أيلوليات!

معن بشور*

1- أيلول وأيلول

هل كانت صدفة أن يختار ترامب ومعه نتنياهو الخامس عشر من ايلول/ سبتمبر ٢٠٢٠ يوما لتوقيع اتفاق التطبيع بين الكيان الصهيوني وحاكم أبو ظبي وحكومة البحرين وهو اليوم الذي شهد قبل ٣٨ عاماً احتلال بيروت، ثاني عاصمة عربية بعد القدس، ويوم ارتكاب واحدة من أكبر وابشع المجازر الصهيونية في مخيمي صبرا وشاتيلا… وكأنما يريدان القول إنّ الحكام العرب لا يفتقدون الذاكرة فقط بل الكرامة أيضاً…

لكن ترامب ونتنياهو وحكام التطبيع نسوا أو تناسوا أن هذه الأيام الأيلولية/ السبتمبرية قد شهدت عام ١٩٨٢ انطلاق واحدة من أعظم مقاومات العصر التي حرّرت الأرض في لبنان دون قيد أو شرط… ورسمت معادلة ردع مع عدو اعتاد أن يستبيح لبنان من أقصى جنوبه حتى العاصمة دون رادع… فبات عاجزاً عن التوغل منذ سنوات شبراً واحداً في أرض لبنان..

بل ان ترامب ونتنياهو نسيا أو تناسيا أنّ في ٢٨ أيلول ذاته عام ٢٠٠٠ قد انطلقت على ارض فلسطين ومن الحرم القدسي بالذات واحدة من أروع انتفاضات شعب فلسطين وهي مرشحة أن تتجدد اليوم في مقاومة شعبية موحدة هي وحدها القادرة على دحر الاحتلال وإسقاط صفقة القرن وكلّ مخرجاتها التصفوية والتطبيعية…

واذا كان البيت الابيض شهد أمس توقيعات بحبر الخزي والعار، فإنّ أرض فلسطين المقدسة ومعها شرفاء الأمة واحرار العالم سيشهدون أيضاً انتفاضة ترسم بالعزيمة والتصميم ملامح مرحلة جديدة شعارها «نعم للتحرير.. لا للتطبيع» وعنوانها «نعم للمقاومة.. لا للاستسلام».

2- احتلال بيروت… حدث وعبر

لست أدري لماذا كلما حلّت ببيروت كارثة من انفجار أو حريق أو اشتباك داخلي أو محاولة إشعال فتنة تقفز بي الذاكرة إلى صباح ذلك اليوم في الخامس عشر من أيلول 1982، حين بدأت القوات الصهيونية بالتوغل في شوارع العاصمة اللبنانية، بعد خروج قوات المقاومة الفلسطينية والجيش العربي السوري والمتطوّعين العرب في ظل اتفاق فيليب حبيب المشؤوم الذي تعهّد بعدم دخول قوات تل أبيب مدينة بيروت، وبعدم اقتحام مخيّماتها.. ليتبيّن أنّ ذلك الاتفاق لم يكن سوى خديعة أميركية – أوروبية – إسرائيلية بشعة كلفتنا آلاف الشهداء..

كان الصهاينة يريدون في ذلك اليوم احتلال بيروت، فتحوّل ذلك اليوم على يد أبناء بيروت وروابطها ومرابطيها وأحزابها وقواها إلى إذلال للجيش الذي لا يُقهر، فباتت قواته تستغيث وهي منسحبة من العاصمة «يا أهل بيروت.. اننا منسحبون فلا تطلقوا النار علينا»..

ظنّ الصهاينة يومها أنّ بيروت قد تعبت بعد حصار استمرّ ثلاثة أشهر، وبعد خروج القوات المقاتلة منها، أنها باتت لقمة سائغة بيدها، فإذا بها تتفاجأ بمقاومة تلهب شوارع بيروت وأزقتها وتخبرها أن الشعوب لا تتعب، بل أن همّتها تتجدّد بالمقاومة مهما أحيط بها من كوارث…

لم يكن تحرير بيروت بالمقاومة مجرد حدث تاريخي هام في حياة الصراع، فقد كان كإسقاط اتفاق 17 أيار عام 1983، وكاستعادة بناء الدولة والجيش عام 1990، وكنشوب حروب 1993 و 1996، وكتحرير الجنوب والبقاع الغربي عام 2006، تعبيراً عن أنّ للشعب اللبناني إرادة قادرة على تغيير معادلات كبيرة…

لهذه الانتصارات كلها، التي حققتها العاصمة بوحدتها ومقاومتها، والمقاومة بعاصمتها الحرة، أشعر أنه مع كلّ كارثة تشهدها بيروت، أياً كان مصدرها، إن وراء هذه الكوارث حقداً دفيناً على مدينة لم تعرف سوى الحب والسلام والانفتاح، وعلى مقاومة، تعددت راياتها، وتكاثر شهداؤها، سيذكرها التاريخ كواحدة من أعظم مقاومات العصر جنباً إلى جنب مع ربيبتها المقاومة الفلسطينية وإرادة الحرية والكرامة في أمّة يحاولون كسرها تارة بالحروب، وطوراً باتفاقات خيانية اختاروا لها يوم احتلال بيروت ومجازر صبرا وشاتيلا يوماً لإعلانها..

