من كتابي بلعين في المقاومة الشعبية 4!

أبو علاء منصور.
عند فجر يوم الرابع من شهر أيار عام 2005 كان عدد من النشطاء وأعضاء اللجنة الشعبية في بلعين يربطون أنفسهم بالأشجار التي ينوي الاحتلال اقتلاعها. وعند السادسة والربع وصلت أولى الدوريات العسكرية التي ترافق الجرافات وأقامت حاجزاً بين القرية والموقع للحيلولة دون وصول الأهالي للمكان دون معرفة الذي جرى -تربيط الشباب أنفسهم بالأشجار- وعند السابعة وصلت ستة جرافات (D9) ففوجت بالشباب. وبناء على الاتفاق مع اللجنة الشعبية وصل الصحفيون الذين لا يعرفون شيئاً عن طبيعة الفعالية، وبدأت فضائية العربية بالبث. ومنذ الصباح وحتى المساء وخبر بلعين يتصدر نشرات الأخبار ووسائل الإعلام المختلفة وانتهت الفعالية باعتقال سبعة متضامنين أجانب وإسرائيليين. وفي اليوم التالي كانت تزين الصفحة الأخيرة في صحيفة القدس لوحة فنية لشجرة زيتون يحتضنها شاب يعتمر كوفية، وكتب تحتها (بلعين تحتضن الزيتون)
واجهت اللجنة الشعبية ونشطاء المقاومة تحد كبير يتمثل بوجود حوالي 200 عامل من خارج القرية يعملون مع الشركات الإسرائيلية المتعهدة لبناء الجدار، وقسم كبير منهم استأجروا بيوتاً في القرية. في البداية خرجت أصوات تنادي بعدم إسكانهم لأنهم يعملون في المستوطنة في الوقت الذي تصارع فيه القرية للتصدي لبناء الجدار، فيما اعتبر آخرون أن ذلك يأتي في نطاق كسب الرزق، وكان معظم أصحاب وجهة النظر الأخيرة من أصحاب المحال التجارية والبيوت التي يسكنها العمال. لم يكن الأمر سهلاً ففي حين يتظاهر أهالي القرية ضد بناء الجدار يكون هؤلاء العمال عائدون من العمل. توترت الأجواء ووقعت بعض المشكلات، فاتفق المجلس القروي والنادي الرياضي والفصائل الوطنية والإسلامية واللجنة الشعبية والمؤسسات على إعطاء العمال مهلة شهرين لترتيب أمور رحيلهم. انتهت المدة المحددة ولم يستجب سوى عدد قليل. في النهاية أرغموا على الرحيل. لقد شكلت الخطوة الجريئة منعطفاً هاماً في مسيرة مقاومة الجدار في القرية. وساعد في نجاحها تزامنها مع صدور قرار المحكمة الإسرائيلية بوقف البناء والسكن في المستوطنة.
قال بدر الخطيب وهو يحدثني عن تفاصيل ما جرى: كان العمال الذين يعملون في المستوطنة واستأجروا بيوتاً في القرية أكبر مشكلة. فاتخذ تنظيم فتح قراراً بإخراجهم، ولهذه الغاية عقد اجتماع ضم ستين من أبناء القرية وقرأ باسل منصور بياناً باسم المؤسسات والفصائل أمهل العمال شهرين لتسوية أمورهم وجرى توزيع البيان على المحلات التجارية والبيوت التي يسكنها العمال. لم تكن المهمة سهلة وكان الموقف أكبر من مجرد إصدار بيان وحظي بما يشبه الإجماع. مع ذلك لم أكن واثقاً من أن العمال سيخرجوا بهذه السهولة وهناك من شجعهم على البقاء. انتهت المهلة ولم يستجب سوى عدد قليل، فاتخذ الشباب موقفاً حاسماً وأجبروهم على الخروج بعد منتصف الليل.
