من كتابي بلعين في المقاومة الشعبية 2!

أبو علاء منصور.

عام 2006 اتصلت بي الصديقة جانيت ميخائيل رئيسة بلدية رام الله:

_ سأسافر إلى ألمانيا، وخير ما أتحدث به هناك بعد احتياجات البلدية هو تجربة قرية بلعين في مقاومة الجدار. أرجو تزودني بوثائق عن التجربة.

_ ما رأيك أن تحضري مسيرة يوم الجمعة القادم 3\11\2006 وتشاهدي الأمور عن كثب؟

انطلقنا قبل ظهر يوم الجمعة من رام الله إلى بلعين…..

استخدم نشطاء المقاومة الشعبية في المسيرة تكتيكاً فاجأ الجنود الذين يحرسون بوابة الجدار، فقبل أن يصل المتظاهرون إلى البوابة كالعادة، انعطف قسم منهم يميناً وفتحوا ثغرة في الجدار وتدفق المتظاهرون خلفهم. فشل الجنود في صدهم وأصبحت المظاهرة خلف الجدار، وفي الوقت ذاته كان عشرات الفتية والشبان يشتبكون بالحجارة مع جنود نصبوا كمائن في محيط القرية الغربي. حمي الوطيس فتراجعتُ برئيسة البلدية إلى منزل أم ازدهار. وأثناء تناولنا الشاي أمام المنزل خاضت جانيت في نقاش مع سيدة المنزل فقالت أم ازدهار:

_ بإقامة الجدار أصبحت معظم أراضي القرية خلفه فحرمونا من مصادر عيشنا. وكثيراً ما قام الجنود بتهديدنا، فألقوا قنابل الغاز المسيل للدموع على المنزل. وفي إحدى المرات أطلقوا الرصاص الحي على خزانات الماء وخربوها، وحطموا زجاج النوافذ وقامت اللجنة الشعبية مشكورة بإصلاحها. انظري تلك النافذة، حطم الجنود زجاجها فغطيناها بالبلاستيك كي نتفادى تكرار إصلاحها ونتجنب أذى الزجاج المتناثر.

فجأة اقتحم الجنود المكان وهم يطاردون مجموعة من الفتية بهدف اعتقالهم. وتصادف أن قدمت سيارة حرس حدود من الشرق -من وسط القرية- فوجدت الطريق مغلقة غرباً وأغلق الشبان الطريق خلفها من الشرق. تورط الجنود ووجدوا أنفسهم محاصرين فيما تنهمر الحجارة عليهم. لاحظ الشبان ارتباك الجنود فكثفوا إلقاء الحجارة والصخور. في أوج ارتباك الجنود اندفعوا بسيارتهم داخل فناء المنزل الذي نجلس فيه، فاضطررنا إلى الدخول داخل المنزل، وأغلقت أم ازدهار الباب والشبابيك لتفادي رائحة الغاز المسيل للدموع وهي تكيل الشتائم للجنود وتحتضن حفيدها الذي يصرخ فزعاً. كأننا في ساحة حرب. ملحمة بدا فيها الشباب فرساناً وهم ينقضون على السيارة بالصخور والجنود مذعورين في داخلها قبل أن تنجدهم قوة عسكرية قدمت من الغرب. أطلق الجنود الرصاص بجنون فأصابوا متضامناً فرنسياً في يده. هدأت المواجهة وانسحب الجنود، فوصل وفد بلجيكي يضم عشرين متضامناً قاموا بتوزيع هدايا على مئتي طفل من طلبة الصفوف الابتدائية في القرية.

قدم رئيس المجلس القروي الشكر لرئيسة البلدية على مشاركتها في الفعالية وتقديمها مبلغاً مالياً دعماً للجنة الطلابية وقال:

_ تتكرر مثل هذه المشاهد، فحين تحتدم المواجهات تشتد الخلافات بين الجنود ويعلو صراخهم. يتسببب الخوف بتضارب الاجتهادات وتناقض الأوامر، هذا الجندي خائف وذاك يريد الانتقام وثالث يبغي الاكتفاء بإطلاق النار في الهواء وهكذا. قبل أيام حصل مشهد ألقى فيه عسكري سلاحه على الأرض غاضباً.

عند الساعة الثانية والنصف بعد الظهر انسحب الجنود بعدما أمطروا المنطقة بوابل من قنابل الغاز والصوت والرصاص الحي والمطاطي، وغادرنا فيما رماة الحجارة يحتفلون.

مع تحيات أبو علاء منصور

19\9\2020