مع جمال عبد الناصر في 15 عاما ومعه في خمسين عاما تالية!


الدكتور جورج جبور.
 يكبرني بعشرين عاما . استحوذ على اهتمامي  ، المتطور الى اعجاب ، منذ مؤتمر سرسنك في العراق ، وبه اشتهر بمناهضة الاحلاف. واستمر على هذا  الاستحواذ في كل امر كبير قام به، حتى انتقاله الى رحمة الله،  محاطا بملايين من شعبه،  ومأسوفا عليه في البلاد العربية وافريقيا ، ودول عدم الانحياز الممتدة على قارات ثلاث ، وفي امكنة اخرى كثيرة من العالم.
قيل:  توفي فشعر العرب باليتم . لم يبالغوا. كان مشرفا اعلى على شؤون العرب.
ذات يوم كان يمكن له ان يعلن الها فيعبد . يقول ويفعل ويستطيع.  كان ذلك في الخمسينات. استمركذلك  في الستينات ، يقول ويفعل ويستطيع ولكن ليس في كل الاحيان.
اشتهر بامرين عزيزين على العرب، بل هما أمر واحد: داعية للوحدة العربية وناهض بها ، في مواجهة الغرب الاستعماري ومعه اسرائيل.
بعد خمسة وستين عاما من  نجاحه في معركة مقاومة الاحلاف ، نتساءل اين نحن الان من الامال الكبار التي اثارها فينا القائد الكبير، ولماذا اصبحنا اليوم في الحال التي لا ترضيه ولا ترضينا ، وهل كان له دور في الانحسارالمرير كما كان له دور في الصعود الباهر ، صعود مكنه من  اشعار العرب ، اكثر من اي عربي اخر، بل واكثر من اي جهة اخرى ، حكومية كانت او غير حكومية ، بانهم كل واحد؟
من يكتب احداث السياسة والتاريخ بشكل موضوعي؟ من يقيمها؟ من يقيم بموضوعية القادة  والزعماء الذين كتبوا مصائرنا؟ قلة وربما قلة نادرة.
لكنني ذات يوم حثثت مراكز الدراسات والابحاث العربية على النظر في مدى دقة ما رواه الاستاذ محمد حسنين هيكل عن الظروف التي حدت بالرئيس الى تعيين  انور السادات نائبا له. يقول هيكل ان عبد الناصر اخبره ان التعيين مؤقت. لمدة اسبوع على الاكثر . ربما ان عبد الناصر جامل هيكل الذي يقول انه دهش لاتخاذ مثل ذلك القرار. ربما ان فكرة نائب رئيس لمدة اسبوع كانت اصيلة راسخة في ذهن عبد الناصر.  لا ادري اي الاحتمالين اصح . الا ان الصحيح ان السادات استمر نائبا للرئيس واصبح رئيسا. ربما ان الرئيس نسي تعيين الاسبوع . من المرجح ان هيكل لم يذكره بالاسبوع. تولى الرئيس السادات الحكم وكان في كثير من توجهاته قليل الانسجام مع ما يعرف ب الناصرية في عهد نائب الرئيس لمدة اسبوع شهدنا التغير الحكومي  العربي الكبير  ازاء اسرائيل على نحو لم يخطر لحظة في ذهن عبد الناصر كما تدل على ذلك مسيرته.
.ونقطة بحثية للمتابع: كان حثي، الذي  اشرت اليه في مطلع هذه  الفقرة، النقطة الجوهرية في مقال نشرته جريدة السفير  اللبنانية يوم 28 ايلول 1995 بمناسية الذكرى الخامسة والعشرين للرحيل. ارسلت المقال  الى الدكتورة هدى عبد الناصر وتلقيت اجابة لبقة منها. وكل ما في  هذه الفقرة منشور في كتابي الجديد: مذكرات الى رئيس مجلس الوزراء السوري: 1990—1998; ( بيروت ، دار ابعاد، 2020 ص:  257—268).
والتحية اطيبها الى الزميلة  الباحثة الدكتورة هدى جمال عبد الناصر اذ اصدرت موسوعة ممتدحة عن والدها القائد الكبير. في مراسلة عام 1995 اخبرتني انها تعمل. وها قد أخد منها العمل ربع قرن فاضحى انجازا مشهودا يفتخر به.
مع جمال عبد الناصر في 15 عاما. من مؤتمر سرسنك في العراق، ومجابهته المتحمسين للاحلاف الغربية ، حتى اختتام مسيرته عام 1970 بعمل يبدو وكأنه  نهاية اسطورية  تلخص نضاله ، اذ لقي وجه ربه مباشرة اثر عقد مصالحة عربية بشأن فلسطين، من منتصف الخمسينات حتى بدايات السبعينات كنت معه: اتابعه، اتعاطف معه، ارجو له النجاح،  أجرؤ فانظر الى بعض اعماله بعين انتقادية ، أتالم معه في عثرات عانى منها. لم يغب عن البال يوما واحدا.
وكذلك في الخمسين عاما التالية للرحيل. اتابع ما يكتب عنه ، استأنس بما تأتي به الحركات التي تنسب نفسها اليه ، أتساءل: ماذا كان يمكن ان يكون موقف عبد الناصر لو جابه ما نجابهه .
وأنظر في ما نحن فيه فأشعر بالحسرة على غياب قائد فذ أشعر العرب، معظم العرب،وعلى مدى سنوات طوال  انهم كل واحد. بل  وخاطب انسانية  كل واحد منهم  بمفرده ، هاتفا  بصوته الذي طالما تابعته الملايين: ارفع رأسك يا أخي .

رئيس الرابطة السورية للامم المتحدة وسابقا: مستشار رئاسي سوري وعضو مجلس الشعب وخبير مستقل لدى مجلس  حقوق الانسان
في الامم المتحدة، ورئيس واستاذ قسم العلوم السياسية في معهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة.
 دمشق في 15 ايلول سبتمبر 2020