الّلابشر_ القسم الاول- العراق_الفصل الرابع!

تاريخ النشر 2004
UNPEOPLE
BRITAIN’S SECRET HUMAN RIGHTS ABUSES
Mark Curtis
Published by Vintage 2004
ترجمة: عزام محمد مكي
uruk1934@gmail.com

الجزء ألأول- العراق

الفصل الرابع
وزارة العدوان الجديدة
من النادر مواجهة صعوبة في اكتشاف أسباب معقولة وراء الأعمال التي تقوم بها الحكومة ؛ فغزو العراق ليس استثناءً. والفهم الافضل لذلك يكمن في تجاهل التفسيرات الرسمية والتعليقات الإعلامية التي تثيرها والنظر إلى ما تقوله الحكومة في أماكن أخرى. أصدرت الحكومة مؤخرًا وثيقتين مهمتين تساعدان في شرح الأسباب المحتملة للغزو. كلاهما تم تجاهلهما فعليًا في وسائل الإعلام الرئيسية. الوثيقتان تقدمان معًا، فهما مقلقا حول التفكير الحالي لمخططي السياسة الخارجية البريطانية.
تأمين إمدادات الطاقة الأجنبية
في نفس الوقت الذي أقسم فيه توني بلير وجاك سترو وآخرون بأن الحرب مع العراق لا يمكن أن تكون لها أي علاقة بالنفط، نشرت الحكومة وثيقة في شباط/فبراير2003 ، قبل أسابيع فقط من بدء الغزو، تظهر مدى اهتمامها بتأمين الطاقة من مصادر اجنبية.
الوثيقة هي الكتاب الأبيض لوزارة التجارة والصناعة بعنوان مستقبل الطاقة في البلاد – لخلق اقتصاد منخفض الكربون. تشير مقدمة توني بلير للوثيقة إلى أن بريطانيا تواجه “تحديات جديدة” وأن “إمدادات الطاقة لدينا ستعتمد بشكل متزايد على الغاز والنفط المستورد من أوروبا وخارجها”. ثم تحدد الوثيقة المعضلة المركزية المتمثلة في “أننا كدولة كنا مصدرين بشكل كامل للطاقة … لكن هذا سيتغير”. وتقول الوثيقة كذلك بإن من المقرر أن تصبح بريطانيا مستوردا بشكل كامل للغاز بحلول عام 2006 والنفط بحلول عام 2010 تقريبا:
بحلول عام 2010، من المحتمل أن نستورد حوالي ثلاثة أرباع احتياجاتنا من الطاقة الأولية. وبحلول ذلك الوقت ، سيأتي نصف الغاز والنفط في العالم من بلدان يُنظر إليها حاليًا على أنها غير مستقرة نسبيًا، سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية.
لذلك ، يتابع التقرير ، ان “الانتقال من الاكتفاء الذاتي إلى حد كبير إلى مستورد صافٍ للغاز والنفط، يتطلب منا اتباع نهج دولي استراتيجي طويل المدى من اجل الحصول على طاقة موثوقة”.
أحد الحلول التي تم التأكيد عليها بقوة في التقرير هو تنويع مصادر الطاقة و “تجنب اعتماد المملكة المتحدة على مصادر دولية قليلة جدًا للنفط والغاز”. وستكون الدول والمناطق الرئيسية الموردة للغاز هي روسيا والشرق الأوسط وشمال وغرب إفريقيا ومنطقة بحر قزوين. بالنسبة للنفط ، الذي يمثل 40 في المائة من استهلاك الطاقة العالمي ، سيكون المنتجون الرئيسيون هم المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى وأمريكا الجنوبية والوسطى وأفريقيا وروسيا ومنطقة بحر قزوين. ويشير التقرير إلى أهمية خاصة تحتلها دول موردة للنفط من خارج الأوبك لضمان تنوع مصادر النفط مثل روسيا ومنطقة بحر قزوين وغرب إفريقيا. لذلك، “سنواصل تعزيز العلاقات الجيدة مع الموردين الحاليين والجدد في الشرق الأوسط وروسيا وبحر قزوين وأفريقيا”.
