اميركا دولة طفيلية تبتز حلفاءها بتجارة “تصدير الامن”!
صوفيا ـ جورج حداد.

بنهاية الحرب العالمية الثانية خرجت أميركا الى الساحة الدولية بوصفها أغنى وأقوى دولة في العالم، تمسك في يدها ثلاثة مكونات للقوة المالية ـ الاقتصادية ـ العسكرية التي يمكنها بواسطتها فرض سيادتها على الكوكب الأرضي:

ـ1ـ الاعتراف بالدولار بوصفه العملة العالمية الرئيسية الوحيدة، والذي بواسطته يمكنها التحكم بالنظام المالي العالمي بمجمله، فقط عن طريق طباعة الدولار الورقي (عديم القيمة بحد ذاته) وتوزيعه الالزامي على دول العالم، والحصول على كل ما تريده الادارة الاميركية من المنتوجات من جميع البلدان قاطبة مقابل قصاصاتها الورقية.

ـ2ـ وضع اليد على مصدر الطاقة الرئيسي وشبه الوحيد حينذاك (اي النفط) وذلك بالهيمنة شبه الكاملة على جميع شركات انتاج ونقل وتوزيع النفط في العالم (باستثناء روسيا).

ـ3ـ كانت الحرب العالمية الثانية أضخم “مشروع تجاري رابح” في التاريخ الاميركي. ومع نهاية الحرب امتلكت اميركا السلاح النووي وبيد أقوى وأضخم جيش في التاريخ الانساني العالمي. واذا كانت جميع دول وشعوب العالم، بما فيها الدول الاستعمارية الكلاسيكية، خرجت من الحرب مثخنة بالجراح، مدمرة وضعيفة، بسبب الحرب، واتجهت نحو اعادة الاعمار والنهوض من جديد باقتصادها، فإن أميركا خرجت من الحرب بوصفها “خزانة العالم”، وذلك بفضل “بيزنس الحرب” بالذات. ولذلك فهي ـ وعلى عكس جميع دول العالم ـ اتجهت نحو تدعيم وتضخيم وتطوير أداتها الرئيسية لـ”بيزنس الحرب” وهي الجيش والقوات المسلحة الاميركية. وحولت كل اقتصادها ودبلوماسيتها واعلامها وثقافتها الاجتماعية، في خدمة الجيش والقوات المسلحة والسياسة الحربية. ولتبرير هذا النهج الناشز، ومع أن القيادة الاميركية كانت على وفاق تام مع القيادة الستالينية للاتحاد السوفياتي (وهو ما تكرس في اتفاقية يالطا الامبريالية اللصوصية التي وقعها خائن الشيوعية الاكبر يوسف ستالين مع روزفلت وتشرشل)، فإنها ـ أي القيادة الاميركية ـ أطلقت سنة 1946 شرارة الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي تحت شعار “خطر الشيوعية”.
وتحت هذه الحجة تم في نيسان 1949 التوقيع في واشنطن على اتفاقية تأسيس حلف شمالي الاطلسي (الناتو) الذي وضع اوروبا الغربية تحت المظلة العسكرية الاميركية بحجة الحماية من “الخطر الروسي”.

وبعد انتصار الثورة الصينية العظيمة ووصول الحزب الشيوعي الى الحكم في البر الصيني في ايلول 1949، وتأسيس جمهورية الصين الشعبية، افتعلت اميركا في حزيران 1950 الحرب الكورية التي تجندت فيها قوات 18 دولة غربية وموالية للغرب بقيادة اميركا، وذلك من اجل الوقوف ضد الصين الشعبية، ولتبرير حشد القوات الاميركية في الشرق الاقصى لمنع وقوع تايوان واليابان وكوريا الجنوبية في قبضة الصين الشعبية.

على هذه الخلفية الموضوعية، وبالتظافر مع العامل الذاتي المتمثل في هيمنة الطغمة المالية العليا اليهودية على النظام المالي والاقتصاد الاميركيين، كان من المحتم ان تتحول اميركا من دولة رأسمالية ـ انتاجية، الى دولة مالية ـ خدماتية تستورد وتشتري المنتوجات من جميع ارجاء العالم، وتصدّر وتبيع الدولار الورقي والعسكر، وتجني الارباح الاسطورية من التحكم بنظام الانتاج والاقتصاد العالميين، والمضاربة بالبورصات وتجارة العقارات في “الجنة الاميركية”. أي أن الدولة الاميركية، المعاد انتاجها بعد الحرب العالمية الثانية، وبفعل هيمنتها الدولارية والنفطية والعسكرية والسيطرة اليهودية عليها، تحولت الى دولة طفيلية تعيش عالة على جميع دول العالم وعلى المجتمع الانساني بأسره.

