الذكرى المجيدة لإعلان جمول!

سلام موسى جعفر.

أساس انتصار المقاومة اللبنانية في أيار عام 2000 شُيد في 16 أيلول من العام 1982!

المقال نشرته في العام الماضي. وبسبب انتشار ظاهرة استمراء الدونية لدي الحكام وداعميهم من النخب منزوعة الضمير والشرف، أعيد نشره بهدف شحن الذاكرة بإمكانية الانتصار على العدو الجبنان. بإمكان القارئ الصبور أن يكتشف هذه الامكانية لو اطلع على التفاصيل التي أوردتها في متن المقال.

جمول…. صبرا وشاتيلا واعدام بشير الجميل!
الجيش الذي لا يقهر يتوسل ويستجدي وقف إطلاق النار!

لابد صديقاتي وأصدقائي انكم لاحظتم، ان الاعلام العربي الرسمي واعلام الأحزاب وكتاب عديدون ومناضلون ومحاربون سابقون نقلوا خدماتهم الى الجبهة المقابلة، لقاء رواتب ومغريات، يصابون بالخرس أو بداء النسيان مصحوباً بالنفور والعصبية، في كل مرة نُذكرهم بانتصارات شعوبنا وهزائم وجرائم أعدائنا. ولكن عندما يدور الحديث عن احدى هزائمنا، تعود إليهم الذاكرة بسرعة عجيبة، وكأن شيئا لم يحدث، نشطة، قوية، مصحوبة بهلوسة القواد الدوني وهو يستمتع بلذة زنى الزبون بأمه! فيقيمون حفلات جلد الذات، يحاولون فيها ضم آخرين إليهم عبر تسويق دونيتهم على اعتبارها واقعية سياسية، تأخذ في حساباتها موازين القوى على الأرض. أما الالتزام بقيم الشرف والكرامة والحرية، فلن تَجلبُ، بنظرهم، غير استمرار الحروب وما يصاحبها من ويلات ومآسي على الشعوب. وكأن الحياة التي تعيشها شعوبنا اليوم في ظل الأنظمة السياسية التي ابتعدت عن ويلات الحروب، ما هي الا قطعة من الجنة، استعاروها من السماء للبرهنة على منافع الاستسلام. على أية حال صديقاتي وأصدقائي، هل رأيتم في حياتكم جبانا يعترف بجبنه؟ وهل سمعتم عن قواد اعترف يوما ما بمهنته؟ هذه مقدمة لابد منها لتوضيح نوع الرد الذي سأواجه به المعلقين المحتملين من القوادين وسائر الدونيين!

“يا رجال ونساء لبنان من كل الطوائف والاتجاهات … إلى السلاح… الى السلاح تنظيماً للمقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال وتحريراً لأرض الوطن من رجسه على امتداد هذه الأرض من أقصى الوطن إلى أقصاه!”

مع هذا النداء أعلن جوري حاوي ومحسن إبراهيم عن قيام جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية “جمول” التي ضمت الى جانب الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي كلا من الحزب القومي السوري الاجتماعي، الحزب التقدمي الاشتراكي، التنظيم الناصري وحزب العمل الاشتراكي، كما انظمت فيما بعد حركة امل ونخب وطنيه لبنانيه اخرى عديدة.

توارد الاخبار الأولية عن المجزرة المستمرة في صبرا وشاتيلا على أيدي قوات الاحتلال الصهيوني وعملاءه من القوات اللبنانية وبقية تشكيلات الخونة، كانت من العوامل التي أثرت حتما في نقاشات الربع الساعة الأخيرة قبل اتخاذ القرار النهائي بإعلان المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الصهيوني.

جاء انطلاق جمول في ظرف دولي غير مؤات، اتسم باشتداد عدوانية الولايات المتحدة الامريكية مع وصول ريغان الى البيت الابيض، وإعلان مساندته الصريحة للاحتلال الصهيوني للبنان، وظهور معالم الترهل في سياسة الاتحاد السوفيتي الخارجية. اما البلدان العربية فكانت تعاني من الضعف والانقسام على الصعيد الرسمي، ومن استمرار حالة التراجع والانكفاء في صفوف حركات التحرر الوطني مقابل تقدم مطرد للحقبة السعودية.

