الوطنية المتعذرة والطور التكنولوجي؟/ملحق3!

عبدالامير الركابي.
لعب صعود الغرب الحديث وثورته الالية البرجوازية المصنعية ونموذجه، دورا فاعلا يكاد يكون ماحقا للبنية الازدواجية الرافدينيه، الامر الذي كان سيتسبب باعظم كارثة في التاريخ البشري، وفي وجود الكائن الحي، مع احتمالية اغلاقه للافق التحولي المقدر في العملية المجتمعية، واخضاعه الوجود البشري والحي لمقتضيات الأحادية، السائره حتما بنية وكينونة الى انعدام الأفق، وغلبة عوامل الفناء، وانتهاء الوجود البشري على كوكب الأرض.
ومثل هذا الحكم او التقدير للمجريات المعاشة اليوم ومنذ اكثر من قرنين، باسم الحداثة والإصلاح والتقدم المادي أساسا، يتعارض بالطبع كليا لابل ويتصادم الى اقصى حد ممكن، مع الايمانية الأحادية بالمنجز الغربي، باعتباره غاية الممكن والمتاح وجوديا، لابل وغاية المامول والمرتجى بالنسبة للبشر وحياتهم واحتمالات وجودهم، مع كل مايقف وراء ذلك التصور من اغاليط تشمل كل المناحي الأساسية، واولها وفي أساسها ذلك المتاتي من غلبة الأحادية المفروضة بنيويا على العقل البشري، وقدرته، ومامتاح له من الطاقة اللازمة لمقاربة حقيقة وجوهر المجتمعيةـ وماتنم عنه بنيويا وتكوينا من افاق وممكنات.
والمفترض الان وبهذه المناسبة، ان نتهيا عقلا ونفسيا على الأقل لتقبل ماهومعروض وما قد يتضمن قلبا تاما لاساس المنظور السائد الشائع والمكرس عن العالم والمجتمعيات كظاهرة، وعن الغرب الحديث باعتباره قمة وارقى اشكال المجتمعية الاحادية، انطلاقا من مبتدأ أساس يقول بان الوجود البشري المجتمعي لم يكن عند بداياته ومفتتح تشكله قد وجد مغلقا على الممكن الارضوي الأحادي لوحده، وان حقيقة الازدواج ( العقل / جسدي)، لم تكن وقتها وعند التاسيس والمنطلق التحولي، قد وجدت واحدة، او هي ذاتها، الا وفقا لما تكرسه وكرسته طويلا الاحادية الطاغية موضوعيا، والموجوده لكي تقطع بإلغاء غيرها وماعداها، فتنفي بداهة كون بنية “الازدواج” الأولى والاساس، تبلورت ابتداء في ارض مابين النهرين، انطلاقا من سومر، باختلاف نوع علاقة العقل بالجسد والارضوية مجتمعيا، بين “عقل محكوم لثقل وحضور الارضوية” وهو العقل الأحادي الخاضع لجملة اعتبارات التمايز والملكية والدولة، وعقل اخر ارضه السماء، ووجهته البحث عن سكن لاارضي.
ونحن اليوم ومع هذا الفصل، بصدد محاولة زحزحة وطاة ماقد تراكم على العقل البشري من اثار ومتبقيات الأحادية المهيمنه على مر مئات السنين، بدعم حضورها المعزز والاقي بقوة القصور والنقص في الأداء العقلي الطبيعي، ومامتوفر لهذا من ممكنات الاحاطة، بما قد رسخ فكرة ” العقل البشري الواحد الوحيد”، وجعل من العقل، هذا العنصر الرئيسي في العملية الوجودية، خاضعا لحكم الازمان السابقة على انبثاقه كما هي باقية وماثلة في الجسدية، وفي المجتمعية الأحادية المناظرة لها، والموجبة المكرسه لاستمرار فعلها.