بشكل عام ، يذكر التقرير، أننا “بحاجة إلى إعطاء أهمية أكبر لقضايا الطاقة الاستراتيجية في السياسة الخارجية” من خلال الحكومة. “تتمثل أهدافنا في الحفاظ على علاقات قوية مع البلدان المصدرة” بينما “في تعزيز التنوع ، سنعمل أيضًا على تقليل مخاطر تعطل الإمدادات من مناطق النزاعات الإقليمية”.[1]
يذهب هذا التقرير بعيداً في شرح العلاقات الوثيقة بين لندن والأنظمة التي تمت مناقشتها في الجزء الثالث من هذا الكتاب ، ولا سيما روسيا وكولومبيا وإندونيسيا ونيجيريا – هذه الدول التي تحافظ بريطانيا معهم جميعًا على “علاقات جيدة” ، بينما يقومون بإبادة أقسام من سكانهم. جميعهم من منتجي النفط والغاز المهمين، قادرين على يقدموا مصادر بديلة للشرق الأوسط. تعتبر روسيا، التي تمتلك أكبر احتياطيات غاز في العالم، ذات أهمية خاصة بعد توقيع شركتي (BP) و (Shell) مؤخرًا لاتفاقيات استثمار في قطاع الطاقة الروسي بقيمة مليارات الجنيهات.
كما أنه ليس من الوهم الإيحاء بأن العامل وراء التدخل البريطاني في سيراليون – الموصوف عالميًا بأنه “إنساني” – كان لضمان “الاستقرار” الإقليمي (أي الحكومات الموالية للغرب) وجزئيًا لضمان استمرار الوصول إلى النفط في نيجيريا وأماكن أخرى. في غرب أفريقيا (انظر الفصل 7). فيما يتعلق ببحر قزوين ، فإن الرغبة في تأمين السيطرة الغربية على احتياطيات النفط والغاز في المنطقة، في تنافس مع روسيا، كانت عاملاً محتملاً في القصف الأنجلو-أمريكي لأفغانستان، كما ناقشت ذلك في كتابي (شبكة الخداع-Web of Deceit).
من الصعوبة بمكان ان تكون الإستراتيجية الأمريكية أوضح مما هي الآن. ففي عام 2003، أعلن البنتاغون أنه سينقل ما بين 5000 و 6000 جندي من قواعد في ألمانيا إلى قواعد جديدة في دول مختلفة في إفريقيا. كان الهدف الصريح هو حماية المصالح النفطية الأمريكية في نيجيريا، والتي يمكن أن تشكل في المستقبل 25 في المائة من واردات النفط الأمريكية. وقد صرح وكيل وزارة الخارجية للشؤون الإفريقية ، والتر كانشتاينر ، في وقت سابق بإن النفط الأفريقي “أصبح مصلحة استراتيجية للأمن القومي”. وفي نشرة صدرت في آيار/مايو 2001 توقعت سياسة الطاقة الوطنية لإدارة بوش، 2001، أن تصبح غرب إفريقيا “واحدة من أسرع مصادر النفط والغاز نموًا في السوق الأمريكية”. توفر المنطقة حاليًا حوالي 2 في المائة من واردات النفط الخام الأمريكية؛ يقدر مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي أن هذه الحصة سترتفع إلى 25 في المائة بحلول عام 2015. [2]
قام مسؤولون أمريكيون ، بمن فيهم وزير الخارجية كولن باول ، بزيارة الدول الأفريقية المنتجة للنفط مثل الجابون، وساو تومي وأنغولا في حين عززت الولايات المتحدة العلاقات العسكرية مع نيجيريا في نفس الوقت الذي ضغطت فيه عليها للانسحاب من أوبك. الميزة السياسية لهذه الدول بالنسبة للولايات المتحدة (وكذلك لبريطانيا) هي عدم انتماء أياً منها، باستثناء نيجيريا، إلى أوبك. كما لاحظ روبرت ديوان، العضو المنتدب لشركة تمويل البترول ، بان “هناك استراتيجية طويلة المدى من الحكومة الأمريكية لإضعاف سيطرة أوبك على السوق، وإحدى طرق القيام بذلك هي لشق بعض البلدان”. قامت شركات النفط الأمريكية بالتخطيط لاستثمار حوالي 10 مليار جنيه استرليني في النفط الأفريقي في عام 2003. [3]
قدمت الوثائق التي تم تسريبها إلى صحيفة الجارديان في أواخر عام 2003 دليلًا إضافيًا على استراتيجية أنجلو أمريكية مشتركة “لتأمين النفط الأفريقي”. أشار تقرير أمريكي مقدم إلى الرئيس ورئيس الوزراء إلى أن:
لقد حددنا عددًا من منتجي النفط والغاز الرئيسيين في منطقة غرب إفريقيا حيث يمكن لحكومتنا وشركات النفط والغاز الكبرى التعاون لتحسين ظروف الاستثمار، وحكم جيد، واستقرار اجتماعي وسياسي ، وبالتالي تعزيز أمن التوريد على المدى الطويل.
