ثورة العشرين بين رسالتين!
كاظم الموسوي.
مرّ قرن كامل على ثورة العشرين في العراق. التي اندلعت في الثلاثين من شهر حزيران/ يونيو 1920، هكذا أطلق عليها وهكذا تسمت وتم لها الإنجاز والتعبير عن مشاعر السكان، الشعب الذي ابتلى بتحكم الأجانب في أمور إدارة البلاد. فما أن انتهى زمن الأمبراطورية العثمانية حتى تمددت بعدها بواخر ومدافع الأمبراطورية البريطانية، لغزو العراق من الجنوب، من البصرة وامتدت إلى بغداد ومن ثم الموصل.
وأصبح العراق تحت الإحتلال البريطاني، وكعادة المحتل المستعمر في إدارة البلدان التي يحتلها القيام بفرض اجراءات هيمنة على السكان، وسيطرة واذلال، فضلا عن اعتبار البلاد عمليا تحت نفوذه الاستعماري، العسكري والسياسي، بمعنى اغلاق النوافذ عليها، وحرمانها من التقدم والتطور، وتعميم التخلف والفقر والمرض في سكانها. وحين دخلت القوات البريطانية بغداد في آذار 1917 اعلن قائد القوات المحتلة في بيانه/ رسالته التي اشتهرت باسمه، الجنرال مود، (فردريك ستانلي مود ( Frederick Stanley Maude) (1864م – 1917م) “اننا أتيناكم محررين لا فاتحين!. ونقل عنه إنه لم يكن راضيا عن البيان، وان الذي صاغه في لندن مارك سايكس، الذي عرف بمعاهدة التقسيم المشؤوم للمنطقة العربية، معاهدة سايكس – بيكو، وأرسل له لقراءته. وربما احس بتضليله وخداعه، فالاوضاع التي أوصلته إلى بغداد لا تتطابق مع الكلمات المعسولة، وربما اراد الصمت بديلا عن هذا الخداع الاستعماري، ولكنه اكره عليه.
جاء في “بيان مود ” مخاطباً سكان بغداد، بعد الكذبة الاولى، “… ولكن انتم، يا اهل بغداد، الذين يجب ان تكون مصالحهم التجارية، وسلامتهم من الظلم والسيطرة، محل اكبر اهتمام من جانب الحكومة البريطانية. يجب الا تظنوا ان الحكومة البريطانية تريد ان تفرض عليكم انظمة غريبة. ان الحكومة البريطانية تأمل ان تتحقق مرة اخرى، أماني فلاسفتكم وكتّابكم. ان اهل بغداد ستزدهر امورهم، وسيتمتعون بثرواتهم وممتلكاتهم، في ظل انظمة تتفق وشرائعهم وامانيهم القومية”.
وواضح من النص النفاق السياسي واستخدام ما يتصوره المستعمرون من ألفاظ تؤثر في كسب القلوب والعقول وتعمل على غسل الأدمغة المطلوب منهم لأي بلد يبتلي بهم. فكيف تتحقق أماني الفلاسفة والعلماء والكتاب والقوات العسكرية تكتم الأنفاس، وقد وصلت بغداد بعد أن حوصرت في الكوت وقدمت ضحايا كثر من اعدادها ومعداتها؟!. وكيف تزدهر التجارة والصناعة والزراعة والقوانين الاستعمارية مرتبطة بالمركز وبسياسات المركز وعلاقاته السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية والاجتماعية؟. أن الرسالة بمضمونها العام تقديم واضح لتمرير الاحتلال وتسهيل الهيمنة الاستعمارية وتدبير شؤون المحتل مع السكان واقناعهم بكل ما تقوم به القوات والسياسات البريطانية، وتبين ذلك من اغراءات الحكم وشراء الذمم ومن التفريق بين الشعب تحت سياسة فرق تسد، وابرز نموذج لذلك الرد العسكري على كل انتفاضة أو حراك شعبي، واستخدام كل أنواع الأسلحة الثقيلة وحتى الطيران في القصف والتدمير. وكل مرة تضع السلطات البريطانية شبحا لمحاربته وهدفا للانتقام من الشعب والوطن.
هذا الواقع فرض على رجال العراق الأحرار من مختلف الفئات الاجتماعية، وخاصة المرجعيات الدينية، الى الاجتماع والمناداة الى مقاومة الاحتلال وانهاء الاستعمار المباشر والدعوة لحكم وطني مستقل، فكثرت الاجتماعات واللقاءات متأثرة بما حصل من ثورات تحررية وانتصارات ثورية في العالم، ولاسيما ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا، وكشفها الوثائق الاستعمارية والمخططات الغربية ودفع الثوار لأخذ العبرة والدروس منها والانطلاق وطنيا والتحضير والاستعداد للمواجهة ورفض سياسات الاستعمار والاحتلال. كما لعبت الأحزاب السياسية، التي أخذت بالتأسيس، والشخصيات الوطنية في بغداد والمدن الأخرى دورها المشهود. وبعد تمكن المستعمر من السيطرة العسكرية وإعلان العمل على انتخابات واتفاقيات وغيرها وقفت قيادات حركة التحرر موقفا حازما وادارت الصراع معه.