لابد والحالة هذه من القطع بان المجتمعيه لم توجد بصفتهاحالة بذاتها، او غاية وجودية نهائية، بقدر ما قد وجدت باعتبارهاعامل تحقيق وتصيير لماسواها، ابان لحظة من الوجود الارتقائي العقلي لا الجسدي الذي انتهى اجله، وتوقف مع انبثاق العقل، الامر الذي يضع ظاهرة المجتمعات من يومها، تحت طائلة اليات وفعل قانون خاضع بالدرجة الأولى لتطور ممكنات التصير العقلي بالدرجة الأولى، فما كان للمجتمعية بناء عليه ان توجد وتتطور الا بحصول الثورة الكبرى، لحظة انتقالها من المجتمعية الأحادية السابقة على ظهور مجتمعية الازدواج الرافيدينيه، الى المجتمعية الازدواجية التحولية، حيث يتسنى للعقل من حينه ارتقاء العتبة الأولى البنيوية من عتبات تحوله الانفصالي، مع ظهور المجتمعية اللاارضوية السومرية في قلب الأحادية التي تظل مع التطور الجديد مستمرة وغالبه شكلا، بغض النظر عن اختلافها عن سالفتها واتخاذها اشكالا وصيغا أخرى تفاعليه جديدة، هي الأخرى ذاهبة الى مايحقق انتصار العقل بتكريس تحوله.
هنا لابد من التوقف عند ثقل سطوه مايعرف بعلوم التاريخ والحضارات، واجمالي المتداول من ثقافة النشوء والارتقاء الأحادي الجسدي، واصرارها على وحدانيته، مع كل ماتتركه من ركام الآراء والنظريات والمذاهب البحثية “الانسايوانيه”، بالاخص وبالذات بما يتعلق بالسردية الأحادية المتعلقة بسياقات تبلور الظاهرة المجتمعية، والتركيز على الجانب الظاهري الأحادي المادي من مرتكزات اكتمال بنيتها المفترضة ( التجمع، وإنتاج الغذاء)، مع اسقاط هو بالأساس جهل احادي يقصر دون التوقف اللازم امام اللحظة الرافدينيه باعتبارها ثورة وانعطاف اكبر ضمن مسارات المجتمعية، تتحدد عندها ومعها التوالي والتعاقبيه بين مرحلتي، المجتمعية الأحادية، والمجتمعية التحولية بصيغتها الابتدائية البنيويه، والتي تصبح حقيقة مجتمعية مع الازدواج المجتمعي، وتبلور مجتمعية العتبة الأولى من تحرر العقل من وطاة الارضوية ابتداء.
ينظر العقل الأحادي الى البدايات التاسيسية للانفصال العقلي مجتمعيا عن الارضوية الجسدية، بما هو قادر عليه ومهيأ لادراكه، فيفعل نفس مايفعله مع بنية الكائن “الانسايوان” منذ انبثاق العقل في الجسد الحيواني، بادماجه في الجسد، والحكم عليه بالوحدة الكيانية، وحيث يكون عاجزا عن الإحاطة بالحدث الانقلابي الأساسي التحولي الحاصل، وكذا مع تبلور المجتمعية الازدواجية الرافدينيه، وبسبب طبيعته الاحادوية، فانه يذهب كما متوقع منه الى ادماج ظاهرة الانفصال العقلي الابتدائي، به وببنيته الأحادية، مطلقا عليه تعبيرا عموميا وتسمية تخرجه من النطاق المجتمعي المختلف نوعا، بالحاقه بخانة مايطلق عليه “الدين”، مستغلا بذلك كون هذا الأخير لم يكن وقتها هو الاخر، قد صار من جهته في وضع يؤهله لان يميز ذاته، ويفصح عن كينونته وحقيقة نسبته لعالمه الذي يظل محكوما عليه بالخضوع لوطاة المنظور الاخر الأحادي، مع اختلاف ظروف ودرجه الهيمنه، قياسا بما كانت عليه ابان زمن ماقبل تبلور المجتمعية التحوليه الازدواجية.