وشملت هذه المناطق نيجيريا وساو تومي وغينيا الاستوائية وأنغولا. تم تكليف مسؤولين بريطانيين بتطوير “الاستثمار بقضايا تواجه إفريقيا والتي يمكن أن تكون جاهزة للاهتمام المنسق بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة”.
كما ذكر التقرير أن بريطانيا والولايات المتحدة “أشارتا إلى إمكانات الطاقة الهائلة لروسيا وآسيا الوسطى وبحر قزوين” وأنه “في مناقشاتنا حول كيفية المضي قدمًا في التعامل مع روسيا ودول بحر قزوين / آسيا الوسطى ، توصلنا إلى نتيجة أن لدينا أهدافًا سياسية واقتصادية واجتماعية وطاقية متشابهة “.
تتجذر العديد من التدخلات والسياسات البريطانية في فترة ما بعد الحرب في الحاجة إلى ممارسة السيطرة المستمرة على إمدادات الطاقة أو الوصول إليها. تشير الوثائق الحكومية الأخيرة إلى مرحلة جديدة في السياسة الجارية، والتي وضحت في الملفات البريطانية التي رفعت عنها السرية.
إن مسألة السيطرة على النفط، وليس مجرد الوصول إليه، هي الدافع الأكثر وضوحًا للولايات المتحدة، التي تلبي حاليًا ثلاثة أرباع حاجتها من الطاقة من المصادر المحلية.
كذلك لعبت عملية السيطرة على النفط ايضا، دورا حاسما في سياسة الحكومة البريطانية، وهذا راجع بشكل معين إلى الدور الكبير الذي تلعبه الشركات البريطانية في صناعة النفط الدولية وكذلك استثماراتها الضخمة في العديد من البلدان. وهذا ما قاله وزير الخارجية راب بتلر لرئيس الوزراء في أبريل 1964:
إن مايخيفنا ليس قطع النفط من قبل الحكومات المحلية غير الصديقة، إنما الشئ الاكثر اهمية بالنسبة لاقتصادنا وميزان مدفوعاتنا، هو الارباح التي تجنيها عمليات شركات النفط بالاضافة الى إمدادات النفط للدول المستهلكة بما في ذلك بلدنا بشروط مقبولة. ويعتمد هذا جزئياً على لمن تعود السيطرة السياسية على المصادر الرئيسية للنفط (على سبيل المثال ، إذا كان العراق يسيطر على الكويت ، فقد نتعرض جميعًا لدفع الفدية). وسيكون هذا أمرًا خطيرًا بشكل خاص بالنسبة للمملكة المتحدة لأننا نستورد 60٪ من احتياجاتنا النفطية من المنطقة.[5]
وبالمثل، لاحظت وزارة الخزانة في عام 1956، أنه ونظراً إلى اعتماد بريطانيا على النفط:
من غير المرغوب فيه للغاية أن نضطر إلى الاعتماد المتزايد على النفط الذي تسيطر عليه قوى أخرى، حتى لو كانت الولايات المتحدة، التي ليست بالضرورة تتطابق مصالحها مع مصالحنا. علاوة على ذلك ، لاتوفر الاستثمارات الكبيرة للشركات البريطانية في نصف الكرة الغربي إلاّ تأمينًا جزئيًا ضد انقطاع الإمدادات من الشرق الأوسط “. [6]
أشار تقرير مكتب مجلس الوزراء لعام 1960 بوجود “خطر على مصالح معينة للمملكة المتحدة ” في الشرق الأوسط ، وهي “الأرباح التي حققتها شركات النفط في المملكة المتحدة من عملياتها في المنطقة”. لذلك كانت الإستراتيجية العامة تتمثل في “استمرار السيطرة على مصادر النفط مع ما ينتج منها من الأرباح للمملكة المتحدة” [كذا] [7]