فعقدت اجتماعات عامة في بغداد وكربلاء واصدرت بيانات تطالب بالاستقلال والحرية والعدالة للعراق. منها البيان المشترك الذي رد على تصريح الوزير البريطاني حينها ونستون تشرشل، حسب ما أورده الشيخ محمد مهدي البصير في كتابه: تاريخ القضية العراقية، ط2 ص 237 : “لقد أثبت العراقيون رغبتهم الأكيدة في الإستقلال التام ورفضهم اي انتداب كان رفضا باتا”، ووقعه كل من: محمد الخالصي، وأحمد الداوود، ومحمد الصدر، وحمدي الباجه جي، ومحمد المهدي البصير. كما كانت الرسائل والبرقيات الموقعة من رؤساء العشائر وشيوخها ترسل إلى الخالصي والصدر تأييدا ودعما لبلاغهم المنشور. واعتبارها مواثيق وطنية، نقل البصير واحدا منها (ص238)، ورد فيه ما يلي: “أن الميثاق العربي العراقي الذي وقعنا عليه بصفتنا سادات وزعماء أصالة عن أنفسنا ووكالة عن أفراد قبائلنا وتابعينا هو البرنامج السياسي المشتمل على المواد الآتية التي اقسمنا على رعايتها واتخاذها غاية لجهودنا الدينية والوطنية وعاهدنا الله على أن نعمل بمقتضاها وان لا نعدل عن أية جزئية من جزئياتها:
المادة الأولى: تأليف حكومة نيابية ديمقراطية مسؤولة أمام الأمة العراقية مستقلة استقلالا تاما لا شائبة فيه من أي تدخل أجنبي.
المادة الثانية: تأييد سياسة الملك فيصل الاول على أساس استقلال العراق السياسي التام بحدوده الطبيعية.
المادة الثالثة: رفض الانتداب وكل معاهدة تمس كرامة الأمة العراقية واستقلالها التام فعلى هذه المواد الثلاث المنتظمة حقوق العراق الطبيعية قرن رغباتنا الصميمية والله حسبنا ونعم الوكيل”.
في كتابه، نصف قرن من تاريخ وطن، كتب سالم عبيد النعمان، (ص 134): “لقد كان الخالصي هذا المفكر الوطني والانساني البعيد النظر قد سطر أفكاره في برقيته المرسلة الى لينين، زعيم ثورة أكتوبر الاشتراكية والتي نشرتها جريدة New Times السوفيتية ونصها التالي: “أن الشرق الذي ايقظتم ينظر لحظة ترجمة أفكاركم الصائبة حول تحالف الأمم الشرقية وحق كل فرد وكل أمة كبيرة كانت أم صغيرة، مثقفة أو متخلفة، بالحياة والاستقلال الى واقع حي”.
تختصر البرقية وعي القيادات الوطنية والدينية وادراكها المسؤولية الملقاة عليها في التخلص من الاستعمار والتحرر منه وأتباعه، ولعل الشيخ الخالصي في موقعه ودوره عبّر عنها بشكل واضح وتقدير كامل للمهمات والمسؤوليات التي تتطلبها الأوضاع والقدرات. وهو رجل الدين والمرجع القائد يخاطب لينين زعيم الثورة الاشتراكية التي عمل المستعمر بكل جهد ووسيلة على إبعاد اي تأثير لها في العراق وخارجه، أو اي تواصل مع قيادتها.
ونشرت مقتطفات من رسالة لينين، رئيس الأممية الشيوعية، الجوابية، إلى قادة ثورة العشرين، وكانت المراسلات عن طريق القنصل الروسي في طهران. جاء فيها: قرأت رسالتكم باهتمام عميق، أن قصة استعباد بلاد الرافدين المأساوية تكشف في غاية الوضوح السياسة المرائية الغادرة التي تنتهجها الحكومة الإنكليزية، ولكن في اي مكان تصرفت الإمبريالية البريطانية خلافا لذلك؟، في الهند ام مصر أم جنوب افريقيا. أن سياستها واحدة في كل مكان: الأكاذيب والغدر والوحشية والقسوة.. أن تحرير بلاد الرافدين لا يمكن بلوغه بمعونة ودعم دولة إمبريالية أو عن طريق عصبة الأمم. بل بالنضال المنظم للجماهير الواسعة في العراق ضد المحتلين. ان إقناع الجماهير بأن وضعها المادي سيكون ايسر وافضل بطرد الانكليز، وشجب كل الخونة في بلاد الرافدين. ان الأممية الشيوعية التي توجه ملايين العمال والفلاحين الثوريين في انجلترا وفرنسا وألمانيا وروسيا، الخ، تؤكد لكم تعاطفها ودعمها لنضالكم من أجل الحرية.. ايها الاصدقاء الشرفاء، أن كنتم تعتقدون أن من المفيد المجيء إلى موسكو فاني أتطلع إلى لقائكم،. تقبلوا فائق تحياتي القلبية. بتوقيع: فلاديمير لينين ، رئيس الأممية الشيوعية.
ولمقارنة الرسالتين رغم اختلاف توقيتهما، الا أنهما عبرا عن مشروعين وبرنامجين لبلدين كبيرين، وعن سياسات وممارسات البلدين، المستعمر والمتحرر، بين الذي يفرض نفوذا واحترابا والذي كشف المعاهدات وفضح الاتفاقيات السرية، والخطط التي اريد بهما، ليس الاستعمار والاحتلال وحسب وانما تقسيم المنطقة وتمزيق نسيجها وزرع الكيان الإسرائيلي فيها والهيمنة على ثرواتها التي اكتشفت والتي وعدت باستثمارها والصراع عليها، ومنعها من النهوض الحضاري والثقافي والسياسي وتركها تابعة متخلفة وتحت النفوذ الإمبريالي.
‎2020-‎09-‎17