الظرف الداخلي عكس حالة من اليأس وانعدام الأمل والشعور بالمرارة في صفوف جماهير القوى الوطنية اليسارية والتقدمية بعد سنوات من حرب أهلية مدمرة، لم يزل لبنان يعيشها. عمق من حالة اليأس تلك حسب وصف الشهيد جورج حاوي، صمت عربي شبه مطلق على الصعيد الرسمي وتنديد خجول لم يصل الى مستوى الحدث من قبل الأحزاب والقوى والفعاليات الشعبية التقدمية العربية والتي لم تبادر الى تنظم ولو حتى مظاهرة تنديد واحدة بالعدوان الصهيوني، في حين خرجت التظاهرات المنددة بما اعتبر وقتها مؤامرة بعد خروج المنتخب الجزائري من مسابقات كأس العالم لكرة القدم التي جرت في العام نفسه.
وللتأريخ ان المظاهرات المنددة بالعدوان والحصار جاءت من داخل فلسطين المحتلة، وهي المظاهرات التي قام بها فلسطينيو 48. كما شهدت تونس قيام مظاهرات شعبية منددة بالعدوان الصهيوني على لبنان.

كما أثر سلبا على معنويات المواطن اللبناني التجاهل الدولي للعدوان الصهيوني ولحصاره البحري والبري والجوي لمدينة بيروت المقاومة والذي زج فيه بجيوش أكبر من تلك الجيوش التي حارب فيها مصر وسوريا معاً. ذلك الحصار المصحوب بقصف وحشي وتدميري على بيروت الغربية دام لأكثر من مئة يوم. عانى فيها السكان من الجوع وانعدام شبه تام للخدمات من ماء وكهرباء وتعطلت فيها المدارس التي تعرضت للدمار هي الاخرى. قتل خلال الحصار والقصف الآلاف من المدنيين وعانى خلاله عشرات الألاف من الجرحى والمرضى من نقص حاد في الخدمات الطبية التي تقدمها المستشفيات بسبب تعرضها هي الأخرى للتدمير الممنهج والمتواصل.

من ما لا شك فيه أن خروج وحدات المقاومة الفلسطينية من بيروت الغربية قد أثر سلباً على معنويات المواطن اللبناني، لان هذه القوات كانت المدافع الوحيد عن بيروت الغربية من اقتحام جيش العدو المحتمل للمدينة. وللتذكير فأن التحصينات التي أقامها الفلسطينيون قبل انسحابهم هي التي منعت الجيش الصهيوني حتى من مجرد التفكير باقتحام المدينة تخوفا من الخسائر المحتملة في صفوفه، وهي خسائر حتما ستكون باهظة جدا، لأن المعارك العسكرية التي ستدور عقب الاقتحام هي معارك مواجهة مباشرة ،عمل جيش العدو على عدم التورط فيها في كل حروبه السابقة. خروج المقاومة الفلسطينية جرى حسب الاتفاقية التي فاوض عليها المبعوث الأمريكي فيليب حبيب والتي نصت على أن يقوم جيش العدو الصهيوني، مقابل خروج القوات الفلسطينية من بيروت، بإيقاف فوري للقصف وفك الحصار عنها وانسحاب وحداته من مشارفها. وما أن غادر آخر أبطال المقاومة الفلسطينية بيروت حتى نقضت الدولة الصهيونية تلك الاتفاقية وقامت قواتها باجتياحها، لتكشف بذلك عن طبيعتها العدوانية الغادرة وعدم التزامها بأي اتفاق أو تفاهم غير مدعوم بقوة ردع.