تظهر الملفات الأرباح الضخمة التي حققتها في الماضي شركات النفط البريطانية في الشرق الأوسط. فقد أشارت وزارة الخزانة في عام 1956 إلى أن الفائدة التي عادت على ميزان المدفوعات البريطاني من شركات النفط البريطانية، في السنوات الاخيرة، كانت حوالي 200 مليون باوند استرليني سنويًا. وبالمثل اشارت وزارة الخارجية في 1964، إلى أن “ميزان مدفوعاتنا يعتمد بشكل كبير على العمليات النفطية” في المنطقة. وقد تم حسابيا التوصل بان ميزان المدفوعات استمر يكسب من شركات النفط البريطانية، 200 مليون جنيه إسترليني سنويًا “وربما أكثر من ذلك بكثير”. فلا عجب في أن الاستراتيجية البريطانية كانت في “الحفاظ على الترتيبات المفيدة التي نحصل بموجبها على نفطنا من الشرق الأوسط لأطول فترة ممكنة”. [8]
في آذار / مارس 1967، أشارت وزارة الخارجية إلى أن النفط يوفر 40 في المائة من احتياجات الطاقة في العالم وأن التجارة الدولية في النفط تخضع لسيطرة ثماني شركات، اثنتان منها، شل و بريتيش بتروليوم، بريطانيتان. وذكر كذلك بأن “حصة المملكة المتحدة في صناعة النفط الدولية تأتي بالمرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة”. وقد بلغت القيمة الدفترية للاستثمارات البريطانية لما وراء البحار 2000 مليون جنيه إسترليني. وأشارت أيضا:
من حصتنا الضخمة في صناعة النفط الدولية ، نتمتع بميزتين رئيسيتين لميزان المدفوعات: ان كلفة نفطنا هو اقل بكثير في المدفوعات الخارجية، مما لو اشتريناه بالكامل من شركات أجنبية؛ نحصل على أرباح كبيرة غير مرئية من أعمال إنتاج النفط وبيعه في بلدان أخرى.
وقد قدرت وزارة الخارجية “أرباح” ميزان المدفوعات في الفئة الثانية وحدها كانت، 42 مليون جنيه إسترليني في I961 ، و 79 مليون جنيه إسترليني في عام 962 ، و 201 مليون جنيه إسترليني في I963 و 115مليون جنيه إسترليني في عام 1964 و 158 مليون جنيه إسترليني في عام 1965. كما ذكرت في هذا التقرير السري أن “هذه المعلومات لم يتم نشرها رسميًا مطلقًا وأن الحسابات والتقديرات سرية للغاية”.[9]
إن مستوى السرية غير مفاجئ: فهذه الأرباح نتجت عن السيطرة البريطانية على الموارد المحلية لبلدان ما وراء البحار، وبالتالي كانت شكلاً من أشكال نهب السكان المنكوبين بالفقر. وقد اعترف مخططوا السياسة الخارجية بذلك ، وكذلك الاعتراف بالحاجة إلى استمرار هذا الوضع. كانت السياسة البريطانية الصريحة هي بمعارضة أي اقتراح يؤدي الى إستخدام موارد النفط في المقام الأول لصالح السكان المحليين؛ لطالما تم اعتبار التحرر القومي ألتهديد الأخطر في الشرق الأوسط.
