها وصولا الى الراسمالية التجارية قبل الصناعية،وتحفيزها منذ القرن الثالث عشر للانتقال الأوربي الراهن، في الزمن مابعد المجتمعي، وحين يقترب ويصير هو الممكن الفعال، ليست الامبراطوريات، لا الازدواجية الرافدينيه الأساس والمنطلق، ولا غيرها من اشكال الامبراطوريات الأحادية الشرقية الافطاعية العبودية، او الغربية المرتكزة لبنيه الانشطار الطبقي، وارد ظهورها، بينما الظاهرة المجتمعية توشك على الانتهاء والغياب من على وجه الكوكب الأرضي.
مع مثل هذا النوع من الانقلاب مابين “العصور”، لا المراحل، تنتفي التوراة، ولاتعود سارية، ويتوقف الزمن النبوي، زمن الوعد خارج ارضه، وماارتهن بوجود الغرب من فبركة / صهيونية استيطانية/ له في غير زمنها واوانها، اوربيا بداية وامريكيا عولميا استيطانيا، جوهره الرغبة في إزالة المجتمعات القائمة والموجودة قبل أمريكا، لصالح الامه المختارة، ورسالتها الزائفة المنطوية على عالم مثلها، “جديد”، يبرر جريمتها الكبرى، خانقا ذاته ومواضع ضميره الابادي، الذي أزال من على ارض القارة المكتشفة اليوم، شعبا ونمط حياة، كافظع مايمكن ان يلحق بالغرب وراسماليته المنتقلة الى أمريكا من الجرائم على مر التاريخ.
يفكر الانسايوان الحالي وهو يتطلع للغد، والى احتمالات الوجود البشري، بالماضي، اذا حاول رسم ملامح الزمن الممكن مستقبلا ( ومن ذلك مايوسم بالخيال العلمي)، فيفترض مالم يعد قابلا للوجود والاستمرار، بما في ذلك صورة الوعد خارج ارضه الذي انتهى زمنه، لصالح تحقق الوعد في ارضه الأولى التي انطلق منها مطرودا،بما هو بدء انتقال من الارضوية والانسايوانيه، وحيث اليهودية والمسيحية والإسلام، محطات اضطرار مؤقت منتهيةعلى طريق تجلي الابراهيمه التحولية في ارضها، بعد ان توفرت لها اسباب التحقق ارضويا، أي بمغادرة الارضوية، انطلاقا من “بناء البيت الثالث”، وتجديد الالوهية والايمانوية باحالتها الى التحقق، بعد ان سادت لحظة طويلة من الاستبدال الايمانوي، ومن صيغة احضار اللاارضوية في قلب الأحادية الارضوية الغالبه.
في وضع من هذا القبيل لامكان لهيئة مثل “منظمة التحرير الفلسطينيه”، خصوصا بمرتكزاتها التحرروية التي ارسيت عليها، وضمن اجوائها، وفي حين يصير نفي الوعد خارج ارضه، هو الغالب، فان فلسطين وعموم الشرق المتوسطي، يصير موكولا لاليات انقلابيه من نمط ونوع لاعلاقة له باي من محركات وانعكاسات الغرب وحداثته بمختلف أنواعها، هذا ولابد من التنوية بمسالة جوهرية تخص تلازم المقدمات مع نوع المتوقع، او ماهو مفترض حلوله من اشكال تجلي التاريخ او تحوليته.
فنهاية المجتمعية لن تتحقق في لحظة، وستمر على المجتمعات البشرية حالة من توقف الاليات المجتمعية المطرد، يتداخل مع حال اضطراب اقصى، وكوارثية متعاظمه ناجمه عن الاختلال المجتمعي الانتاجوي المتزايد، وهو ماقد بدات ملامحه شرق متوسطيا، وعالميا، بالاخص داخل الولايات المتحدة الامريكية وتراجعها انتاجيا، وارتهانها بعد فترة استقلالها الاقتصادي للعالم خارجها،، واحتمالات انعكاسات ذلك على بنيتها الكيانية، ومصداقية منطلقاتها “الوطنيه” التاسيسية،قبل انفجارها الكبير المتوقع، بالأخص بعد تراجع إمكانات استمرار فعاليته الايهاميه، بالتوافق مع تراجع مفعول عنصري الراسمال والابراهيمه المستعارة معا، وانتقال وتبدل الأخيرة، وانتهاء مفعولها الاني النبوي أصلا.
نحن على مشارف المجتمعية اللاارضوية مابعد المجتمعية، تحت طائلة غلبة حالة “العيش على حافة الفناء” كوكبيا، المتوقعه تفاقما باطراد، في الوقت الذي تصير فيه ارض سومر بمجاليها المجتمعيين هذه المرة، قاعدة إشارة الى الممكن القادم على الكائن البشري، استنادا لطبيعتها التاريخيه، وتراكم مامر عليها عبر الدورات الثلاث المنصرمه، والافاق والممكنات المادية المضافة، والتي كانت بالأمس غائبة، وقد بدأت تكتمل وتصير بالمتناول، بينما يتوقف الوعد عن ان يتجلى خارج الأرض الأولى، ويرجع إبراهيم راكبا الخط المعاكس لمسيرته الأولى، فيعود من الشام ومصر، الى ارض الرافدين، حيث لابابل، وحيث يبدأ باشادة البيت الثالث في “بابداد” وريثة بابل وبغداد، بيت الالوهية التحولية المنتظرة على مر تاريخ المجتمعية، ومنذ ان وجدت بصيغتها المكتملة المنطوية على الانتقال البشري العقلي، الى الاكوان العليا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تصور الكثيرون في شرق المتوسط وبالذات في مصر وساحل الشام في العصر الحديث، ان التاريخ يمكن ان يخضع للإرادة والرغبات، بان يرفع شعار من نوع ” لماذا تقدم الغرب وتاخرنا” من زاوية غير تلك الموكولة والمرتهنه الى الحقيقة التفاعليه الانقطاعية مابين الدورات التاريخيه.
‎2020-‎10-‎16