بالضد من حالة اليأس المنتشرة بفعل العوامل المذكورة، شاعت حالة رفض شعبي عفوي للتعامل مع العدو الصهيوني في المناطق التي تعرضت لاحتلال قواته. هذا الرفض كان يحدث لأسباب أخلاقية ودينية ووطنية. أما في بيروت فاتخذ الرفض الشعبي طابع الغضب المقدس من توارد الانباء تباعا عن المجازر الوحشية في صبرا وشاتيلا. وهي المجازر التي ذبح فيها الالاف من سكان المخيمين، والغالبية العظمى منهم عوائل مؤلفة من نساء وأطفال وكبار السن، حيث شقت فيها بطون الحوامل، وذبح فيها الجنين. وللتذكير ان المذبحة وقعت بعد يومين فقط من نفوق العميل بشير الجميل مع ستين من أتباعه بتفجير ضخم، سلمت الايادي التي خططت له وسلمت الايادي التي نفذته.
الرفض الشعبي للتعامل مع قوات الاحتلال هو الذي شكل قاعدة لنجاح حركة المقاومة المسلحة وتحولها الى حركة شعبية عارمة، تجاوزت حالة التشرذم الطائفي والحزبي، حيث شاركت فيها أكثرية شعبية من النساء الى جانب الرجال، سواء في المعارك العسكرية بما فيها العمليات الفدائية الاستشهادية، أو في الجهد اللوجستي والاستخباري والإعلامي وكل ما تتطلبه الحرب الشعبية لتحقيق النجاح. يكفينا الفخر أن جيش العدو الصهيوني قد اضطر الى الفرار من بيروت بعد أسبوعين فقط على اعلان قيام “جمول”! أكرر: بعد أسبوعين!!

هذا عن بيروت، أما بقية المناطق المحتلة فقد انسحب العدو، ذليلا، من سبعين في المئة منها بعد خمسة سنوات من عمليات المقاومة التي نفذها بطلات وأبطال “جمول”، والتجأ الى تحصين نفسه في الشريط الحدودي فيما تبقى من سنوات احتلاله بمساعدة الخونة في جيش لحد. على الرغم من انتقال السلاح من كتف “جمول” الى كتف مقاومين جدد. ودون التوقف عند تفاصيل واهمال أخرى، وهي مهمة أهلها وليس غيرهم، فأن المقاومة حافظت على طبيعتها الوطنية المكملة للانطلاقة والتي أرغمت العدو في نهاية المطاف على الهرب من ورطته في لبنان مهزوماً مكسوراً وذليلاً بفعل ضربات أبطال المقاومة المتلاحقة. وهو الانسحاب التي أطلقت عليه الصحافة الصهيونية “الفرار المخزي” مما أسمته “المستنقع اللبناني” أو “الورطة”، ذلك الانسحاب الذي تحول الى مادة للسخرية والتندر في الاعلام الصهيوني نفسه. أساس هزيمة اسرائيل المذلة في 25 من أيار سنة 2000 شيد في السادس عشر من أيلول 1982, عند الاعلان عن قيام “جمول” فخر لبنان وفخر العرب وفخر كل الشرفاء في العالم.

كنت قد أوردت في متن المقال معلومة مثيرة عن فرار القوات الصهيونية من بيروت بعد صدور نداء جمول الى الشعب بحمل السلاح بعد أسبوعين فقط! وهو أمر يدعو للسخرية من هذا الجيش الذي دأب اعلام العدو وقادته ومعهم الجبناء من عرب أمريكا، يسارها ويمينها، على وصفه بالجيش الذي لا يقهر. فبعد صدور نداء المقاومة بحمل السلاح توالت ضربات المقاومين الفردية والمنظمة على آليات جيش العدو وافراده. وهو الامر الذي أربك العدو بشدة وجعل قادته يشعرون بالتورط باحتلالهم بيروت. فقرروا الانسحاب منها على عجل وبدون مفاوضات أو شروط. فلأجل تأمين هذا الانسحاب، ويا لسخرية الجيش الذي لا يقهر، أخذوا بالتوسل الى سكان بيروت، بل الاصح استجدوا منهم وقفا لإطلاق النار وهم ينادونهم عبر مكبرات الصوت التي وضعوها على المدرعات وسائر الآليات العسكرية:

“يا أبناء بيروت! لا تطلقوا النار علينا! فنحن منسحبون!”

