اين الخلل في قراءة بطاطو؟
هل وقع قرّاء بطاطو في خطأ حينما ظنوا أنه انصف تاريخ العراق المعاصر؟
الخطأ يأتي من خلل في القراءة تحت هيمنة الاعجاب او هالة التقديس التي يصنعها التسويق عادة، ويصنعها أيضاً الرأي الشعبي.. وفي حالة بطاطو الامر شديد الوضوح فهو المصنّف أنه باحث حيادي. فضلاً عن غياب النقد الموضوعي والتاريخي للكتاب منذ صدروه حتى اليوم، بسبب من اهمال المتابعة التاريخية لتأريخنا إلا لماماً، خصوصا إهمال ذوي الاختصاص.
يتحدث “حنا بطاطو” في كتابه الشهير (العراق) في اكثر من مكان، عن “ثورة العشرين”، عندما يمر ذكرها، لكنه يذكره من عفو خاطر ربما ودونما اهتمام بالحقيقة التاريخية التي سببتها والتي دفعت بها إلى الأمام، وهو في النتيجة لا يأخذ المتغيرات المحلية والعالمية وانهيار الامبراطوريات القدييمة بالاعتبار ونية الوعي الثقافي للمجتمع العراقي ولا يذكر اي رؤية وطنية صاحبت ثورة العشرين والتي كانت واضحة ومبثوثة في الكتب. ولو اخذنا بالاعتبار ان البعثيين وفروا له كم ضخم من المعلومات حين فتحوا له سجلات التحقيقات الجنائية في الامن وفي دوائر القضاء، وهو ما لم يتوفر لأي مؤرخ او كاتب غير بطاطو حتى ساعتنا هذه. لكنه بالتأكيد والحال هذه كتب دونما دقة علمية تأريخية في هذا الموضوع المهم عن حركة التحرر الوطني العراقية. فنجده يكرر ما أشيع عنها؛ “إنها كانت ثورة عشائر وسادة” كم يذكر دون ان يراجع هذا الراي بالاستناد الى الوقائع.
في الحقيقة انه في هذا الاستنتاج “العفوي ربما” ونحن نظن انه ليس عفوياً، إنما يصب ماء ناعوره في الفذلكة الاستعمارية والصهيونية التي حاولت وتحاول دائماً ان تشكك بالعراق بوصفه وطناً.. وهذه واحدة من مئات من المآخذ على كتاب بطاطو (العراق..).
السؤال هنا موجه لكتاب بطاطو “العراق”: هل كانت ثورة العشرين ثورة شيوخ عشائر وسادة؟
لنقرأ التاريخ بعيداً عن بطاطو، ومن اعلام ومصادر الثورة حقاً..
كان لثوارثورة العشرين جريدتان هما (الفرات ) و (الاستقلال) اللتان صدرتا في النجف بعد انطلاق الثورة بأكثر من شهر، واللتان بدتا كما لو أنهما كانا إعلاناً عن موقف وعن تشخيص القوى والناس الذين كانوا يعملون في تنظيم وعي الثورة وتنظيم قرارها الوطني والاقتصادي، وتأكيداً على مطالب التحرر. والجريدتان أيضاً تكشفان عن أهم اسباب انطلاق الثورة. وهو ما تجنب ذكره بطاطو.
فقد تناولت الجريدتان مواضيع اقتصادية ومعيشية تتعلق بتحويل الزراعة نحو؛ الانتاج الزراعي من اجل التصدير لا من أجل سد الحاجات المحلية. ونددتا بالسياسة الضريبية التي استنها المحتلون عام 1920 وارهقت ابناء الشعب قاطبة التي نتج عنها خفض الاجور وارتفاع معدلات الغلاء والتضييق على الظروف المعيشية لسكان المدن والريف، وقد أنارت الجريدتان الوعي حينما تناولتا حجم الاستغلال البشع ونددتا بالقوانين، رغم قصر حكم المحتلين آنذاك. وهو ما يثببت ان الاستعمار في كل مكان هو فرصة الرأسمال العالمي للاستثمار في البلدان المستعمّرة وتخريب اقتصادياته ومنعها من التطور بالاتجاه الصحيح.
اضف الى ذلك تنديد الصحيفتين بالتعتيم الاعلامي وخنق الحرية الصحفية والفكرية وامور حياتية اخرى.
لكن من الواضح أنّ السبب الاقتصادي كان هو السبب الأول في انبثاق الثورة، وأحتل تردي الوضع الاقتصادي المركز من اهتمام الثوار.