كانت العلاقات الوثيقة مع العائلات الإقطاعية القمعية في مشيخات الخليج، هي التي كانت (ولا تزال) تُؤمن السيطرة على نفط الشرق الأوسط، وبدورها، ساعدت على ذلك صادرات الأسلحة البريطانية والتدريب العسكري. في ذلك الوقت ، كما هو الحال الآن ، كانت السياسة تتمثل في “ضمان الحفاظ على إمداداتنا النفطية من خلال الدفاع عن حكام الدول النفطية، وخاصة الكويت” ، كما قال أمين مجلس الوزراء في 1963.[10] إن الوثيقة المسماة “مستقبل الطاقة”، و التي أصدرتها مؤخرًا حكومة بلير هي بكل بساطة المحاولة الأخيرة للترويج لهذه الأهداف البريطانية الأساسية.
العراق كمهمة رقم واحد
في كانون الأول/ديسمبر 2003 ، أصدرت الحكومة وثيقة استثنائية أخرى موجهة للجمهور، تحدد في هذه المرة استراتيجيتها العسكرية. تُعد هذه الوثيقة أحدى أكثر المقالات إثارة للقلق في الأدبيات الحكومية التي رأيتها على الإطلاق، حتى بما في ذلك الملفات التي رفعت عنها السرية. بعد تسعة أشهر من غزو العراق ، وجهت حكومة حزب العمال الجديد رسالة واضحة للغاية: من الآن فصاعدًا، لن تكون الامور كما كانت قبلا.
الوثيقة عبارة عن كتاب أبيض خاص بشؤون الدفاع، بعنوان توفير الأمن في عالم متغير – صياغة تليق بأورويل(جورج أوريل( وهو كاتب رواية 1984 و مزرعة الحيوانات-المترجم). إن الوثيقة تتجاوز الاستراتيجية العسكرية الموضحة في الوثيقة الحكومية (مراجعة الدفاع الاستراتيجي- SDR) الصادرة في I998، والتي ذكرت أن الأولوية في المستقبل ستكون “إطلاق القوة” وأنه ” في عالم ما بعد الحرب الباردة ، يجب أن نكون مستعدين للذهاب إلى الأزمة بدلا من أن تأتي الأزمة إلينا.” تضمن ذلك خططًا لشراء حاملتي طائرات أكبر “لتوفير الطاقة بشكل أكثر مرونة [كذا] حول العالم”.
وستكون أنظمة الأسلحة الجديدة الأخرى عبارة عن جيل جديد من طائرات الهليكوبتر الهجومية والغواصات المجهزة بصواريخ كروز، والطائرات المقاتلة والقاذفات. وذكر أنه “للعقد المقبل على الأقل”، سيكون الدفاع الجوي لبريطانيا ذا أولوية منخفضة، لكن “سيظل الهجوم الجوي بعيد المدى مهمًا كجزء لا يتجزأ من القتال في الحرب وكأداة قسرية لدعم الأهداف السياسية ”ويبقى الاحتفاظ بالأسلحة النووية هو احد الاوليات الرئيسية لدى الحكومة، والتي من خلالها على بريطانيا “الاحتفاظ بخيار توجيه ضربة محدودة” والتي ستكون قادرة على “ردع أي تهديد لمصالحنا الحيوية” [11]
وقد أضيف في يوليو 2002، فصل جديد إلى وثيقة (مراجعة الدفاع الاستراتيجي- SDR) تمت الاشارة فيه إلى “التركيز على العمليات الاستكشافية-التأديبية” ، والحاجة إلى “قوات تدخل سريعة الانتشار” و “أمكانيات الانزال والهجوم العسكري”. مشيرة إلى أن مراجعة الإنفاق الحكومي في عام 2002 توخت “أكبر زيادة حقيقية مستدامة في خطط الإنفاق الدفاعي لمدة 20 عامًا”. ويذكر التقرير أن:
تشير التجربة منذ عام 1998، ومنذ هجمات 11 سبتمبر، إلى إن احتياجنا إلى نشر قوات في مناطق أبعد من أوروبا و منطقة الخليج والبحر الأبيض المتوسط (التي حددتها وثيقة (مراجعة الدفاع الاستراتيجي- SDR) على أنها المحور الأساسي لمصالحنا) هو أكثر مما كنا نتصور.