ولكن آلية الهيمنة الاميركية ـ اليهودية على العالم تعرضت لنكستين كبيرتين:

الاولى ـ تصفية زمرة ستالين ـ بيريا في روسيا، التي كانت تعمل بالتنسيق الضمني التام مع الامبريالية ـ اليهودية العالمية، ومن ثم انطلاق نهضة اقتصادية ـ عسكرية كبرى في الاتحاد السوفياتي السابق، خارج نطاق الهيمنة الاميركية.

والثانية ـ النهضة الكبرى للعملاق الصيني، من خلف أسوار “الستار الحديدي” الذي ضربته الكتلة الامبريالية الغربية على “المعسكر الاشتراكي” السابق.

وأدت ردة الفعل العالمية على هذه التطورات الكبرى الى ثلاث نتائج مصيرية، معرقلة لنظام الهيمنة الاميركية ـ اليهودية على العالم وهي:

ـ أ ـ ظهور “سوق مضاد”، خارج الهيمنة الاميركية وضدها، وهو ما كان يسمى “السوق الاشتراكي”، على ثلث مساحة الكوكب الارضي. وهو ما وجه ضربة مزلزلة للسيطرة المطلقة للدولار الاميركي الذي كانت تشترى به قطاعات انتاجية كاملة ودول وبلدان بأسرها. ومنذ حوالى نصف قرن بدأت السلع الصينية الضرورية الرخيصة تحطم جميع الحواجز الدولارية وتقتحم جميع اسواق العالم، بما فيها السوق الاميركي ذاته.

ـ ب ـ الانطلاقة الكبرى لقطاع الطاقة (النفط والغاز والطاقة النووية السلمية) في روسيا، ولا سيما بعد أن أزيحت زمرة يلتسين المرتبطة باليهودية العالمية عن السلطة في اليوم الاخير من سنة 1999، ومن ثم دخول روسيا الجديدة (القومية ـ الارثوذوكسية) بقوة في سوق الطاقة العالمي، ليس في آسيا فقط (خصوصا مع الصين، اكبر مستورد للطاقة في العالم)، بل وفي اوروبا كلها بما فيها بلدان اوروبا الغربية التابعة تقليديا لاميركا.

ـ ج ـ انتصار الثورة الاسلامية الايرانية سنة 1979، وهو ما نقل ايران ـ بنفطها واطلالتها على مضيق هرمز الاستراتيجي ـ من دائرة الهيمنة الاميركية الى محور المقاومة ضد هذه الهيمنة. وفي هذا السياق جاء ايضا انتصار هوغو تشافيز في الانتخابات الرئاسية في فنزويلا سنة 1998، وخروج فنزويلا من بيت الطاعة الاميركي، وهي تملك أكبر احتياطي للنفط في النصف الغربي للكرة الارضية.

ان التحكم المطلق، السابق، في “النظام المالي العالمي” المدولر، و”سوق النفط العالمي”، المدولر هو ايضا، كان يؤمّن لاميركا أرباحا خيالية، تسلطية ـ اعتباطية ـ كيفية، لا تدخل في أبسط مبادئ حساب السوق الرأسمالي ذاته، وذلك على حساب جميع بلدان وشعوب العالم، بما فيها حلفاء اميركا.

وقد نتج عن ذلك ظهور جهاز دولة اميركي ضخم جدا ومترهل. كما ساعد أميركا على بناء أجهزة وجيوش عسكرية ومخابراتية جرارة، كما وعلى انفاق مئات مليارات الدولارات على العملاء و”الحلفاء” الاميركيين في كافة أرجاء العالم، وبالاضافة الى مئات الاقمار الاصطناعية للمهمات التجسسية والعسكرية الاخرى، والى القلاع الطائرة التي تحمل الصواريخ النووية وقوات الانزال الجوي والتي تطير حول الكرة الارضية ليلا ونهارا، والى حاملات الطائرات والغواصات النووية والأساطيل الحربية التي تجوب البحار والمحيطات على مدار الساعة. بالاضافة الى ذلك كله امتلكت اميركا 800 قاعدة عسكرية كبيرة ومتوسطة وصغيرة (عدا القواعد السرية التي لا تظهر في الاحصاءات الرسمية ولا في المعلومات الصحفية) في أكثر من 170 بلدا في كافة ارجاء العالم، يتواجد فيها أكثر من 200 الف جندي وضابط من مختلف الاختصاصات. هذا بالاضافة الى جيش كامل من الجواسيس وعملاء المخابرات. وكل ذلك من اجل الاحتفاظ بالوضع العالمي المهيمن لاميركا، الذي كان يدر عليها الارباح الخيالية.