وعن هذا الانسحاب كتب روبرت فيسك مراسل التايمز “لعل الاسرائيليين غادروا القطاع الاسلامي من مدينة بيروت في الوقت المناسب، فمع حلول يوم السبت كانت بيروت الغربية تشتعل بالعمليات ضدهم، عملية كل خمس ساعات، وكأن الجنود الاسرائيليون قد بدأوا يتورطون في حرب عصابات لا نهاية لها”.

برهنت انطلاقة جمول وانتصاراتها المبهرة على أن العامل الداخلي لأي بلد هو الذي يلعب الدور الحاسم في نجاح المقاومة الوطنية. وان هزيمة العدو ممكنة حتى بالإمكانيات الذاتية. كما برهنت على ان النضال السياسي بما فيه الكفاح المسلح ليس عملا إرادوياً، يقرره هذا القائد أو ذاك، وانما هو تجسيد لإرادة شعبية وفهم عميق لنبض الشارع.

المجد لأول شهيد من جمول مهدي مكاوي! الخلود للشهيدات الفدائيات: سناء المحيدلي، وفاء نور الدين، ابتسام حرب، مريم خير الدين، نورما أبي حسان، يسار مروة، فرج الله حنين، يسرا فياض إسماعيل، انعام سليم حمزة، لولا الياس عبود و…. الخلود للشهداء: مالك وهبي، خالد أزرق، هشام عباس، علي غازي طالب، جمال ساطي، عبد الله عبد القادر، مناع قطايا ريمات، عصام عبد الساتر، علي طلبة حسن، حسن الفقيه، أحمد القصير، قاسم الحجيري و…
تحية لزهرة الجنوب سهى بشارة التي أطلقت النار من المسدس الشخصي للشهيد جورج حاوي على العميل لحد واسقطته مثخنا بجراحه في عقر داره.
تحية الى صوت المقاومة وضمير الشعب اللبناني الفنانة جوليا بطرس التي ألهبت بأغانيها الوطنية حماس الشعب من مختلف الاعمار وكان لها دورا لا يثمن في دفع الشابات والشباب للالتحاق بالمقاومة الوطنية المسلحة ضد الاحتلال الصهيوني. وهو الدور الذي جعل العدو الصهيوني يضمر لها حقداً دفيناً، تجلى في محاولاته المستمرة بالاعتراض على إذاعة اغانيها أو السماح بإقامة حفلات في أراضي الدول العربية التي وقعت معه معاهدات استسلام وكذلك في ممالك وامارات الخليج.
ذكر جميع أسماء الشهداء والاحياء الذين مرغوا أنف جيش العدو وجعلوا منه اضحوكة ومسخرة امام شعبه وامام العالم هي عملية لابد أن يصاحبها السهو والتقصير، بالإضافة الى وجود العشرات بل المئات من الابطال المجهولين. وكلما حاولت ان أجد سطورا تليق بالمناسبة الجليلة، فان اللغة لا تسعفني لتمجيد الأبطال، عشاق الوطن، عشاق الحرية الذين لاحقوا العدو أينما تحصن والى حيث هرب، الذين قدموا الدماء بلا تردد من اجل تحرير الأرض والعرض. لكم جميعا، شهداء وأحياء تنحني قاماتنا.
صدقوني أن التأريخ لا يبجل إلا الأبطال المقاومين، فيذكرهم ولو بعد حين. أما القتلة والجبناء والخونة من الدونيين فاقدي الاحساس بقيم الحرية والكرامة والشرف، فأن التاريخ عودنا على كنسهم الى مزبلته، غير مأسوف عليهم!

Bilden kan innehålla: en eller flera personer

Ingen fotobeskrivning tillgänglig.

Bilden kan innehålla: 1 person, står och utomhus

Bilden kan innehålla: en eller flera personer, personer som står och utomhus

2020-09-16