وفي هذا، “نحن نرغب في العمل بشكل وثيق مع أهم حليف لنا، وهو الولايات المتحدة”. وقد تم تخصيص جزء من الزيادة في الانفاق، تقدر بحوالي مليار جنيه إسترليني للمعدات والقدرات لمواجهة “التحديات الإضافية”.
وفي احدى فقرات التقرير الموحية بشكل يتم استعراض منفعة “الحرب ضد الإرهاب” لتحقيق هذه الأهداف العسكرية البريطانية:
إن أولويات القدرات التي نشأت عن عملنا في مكافحة الإرهاب الدولي تتماشى تمامًا مع الواجبات الناتجة عن المطالب المحتملة الأخرى على قواتنا. إنها تعزز فحوى خططنا الحالية. إن لإمتلاك وسائل النقل والاتصالات الاستراتيجية الإضافية، على سبيل المثال، فائدة أوسع بكثير عبر مجموعة من العمليات التي تتجاوز مكافحة الإرهاب. لذلك من المنطقي التفكير فيها على أنها مكونات لجميع قوى الرد السريع ، بدلاً من اعتبارها قدرات مخصصة لمكافحة الإرهاب.
تُترجم الى: إن قدرات التدخل الجديدة التي نقول إنها ضرورية لـ “الحرب ضد الإرهاب” يمكن إن تُستخدم من أجل ألاحتياج الأوسع للتدخل. [12]
تم تطبيق هذه الاستراتيجية في غزو العراق. حيث يذكر تقرير لوزارة الدفاع،بعنوان:” العمليات في العراق: دروس للمستقبل”، ما يلي:
أظهرت العملية في العراق المدى الذي تطورت فيه القوات المسلحة للمملكة المتحدة بنجاح في تقديم قدرات الحملات العسكرية، التي تم توخيها في وثيقة “استعراض الدفاع الاستراتيجي” (SDR)، لعام 1998 والفصل الجديد لعام 2002. [13]
تقول الوثيقة الأخيرة، الكتاب الأبيض الصادر في ديسمبر 2003، إن قدرة التدخل البريطاني تحتاج إلى تجاوز حتى ذلك الذي تم توخيه في تلك الوثيقتين السابقتين. وقد نصت على أنه “يجب علينا توسيع قدرتنا على عرض القوة في مناطق أبعد مما تصورتهُ وثيقة “استعراض الدفاع الاستراتيجي” (SDR)” بما في ذلك “الأزمات التي تحدث عبر جنوب-الصحراءالكبرى الافريقية وجنوب آسيا” والناشئة عن “التهديد الأوسع من الإرهاب الدولي”. ويشير التقرير إلى أن “التهديد من الإرهاب الدولي يتطلب الآن القدرة على تقديم رد عسكري عالمي”. وهو يدعو الجيش البريطاني لتولي “عمليات لحملات عسكرية” في حين أن “القوات سريعة الانتشار” ضرورية “لمجموعة من البيئات في جميع أنحاء العالم”. “يجب إعطاء الأولوية لتلبية مجموعة واسعة من مهام الحملات العسكرية، على نطاق أكبر من المملكة المتحدة وبوتيرة استراتيجية وتشغيلية وتكتيكية متزايدة باستمرار”.
