من عروض المسرح السويدي..بن بكار ونور النهار وحكايات اخرى من الف ليلة وليلة!
د. حسن السوداني .
لم يدر في بال (جاكوبو بيري واتافيو رينوشيتي ) ان عرضهما الاوبرالي الذي حمل اسم (دافني DAFNE) عام 1597 سيكون فاتحة لهذا الفن الذي يعده النقاد ابرز ما اخرجه العصر من فنون بعد ان اقتصرت العروض على فن المسرحية التقليدية منذ عصر الاغريق وحتى يومنا هذا, واذا كانت الأوبرا هي مسرحية غنائية تعتمد الغناء أكثر من الكلام فإنها تختلف عن المسرحية التقليدية بعدة جوانب أهمها: ان التمثيل فيها أكثر عمقا وتأثيرا على المشاهد لاعتماده على الانفعالات الأساسية كالغضب والحب والانتقام والنشوة والانتصار والقسوة والغيرة, ومن هنا فقد تلاقفته المسارح الأوربية ومن بينها المسارح السويدية التي اختارت اوبرا الف ليلة وليلة, وهي ليست المرة الاولى التي يقدم فيها المسرح السويدي على تقديم عروض مستقاة من حكايات الف اليلة وليلة فقد سبق ان قدمت مسرحية عنها في عام 2001 في مدينة هلسنبوري بعد احداث برج التجارة العالمي في الحادي عشر من سبتمبر, وغالبا ما يلاحظ ان العروض المسرحية التي تستقي حكاياتها من قصص الف ليلة وليلة لأغلب معديها من الأوربيين ترتكز على مجموعة من الحكايات التي أخذت من النص الأصلي لليالي ممهدة بحكاية الخيانة التي قامت بها زوجة الملك شهريار وقراره بقتل كل امرأة بعد زواجه منها لليلة واحدة فقط ومن ثم وصول الدور إلى شهرزاد بنت الوزير التي تقرر أن تحتال على الملك بما تملكه من مكر النساء وعبر قصها مجموعة من الحكايات الغريبة والشيقة مما يغري الملك بالإبقاء عليها حتى صباح اليوم الآخر, هذا هو المدخل العام الذي جمع النص الأدبي والنص المسرحي كمدخل ممهد لما سيأتي من حكايات في الأولى وصور في الثانية وهنا انتبهت الكاتبة فانيه حميدي ايساكسون Vanja Hamidi Isacson الى مجموعة من الحكايات المختارة بعناية والقادرة في ذات الوقت على خلق نمط من الكتابة توظف فيها الحكاية إلى لعبة مسرحية تستجيب لشروط عروض الأوبرا وأهمها عنصر النص المكتوب وعنصر الموسيقى والغناء حيث يكون النص اقل طولا من النص المسرحي التقليدي لان غناء الكلمات يستغرق فترة أطول من مجرد الإلقاء كما ان الموسيقى تجسد الانفعالات بصورة أكثر عمقا من الكلمات, كما يمكن لتلك الحكايات التي اختارتها الكاتبة أن تأخذ أدوارا متعددة غير دور الحكي الذي تعتمده المسرحية التقليدية بل وتتساوى مع بقية الشروط من دون تفوق لأحدها على الآخر وبطريقة أقناعيه متناغمة موظفة سلسلة من الحكايات المتناثرة في النص الأدبي والمتساوقة مع النص المسرحي كي تدخلك وسط لعبة التوهم متخيلا أن النص المسرحي هو النص الأدبي وشتان ما بين الاثنين, فإذا تتبعنا سلسلة الحكايات التي تبنتها الكاتبة ايساكسون وجدنا أنها تختار منها ما يعزز هدف شهرزاد النهائي في تغيير سياسية الملك التعسفية وبالتالي فهي تختصر الليالي الألف عبر قصص( الصياد والعفريت,علي بن بكار والأميرة شمس النهار) وهي الحكاية التي تمتد بين الليلة 184 والليلة 200 في النص الأصلي لليالي والتي استفادت من أجوائها الكاتبة ايساكسون وخالفت النص من خلال ابتكار حالة التنافس بين الأمراء الثلاثة على الأميرة نور النهار(شمس النهار) ليفوز بها الأمير علي بن بكار في حين ان النص الأصلي ينتهي بفقدان الحبيبين علي ونور النهار حياتهما بسبب عدم قدرتهما على الالتقاء والعيش سوية. ويبدو من خلال تفكيك فكرة النص الجديد أن الكاتبة أرادت أن تجمع حكايات تنتهي نهايات سعيدة وتحتوي على عنصري الإبهار البصري والسمعي فلا نجد رابطا بين حكاية الصياد والعفريت وبين حكاية نور النهار من حيث المغزى النهائي سوى اشتراكهما بعنصر الإبهار المتولد في خروج العفريت من القمقم في الأولى وحكاية البساط السحري في الثانية, فضلا عن اشتراكهما في النهايات السعيدة حيث يحصل الصياد على ثروة كبيرة يستطيع فيها إطعام عياله وفوز الأمير علي بن بكار بحبيبته نور النهار من بين أخويه وهو ما يعزز الدافع النفسي للملك شهريار باتخاذ قرار إعفاء شهرزاد من عقوبة القتل في نهاية الأمر,ومن هنا استطاعت الكاتبة الانتقال من فعل النص الساكن إلى فعل الصورة المتحركة ولعل هذه المحاولة تستجيب أكثر لشروط عروض الأوبرا التي تعتمد الغناء الاوبرالي أكثر مما تستجب للعروض المسرحية التي تتحرر من كلاسيكية الأداء الاوبرالي.
العرض ورمزه
تزخر الأعمال المسرحية التي تستقي أحداثها من حكايات ألف ليلة وليلة بالكثير من الدلالات الرمزية فضلا عن العلامات غير اللفظية الموجودة في النص مما يتيح للمخرج الحاذق أن يتناولها بطرق متعددة وهذا ما فعلته المخرجة ماريا سوندكفيست Maria Sundquist بدأً من القراءة الصحيحة للنص الذي أنتج رؤية موازية لرؤية المؤلفة من حيث توظيف الحكاية المتحركة في جو من الشروط الاوبرالية التي تقتضي نوعا من الحركة يتناسب وإيقاع الأداء الصوتي الخاص بفن الاوبرا, ولكون الحكاية تصلح لجمهور متعدد المستويات العمرية فضلا عن غرائبيته التي زادها المخرج في إدخال عنصر التقنية بشكل فاعل موظفا العروض الليزرية في إظهار العفريت من القمقم جعلت المشهد عبارة عن نزهة بصرية فائقة الجمال كما استخدم البعد الجمالي للديكور وتوظيفه في حركة طيران البساط السحري الذي يعتليه الأخوة الثلاث في رحلة التنافس على خطب ود الأميرة نور النهار, وقد التفت المخرج للدور الكبير الذي تلعبه الموسيقى في إضفاء البعد التخيلي على المشهد فراح يستعين بالموسيقى الشرقية الحية على المسرح من خلال اله العود كما ذهب بعيدا باستخدام أغنية الراحل ناظم الغزالي ( طالعة من بيت ابوها رايحه لبيت الجيران ) يؤديها الممثل العراقي علاء رشيد الذي برع هو الاخر في اداء دور الامير علي والذي سيفوز بحب الأميرة في نهاية المطاف, كل ذلك أضفى بعدا اكبر في تخيل أجواء الشرق كما ساعدت الأزياء التي تم تصميمها في الهند على تعميق الإحساس بتلك الأجواء.

‎2020-‎09-‎27