من المستحيل ان ترى الأحادية في البدايات الأولى،” من تمظهرات “الدين” المعروفة ب “البدائية”، قبل النبوية التوحيدية الابراهيميه، قمة التعبيرية المجتمعية اللاارضوية، بدايات دالة ومؤشرة الى نمو وتبلور أسباب الزمن الاخر من المجتمعية، ابتداء داخل عالم ومرحلة الغلبة الأحادية المطلقة، بما هي ضرورة مستقبلية أساس يفرضها من جهة واقع الازدواج ( عقل/جسد)، ومسارات الازدواج المقابل المجتمعي، ازدواجا واحادية، باعتبار مانتحدث عنه قانون كينونه وحقيقة وجود ومآل، يعود ويتجلى لاحقا مع اكتمال الرؤية اللاارضوية النبوية الابراهيميه القمة، بالانتشار داخل المجتمعات الأحادية بغالبيتها، بصفتها امبراطورية الاعتقاد، حيث يتوحد العالم خارج المجتمعية، بقوة حضور الازدواج (العقل /جسدي) وفعاليته الشاملة المتعدية للاحادية، مايخلق واقعا اقرب الى التعادل الحضوري للازدواج في قلب الأحادية برغم غلبتها المفهومية الادراكية الظاهرة، وهو ماينبغي اعتباره اهم تطور يطرا على التصيّر المجتمعي البشري، لاحق على وناجم عن ظهور المجتمع التحولي الازدواجي في ارض مابين النهرين.
من اهم تجليات المجتمعية اللاارضوية ماتنطوي عليه من طاقة تحقق فائقة واعجازية ـ بنظر الأحادية، مقارنة بتلك الارضوية الأحادية، وهو مايتجلى صارخا في قدرة حالة التحرر وان النسبي الأولي من وطاة الارضوية، على بناء “الدولة من دون ارض”، وبصفتها “وعدا خارج ارضه”، كما تبلورت كافق وتصور بداية في المنفى الداخلي، حيث ارض الإمبراطورية الاشورية عدوة بابل، وعاصمتها اللاحقة، الأكثر عدائية برغم غربتها التكوينيه التاريخية عن اللاجيء اليها، فضلا عن خاصيتها الأحادية الصرفة المعروفة، المميزة لها بالشراسه القاسية طبيعة ومنهجا، الامر الذي حتم وقتها الانعطاف نحو ساحل الشام ومصر. الموضع الأكثر مناسبة لبلورة وبناء “مملكة الله على الأرض”، في غمرة تاريخ تشكل دولة اللاارضوية خارج ارضها، والموجودة بالاصل كمجال تكاملي، تتوحد عنده الفعالية التاريخية لمنطقة احتشاد الأنماط المجتمعية الثلاثة، ارض الازدواج الرافدينيه، وارض أحادية الدولة النيلية، وارض الجزيرة العربيه حيث نمط اللادولة الأحادية الاحترابي.
لم يكن عالم ومجتمع اللاارضوية ودولته النبوية الابتدائية ليتوفر ابان طوره الأول النبوي الالهامي، الى مايتعدى المهمة الأساس البنائية، مع صعوبة بلورتها الاستثنائية وسط اشتراطات اللا عليّه، او ماقبل السببيه والايضاح “العقلاني” الذي تدعية الأحادية، وتفرضه ك”علم” و “عقلانيه” مبتسره، ماهي الا “علموية وعقلانيه أحادية”،عاجزه هي الاخرى من جهتها برغم ادعائيتها العقلانية، لان ترتقي لمستوى ادراك حقيقة ومصدر واليات تشكل الدولة اللاارضوية، فتعمد الى نفيها قصورا.
ـ يتبع ـ
‎2020-‎09-‎20