وتشمل القوات المطلوبة صواريخ كروز “التي توفر قدرة متعددة الاستخدامات لزيادة مدى القوة البرية والجوية من على الساحل”، وحاملتي طائرات جديدتين وطائرات مقاتلة والتي “ستوفر التقدم اكثر في قدرتنا على توسيع القوة الجوية من البحر”. هذه عناصر أساسية في “إستراتيجية الحملات العسكرية الحديثة”. ويؤكد مجدداً “الحاجة إلى مواجهة الإرهاب الدولي في الخارج بدلاً من انتظار الهجمات في داخل المملكة المتحدة”.
في كل هذا ، يذكر التقرير أن “قواتنا المسلحة ستحتاج إلى أن تكون قابلة للعمل مع هياكل القيادة والسيطرة الأمريكية”. في الوقت نفسه ، يشير التقرير إلى أنه “لا نعتقد أن المجتمع الدولي يجب أن يقبل حيازة دول أخرى للأسلحة النووية” – عدا النادي الحصري الذي تعد بريطانيا عضوًا فيه، فهو فقط الذي يتمتع بهذا الحق.
يتابع التقرير:
بينما كان من الممكن في الماضي اعتبار القوة العسكرية عنصرًا منفصلاً في حل الأزمات، أصبح من الواضح الآن أن الإدارة الناجحة لمشاكل الأمن الدولي ستتطلب تخطيطًا أكثر تكاملاً للأدوات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية.
وهذا ما يُترجم: سنهدد بشكل متزايد أولئك الذين لا يفعلون ما نقوله مع احتمال استخدام القوة العسكرية.
وفي مكان آخر، يسلط التقرير الضوء على أهمية “العمليات القائمة على النتائج المطلوبة” ، مما يعني:
أن القوة العسكرية موجودة لخدمة أهداف سياسية أو استراتيجية. . . يتيح لنا تفوقنا العسكري التقليدي الآن مزيدًا من الخيارات في كيفية توليد مانرغب في تحقيقه.
بينما يهدف الإرهاب إلى توفير الأساس المنطقي لهذه القدرة المتزايدة على توسيع مدى القوة ، يشير التقرير في قسم بعنوان “أهداف سياسة المملكة المتحدة” إلى أن:
تمتلك المملكة المتحدة، على نطاق أوسع، مجموعة من المصالح العالمية بما في ذلك الرفاهية الاقتصادية القائمة على التجارة والاستثمار الخارجي والأجنبي واستمرار التدفق الحر للموارد الطبيعية. [14]
في نفس الوقت الذي كانت فيه وزارة الدفاع تُصدر هذه الورقة الإستراتيجية، أصدرت وزارة الخارجية تقريرًا عن “الأولويات الدولية للمملكة المتحدة”، مشيرة إلى أن “قدرتنا على توسيع مدى القوة المسلحة ستكون أداة رئيسية لسياستنا الخارجية” وأن “العمل المبكر لمنع الصراع” دورًا مهمًا في هذا. وتضمن السياق تحديد “ثماني أولويات إستراتيجية دولية” للسياسة الخارجية البريطانية، أحدها كان “أمن إمدادات الطاقة للمملكة المتحدة وعلى النطاق العالمي”. كما أفادت التقارير قيام الوحدة الاستراتيجية الخاصة برئيس الوزراء، ومقرها مكتب مجلس الوزراء بأجراء مراجعة لـ “كيفية إيجاد توافق في الآراء بشأن شرعية التدخلات الخارجية” في “الدول الفاشلة” .[15]
تم تأكيد استراتيجية التدخل المعزز هذه، في العديد من الخطب التي ألقاها وزير الدفاع جيف هون، الذي قال إن الجيش البريطاني مُجهز “لعمليات أكثر تكرارا” و “أعداد أكبر من العمليات الصغيرة المتزامنة” في مناطق خارج أوروبا. في الواقع، لاحظ هون أنه منذ وثيقة “استعراض الدفاع الاستراتيجي” (SDR)” في 1998، كانت تنشأ “في المتوسط عملية جديدة ​​مرة واحدة في السنة”.[16]
كانت بريطانيا وليست الولايات المتحدة هي التي ألزمت نفسها في البداية بالاستراتيجية التي وصفت خطأ بأنها “استباقية”. قد يكون الوصف الأفضل لها هو “وقائيًة”: يعني أن القوة العسكرية لن يتم تنفيذها ردًا على تهديد وشيك، ولكن قبل أن يتجسد التهديد. الأول نوع من الدفاع عن النفس. “التهديد” المفروض في الأخير مفتوح للتفسير ويمكن استخدامه بسهولة لتبرير جريمة، كما هو الحال في غزو العراق.