انتصار بيروت على الاحتلال والاتفاقيات المذلة والأوضاع الملحقة بها لم يكن مجرد حدث، بل هو أيضاً درس وعبرة لكلّ من يعتبر أنه يستطيع أن يستخدم تعب الناس وجوههم وجوعهم وفساد النظام وجوره ممراً لتنفيذ مخططاته. وهم كثر هذه الأيام.
3- 13 أيلول 1993
حين حاولوا استباحة المقاومة
قلة من اللبنانيين تتذكر انه فيما كان يجري التوقيع على اتفاقية أوسلو المشؤومة في حدائق البيت الأبيض، بحضور ممثلين للأنظمة العربية كافة، كان يجري في كواليس السلطة اللبنانية يومذاك توقيع من نوع آخر على تلك الاتفاقية، وهو توقيع معمّد بدم الشهداء الذين سقطوا «برصاص لبناني» تحت جسر المطار. كلّ ذنبهم أنهم أرادوا التعبير عن رفضهم لاتفاق أوسلو ومخاطره ليس على مستقبل فلسطين فحسب، بل على مستقبل الامة جمعاء ولبنان في المقدمة…

كان في السلطة اللبنانية آنذاك من يحاول أن يقدّم من خلال هذه الجريمة أوراق اعتماد للإدارة الاميركية، مدركاً ان الضغوط الدولية على سورية تسمح له بالتفلت من «حسابات» تراعي فيها دمشق وثوابتها ومواقفها، وكان هناك في السلطة من يعتقد انها فرصة لإجبار حزب الله إما على التراجع عن قرار التظاهر، ولو لبضعة أمتار، من ساحة الغبيري الى مدافن الشهداء، او الى مواجهة داخلية مع الجيش والقوى الأمنية تؤدي الى استنزافه في حرب داخلية كانت قيادة الحزب تعتبرها منذ نشأته خطاً أحمر لا يمكن الانزلاق اليه…

يومها انكشف المخطط، غادر قائد الجيش يومها العماد اميل لحود، معترضاً، مقر القيادة في اليرزه، فيما أخذ وزير الداخلية يومها بشارة مرهج قراراً بالاعتراض المدوي على قرار منع التظاهر وعلّق مشاركته في الحكومة الى حين فتح التحقيق لمحاسبة مرتكبي المجزرة، وهو قرار كلفه الإبعاد عن وزارة الداخلية، في ما بعد، حسب اعتراف الرئيس الراحل الياس الهراوي في مذكراته. أما حزب الله فعضّ على جرحه، كما في مرات سابقة، ومرات لاحقة، متوجها الى الجنوب ساحة المواجهة الرئيسية للمقاومة ضدّ الاحتلال…

لم يكن انكفاء حزب الله يومها ضعفاً بل ازداد قوة وأصبح رقماً لا يُستهان به ليس في المعادلة اللبنانية فحسب، بل في المعادلة العربية والإقليمية الأوسع أيضاً… وأصبح العماد لحود بعد سنوات رئيساً للبلاد، فيما بقي مرهج واحداً من أبرز الرموز الوطنية داخل لبنان وعلى المستوى القومي لينتخب ثانية نائباً عن بيروت فوزيراً للتنمية الادارية…

لعلّ استعادة مثل هذه المحطات التاريخية بأحداثها ودروسها ضروري اليوم في لبنان، حيث يسعى البعض الى ان تكون أيام توقيع اتفاقات التطبيع مع العدو في واشنطن، أياماً لتوقيع من نوع آخر في لبنان مستغلاً تعب الناس وجوعها ورفضهم لنظام منخور بالفساد والجشع والاحتكار والعصبيات الطائفية والمذهبية، غير مدرك ان الشعوب لا تتعب، وأن الوطنيين اللبنانيين يعرفون ان مقاومة الفساد هي الوجه الآخر لمقاومة الاحتلال، وان منظومة الفساد وإثارة العصبيات المذهبية والطائفية هي جزء لا يتجزأ من المشروع الصهيو – استعماري مهما حاول أصحاب هذا المشروع «تلوينه وتزويقه» و «خداعنا» به…
_ المنسّق العام لتجمّع اللجان والروابط الشعبية
‎2020-‎09-‎17