التناقض الظاهري في الاستراتيجية السعودية!

ابو زيزوم.
قلنا في المنشور السابق ان السعودية تشن حربا سياسية شعواء ذات مضامين طائفية على ايران وفي نفس الوقت تستهدف اعداء ايران الأيديولوجيين داخل السعودية وهم رجال الدين ، مما يشكل تناقضاً في التفكير يحتاج الى تفسير . والحقيقة ان الدين والمذهب لا يشكل عنصرا في السياسة الخارجية السعودية . وقد سبق لها ان تحالفت مع ايران ضد العراق في عهد الشاه ، ودعمت المسيحيين ضد المسلمين اثناء الحرب الأهلية اللبنانية ، ووقفت مع النظام الشيوعي في جنوب اليمن ضد الإسلاميين في الشمال ، وأيدت الاباضية ضد السنة في عمان . فمواقفها تتخذ على أسس اخرى تنطلق من موقفها الثابت مع الغرب والولايات المتحدة تحديدا . فمن يريد تفسير السياسة السعودية عليه ان ينطلق من هذا المبدأ الثابت في نهجها . ولكي تستقيم الصورة نقول ان موقفها المتطرف حاليا من ايران يرجع الى عاملين اثنين ينسجمان تماما مع الذي ذكرناه . الاول : انه انعكاس للموقف الامريكي من ايران . فعندما كانت الولايات المتحدة تخطب ود ايران اثناء تحشيدها ضد العراق في عقد التسعينيات كانت السعودية على وفاق مع طهران وكان رموز النظام الإيراني الحالي يتقاطرون على الرياض بلا انقطاع مع ان ايران هي هي لم تتغير مواقفها ولم تتبدل سياستها اليوم عما كانت عليه في التسعينيات . والثاني : انها سائرة في طريق التطبيع تمشياً مع الرغبة الامريكية ، ولما كان التطبيع السعودي مع اسرائيل يكتسي بحساسيات عالية للأسباب المعروفة فأنه يحتاج الى مبررات قوية تجعله مقبولا عند الشرائح الاجتماعية والمحيط العربي والإسلامي . من هنا جرى تأجيج الصراع الطائفي ليبلغ الانسان السني مبلغاً من الحقد على ايران تهون معه كراهيته لإسرائيل ، وهذا ما حدث بالفعل فجميع المؤيدين للتطبيع من اعلى الساسة الى ابسط الناس لا يبررون ما قامت به الإمارات والبحرين الا بالقول انه عمل اضطراري لصد ايران .
اما هجمتها الكبرى على رجال الدين والتضييق الشديد عليهم فمسألة اخرى نابعة من رؤية ابن سلمان في بناء دولة (عصرية) على النموذج الإماراتي . السعودية ليست بحاجة الى خدمات رجال الدين في المواجهة مع ايران لأن مثل هذه المواجهة غير موجودة أصلا الا في الاعلام . ليس لدى السعودية خطط لتدشين صراع عنيف مع ايران تحتاج فيه التيار الديني . ثم ان التيار الديني جاهز في اي وقت اذا اقتضى الامر ولن يضعف جهوزيته الطائفية الإجراءات الحالية ضد مؤسساته . لقد نُزعت شوكته من قبل خمسين عاما فلما استجدّت الحاجة اليه في الحرب الأفغانية أُخرج من غمده وفعل المستحيل في تلك الحرب . وما ان انتفت الحاجة اليه حتى زج بأولئك (المجاهدين) في السجون وتم التنكيل بهم . ثم أُخرجوا للزج بهم في العراق وسوريا ثم تخلت عنهم السعودية وأسمتهم ارهابيين .
السعودية تنظر لصراعها مع ايران كجزء من الاستراتيجية الامريكية . فإذا قرر الامريكان خوض الحرب مع ايران تدخل السعودية بالقدر المطلوب منها . الامريكان يحددون ما إن كانوا بحاجة الى رجال دين وفتاوى وانتحاريين او ان تكون المواجهة تكنولوجية ومن بعيد . فالسعودية لا تشغل بالها بتلك الأمور وتتركها لمقتضيات الظرف . والذي يعنيها الان التخريج المقبول لعملية التطبيع العلني مع اسرائيل بتوظيف الورقة الإيرانية كمسوغ يلقى رواجا .
( ابو زيزوم _ 888 )
‎2020-‎09-‎26