في الواقع ، تدعوا هذه الوثائق إلى إعادة تشكيل الإستراتيجية العسكرية البريطانية للتركيز الصريح على العمليات الهجومية. لدى بريطانيا الآن، وزارة للهجوم. لطالما كان مصطلح “الدفاع” تسمية خاطئة موجهة إلى حد كبير للعلاقات العامة: لطالما كانت بريطانيا تتمتع بقدرة تدخل قوية وشنت العديد من العمليات الهجومية التي لا علاقة لها بالدفاع عن بريطانيا أو مصالح الجمهور. ولكن الآن بالكاد يتم إخفاء هذا. قال جيف هون إن “الخبرة الطويلة تشير إلى عدم كفاية الموقف الدفاعي بالكامل” ؛ المفتاح “هو نقل المعركة إلى الإرهابي”. [17] يتم استخدام هذا التهديد “الإرهابي” كغطاء لتدخلات أكبر وأكثر تواترًا. فبينما تم صرف انظار وسائل الإعلام من خلال قضايا مثل من قام بتسمية (ديفيد كيلي) وفي أي وقت وفي أي اجتماع، كان وزير الدفاع يمضي قدمًا في خطط جديدة لـ “استراتيجية توسيع نطاق القوة” مستهدفة لخلق المزيد من تجارب على شاكلة تجربة العراق، في جميع أنحاء العالم. من المفترض، أن الإذلال الحالي في العراق ، إلى جانب المعارضة الشعبية ، هو فقط ما يعيق عصابة بلير عن المضي في هذه الخطط.
يأتي التبرير الفكري لهذه المرحلة الجديدة من الإستراتيجية الإمبريالية من “الإمبرياليين الليبراليين” مثل روبرت كوبر، وهو دبلوماسي بريطاني كبير مقرب من توني بلير. فقد كتب كوبر، دون سخرية على ما يبدو، أن “التحدي الذي يواجه عالم ما بعد الحداثة هو التعود على فكرة المعايير المزدوجة”. فهو يعتقد بانه طالما نعمل “فيما بيننا” ” على أساس القوانين ونفتح الأمن التعاوني” ……
ولكن عند التعامل مع المزيد من الدول ذات الطراز القديم خارج قارة أوربا ما بعد الحداثة، نحتاج إلى العودة إلى أساليب، الحقب السابقة، الأكثر صرامة – القوة، والهجوم الوقائي، والخداع، وكل ما هو ضروري للتعامل مع أولئك الذين ما زالوا يعيشون. في عالم القرن التاسع عشر، عالم كل دولة لنفسها. فيما بيننا، نحافظ على القانون ولكن عندما نعمل في الغابة، يجب علينا أيضًا استخدام قوانين الغابة. [18]
تشير المقارنة بين الملفات التي تم رفع السرية عنها والمنشورات الحكومية الحديثة إلى أن الاستراتيجيات الأساسية لا تتغير إلا قليلاً بمرور الوقت ؛ فقط الذرائع تتغير. إن تقرير فبراير 2003 حول تأمين إمدادات الطاقة الأجنبية، و استراتيجية ديسمبر 2003 لتعزيز التدخل العالمي، هما وجهان لعملة واحدة. الوثيقة السابقة هي أساس منطقي واضح للأخيرة – فترة جديدة من التدخل العالمي ، والتي توفر دافعًا أكثر منطقية لغزو العراق من التصريحات حول “التدخل الإنساني” والإرهاب وأسلحة الدمار الشامل التي رددها العديد من المعلقين الإعلاميين والمحللين الأكاديميين.
***********
‎2020-‎10-‎16