وسيجد من رغب في الوقوع على الحقيقة؛ أصدق صورة لهموم ومشاكل الثورة ومطالب الثوار ما جاء في العدد الأول من جريدة (الفرات) الذي صدر في 7 آب 1920، جريدة الثائرين الصادرة في النجف التي حررها الثوار آنذاك.
فقد كتبت الفرات كاشفة عن الاستغلال وما يتعرض له الناس بسبب القوانين الاستعمارية الاقتصادية. موجهة خطابها الغاضب الى وكيل الحاكم العام البريطاني “ارنولد ويلسون” قائلة باسلوب فصيح وواضح:-
(“لقد هدمتم هذا الركن (ركن الأمن المعيشي) بمقالع السياسة.. فتراب كل منطقة يشهد بأنكم سلبتم الحب من منقار الطائر، واستخرجتم المخ من العظم، وضاعفتم الخراب اضعافاً للزراع فأصبحوا يسألون الناس الحافاً وانتم تسألونهم فوق الجهد، وتكلفون نفوسهم فوق الوسع، أهذا عدلكم؟”).
هذا الصورة النقدية للنظام الاستعماري تكشف بوضوح طبيعة ثورة العشرين وأسباب الصراع. وهي ليست كما يصفها بطاطو بشكل عابر، ومن دون ان يسميها او يذكر تاريخها بانها:
“نزاعات وتدفقات للمشاعر المضطربة… وحوادث التفاني والتضحية… التي لا تمحى على حساسية الكثير من العراقيين” ج2- ص40-41
فلو قارنا ما كتبه بطاطو مع الحقيقة الصارخة لمطالب ثورة العشرين، فهل ترانا نرضى أن يأتي غداً من يكتب عن انتفاضة الشباب في تشررين 2019 انها كانت بسبب رغبة المراهقين للاستمتاع بالتحدي وانها فورة ما لبثت حتى انطفت لآنها مجرد عواطف وماعر مضطربة نتيجة عنفوان الشباب؟ ان من يقول هذا انما يستغل عقول الشعب ويسخر من حقائق التاريخ. أو ليس الاسباب المنطقية التي افرزتها الحياة الاجتماعية التي عمل فيها المحتلون واذنابهم تخريباً في اقتصاد البلد فعطّلوا امكانته ومنعوه من النهوض واوقفوا عجلة التقدم الى امام؟ أليس هذا التخريب المنظم الذي جعل العراق مجرد سوق لأسوأ البضائع؟ أليس التخريب الاقتصادي هذا ضربة قاصمة لحياة الناس وظؤوف معيشتهم بحيث اصبحت البطالة رقما رهيباً ووباء يصيب حياة الشباب بمقتل؟ الشباب الذين رأوا في مجابهة الحكومة واسماع صوتهم، صوت المظلومين، هي الطريقة وحيدة لتصحيح اوضاعهم واوضاع العراق وتحريره.ننسى التضحيات الجسام التي قدمها الشباب المنتفض في سبيل ذلك
وهكذا فعل بطاطو ومع حقائق اجتماعية وسياسية أخرى.. ومن يقرأ سيجد أن بطاطو حاول ان يستغفل القارئ عبر ااهمال الحقائق ومجافات العلم. فهو أيضاً يطرح اموركثيرة لا حصر لها، سيكون لنا فيها موقف ورأي صارم ونقد انثروبولوجي/ تاريخي بهذا الشأن. وسنتناول ما كتبه بطاطو في الكتاب الثاني الذي تناول تايخ الحزب الشيوعي العراقي ونشأته التي يُظهر فيه الحزب الشيوعي كما لو أنها جاء من تأثير ثقافي وتأثر بآخرين وحسب، وليس نتيجة الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي كان يعاني فيها الناس من حكومة عميلة تعمل في خدمة المستعمر دونما تردد.. اي انه انكر الحقائق التأريخية باصرار وتجنّي على الواقع الاقتصادي والسياسي الذي انبثقت من بين تراكماته الحركة الشيوعية العراقية التي كان منشأها عام 1934 تحت عنوان (لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار) والعنوان بحد ذاته يعطي بلا ادنى شك المعنى الحقيقي لنشوء حركة اشتراكية ومن ثم شيوعية رافضة للاستغلال عبر مفهوم “الاستثمار” الذي يؤكد رفض الاستغلال الطبقي، ومفهوم “الاستعمار” الرافض للاحتلال الاستعماري وهو خلاصة رائعة وكبيرة لكي يكون اسم الحزب معبراً عن حاجة الشعب.
وهناك امور اخرى..
حزب اليسار الشيوعي العراقي.
‎2020-‎09-‎17