قال محمد الخطيب: اكتشفنا من خلال المستندات التي حصلنا عليها من المحامين أن بيوت المستوطنة غير مرخصة. وأن وثائق المستوطنين مجرد كتب من رئيس بلدية مستوطنة كريات سيفر، فأردنا خلق وقائع تساعد في فرض قاعدة التعامل بالمثل. وضعنا بيتاً متنقلاً خلف الجدار. اكتشفت قوات الاحتلال الأمر فعرضنا عليهم وثائق ملكيتنا للأرض وكتاب المجلس القروي الذي يسمح بوضع البيت المتنقل فغادروا، وبعد 36 ساعة جاء ضابط الإدارة المدنية ومعه أمراً عسكرياً بإخلائنا. اعتصم الشباب داخل البيت المتنقل وبعد ساعة من الأخذ والرد اقتحمه الجنود واعتقلوا سبعة من الموجودين. ويوم 25\12\2005 أحضرنا بيتاً آخر فأعلمنا ضابط الإدارة المدنية أنه يستم إزالته. صباح اليوم التالي قدموا لإخلائنا فقلنا لهم: (لماذا تسمحون ببناء بيوت غير قانونية في المستوطنة -غير مرخصة- وتسارعون لإزالة بيتنا المتنقل؟ أجاب الضابط: (يحتاج نقل البيت المتنقل إلى تصريح من الإدارة المدنية وأنتم لم تحصلوا على ذلك، أما بيوت المستوطنة فثابتة، لو كان لديكم غرفة ثابتة بمساحة 10 أمتار مربعة فقط ولها شبابيك وسقف فلا يمكن هدمها أو نقلها إلاّ بقرار من المحكمة). أشعل ما قاله الضابط الأفكار في رؤوسنا فبدأنا نفكر ببناء بيت ثابت بالمواصفات التي تحدث عنها وكان علينا إنجاز ذلك قبل الساعة الثامنة صباح اليوم التالي -موعد قدومهم لإزالة البيت المتنقل- باشرنا التجهيز فواجهتنا مشكلة جلب المواد إلى المكان، فليس سهلاً العبور بها من البوابة. كلفنا أحد الشباب بمراقبة خط الجدار وفي جو عاصف وماطر نجحنا في إدخال أول دفعة. عدنا لجلب المزيد فعلقت سيارتنا في الوحل -في المكان الذي تمر منه الدوريات العسكرية- هرع الشباب لنجدتنا فازدادت عجلات السيارة غرقاً في الطين. وأثناء ذلك وصلت سيارة الحّرّاس الأمنيين الإسرائيليين ففوجئوا بنا. بادرتهم المتضامنة الإسرائيلية ميخال بأعصاب باردة: (ساعدونا في الخروج من الطين). قالوا غير مدركين خططنا: (انتظروا حضور دورية الجيش وتساعدكم). أعادت طرح السؤال بصيغة أخرى: (هل تسمحوا بقدوم أصدقاء لمساعدتنا؟). أجابوا بالإيجاب فاتصلنا بشباب القرية وطلبنا حضور سيارة تحمل باقي المواد. فجاءوا وسحبوا سيارتنا وواصلوا الطريق لإنزال الحمولة، وذهبنا نحن إلى القرية وأحضرنا باقي اللوازم. أصبحت المواد جاهزة لكن البناء وسط المطر ليس سهلاً. أشعلنا النيران لتجفيف الجدران وتثبيتها. وأحضرنا السققف والشبابيك على ظهورنا من القرية بعد منتصف الليل. لاحظ الجنود النار فحضروا. قال أحدهم: (لا تتعبوا أنفسكم؟ غداً سيخرجونكم). كان علينا أن ننتهي من العمل قبل الرابعة والنصف فجراً، كي نتيح لبدر وعماله الذين يقومون بالبناء الالتحاق بعملهم في القدس عند الساعة السادسة صباحاً. أصبح البناء جاهزاً. حضر ضابط الإدارة المدنية عند الساعة الثامنة صباحاً ففوجئ وقال مستغرباً: (كيف أحضرتم المواد رغم الدوريات العسكرية؟ وكيف أنجزتم البناء في هذا الطقس العاصف؟). قال ذلك وسلمنا مذكرة لمراجعة الإدارة المدنية لترخيص البناء…. انتصرنا. أطلقنا على الغرفة اسم (مركز التضامن المشترك)، وجعلناها مكاناً لعقد اجتماعاتنا مع المتضامنين والمحامين والزوار ونقطة مراقبة لرصد خروقات المستوطنين وأصحاب الشركات، ولاحقاً رممنا بئر ماء قديم وفي سبيل ذلك اضطررنا لعمليات تمويه أشرف عليها عثمان منصور -كان يخفي المواد التي يجلبها من القرية بين روث المواشي فينفر الجنود من تفتيشه- وفي نطاق الخطة لتكثيف التواجد وخلق المزيد من الوقائع، جرى تسهيل مساحة كملعب رياضي، وأقيمت مباراة بين فريق من شبان القرية وآخر من المتضامنين الأجانب والإسرائيليين. وحين حلّ موسم المونديال الدولي أحضرت اللجنة الشعبية مولد كهرباء ونصبتُ شاشة عرض ضخمة، واعتاد شبان القرية مشاهدة مباريات المونديال في المكان.
اتصلتُ بالأصدقاء عاطف بدوان -عمار بن ياسر- وعمران يوسف -أبو حديد- وفادي حمد، وحضرنا مباراة بريطانيا والسويد في جو مفعم بصوت الطبيعة وصمت الليل، وتتلألأ في سمائه النجوم. ذكرتني الحشيات الاسفنجية وأصدقاء زمن الفدائيين بأيام القواعد العسكرية في جنوب لبنان. لقد أصبح مركز التضامن المشترك محجاً لأهالي القرية والمتضامنين والمتنزهين والمعنيين.
مع تحيات أبو علاء منصور
يتبع
21\9\2020