ولكن بعد ظهور العوامل المعرقلة للهيمنة الاميركية، وهي ما أشرنا اليه آنفا، فإن الارباح الخيالية من الهيمنة الاميركية على النظام المالي وسوق الطاقة، العالميين، بدأت تتضاءل تدريجيا بخط ثابت، متواصل ومتصاعد، الى درجة الاضمحلال.

ولكن الادارة الاميركية التي اعتادت على الانفاق الكثيف على آلتها “الدولوية” الضخمة، والطغمة المالية الاميركية ـ اليهودية التي اعتادت على الارباح الخيالية، لم يكن بامكانهما “التراجع” و”التقشف”.

ولتعويض “الخسائر” في معدل الارباح السابقة، بدأت الادارة الاميركية تخفض أو تلغي اسهاماتها في ميزانيات المنظمات الدولية، كالأمم المتحدة والاونيسكو والاونروا ومنظمة الصحة العالمية، كما بدأت الطغمة المالية الاحتكارية الاميركية ـ اليهودية تنفخ بالون قطاع العقارات الى أن انفجر في أزمة 2008، وبدأت تطبع المزيد من الدولار الورقي (للسوق الداخلي هذه المرة) وترفع سقف الدين العام الذي بلغ مؤخرا رقما فلكيا وصل الى اكثر من عشرين تريليون دولار، أي عشرين الف مليار دولار.. الى أن أصبح من الصعب جدا وشبه المستحيل متابعة سياسة طبع الدولار الاميركي الذي لا تغطية له، لا ذهبية ولا طاقوية ولا انتاجية.

وبنتيجة هذا الوضع المتأزم، اتجهت الادارة الاميركية، ولا سيما في عهد ترامب، نحو تحويل الوجود العسكري والمخابراتي الخارجي من باب “النفقات” الى باب “المداخيل” الاميركية. أي بكلمات اخرى، بعد أن كانت اميركا تنفق على وجودها العسكري والمخابراتي في الخارج، من اجل الاحتفاظ بهيمنتها السابقة على الأسواق المالية والطاقوية، أخذت تطالب حلفاءها ومحمييها ـ وبوقاحة متزايدة ـ بأن يدفعوا ثمن “حمايتها” لهم، على قاعدة تجارة “تصدير الامن”، على مثال “تصدير اليد العاملة”. وفي هذا السياق ضغطت ادارة ترامب على القيادة السعودية لدفع مئات مليارات الدولارات مقابل “الحماية” التي تقدمها اميركا لاستمرار وجود النظام السعودي. وقال ترامب للصحافة انه بدون الحماية الاميركية فإن النظام السعودي سيسقط في مدة أسبوعين.

وبالمثل، أخذت الادارة الاميركية تضغط على حلفائها في الحلف الاطلسي واليابان وكوريا الجنوبية، لكي تزيد ميزانياتها الحربية وتدفع لأميركا ثمن وجود القواعد والقوات الأميركية، لـ”حمايتها” من الخطر الروسي(!).

وعلى هذه الخلفية أخذت تبرز مشكلة كبيرة بين اميركا وحلفائها ناتجة عن الاشكالية التالية: اذا كانت أميركا تريد أن تقبض من حلفائها ثمن وجودها وخدماتها العسكرية والأمنية تحت عنوان “تصدير الامن” لتلك البلدان، فهذا يعني أن قواتها في الخارج تتحول عمليا الى قوات “مرتزقة” تدخل في خدمة تلك البلدان. وفي هذه الحالة فإن المنطق، المنطلق من جميع مبادئ “الاقتصاد الحر” او “اقتصاد السوق” الرأسمالي ـ “الدمقراطي”، ـ هذا المنطق يقتضي ان يكون “المرتزقة” في خدمة وتحت امرة “المستأجرين” أي حلفاء اميركا، وليس تحت امرة “المؤجر” أي الدولة الاميركية.

ان هذه الاشكالية ستكون نقطة تجاذب وتفجّر الازمات بين أميركا وحلفائها في السنوات القادمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب لبناني مستقل
‎2020-‎09-‎22