نبي الله نوري السعيد!!

تحسين المنذري.
لم تهدأ صفحات الانترنيت يوما عن تذكّر نوري باشا السعيد مابين مادحا أو قادحا، إلا إنه ومنذ فترة ليست بالقليلة صارت الصفحات تمتلئ بذكر محاسن للرجل ما أنزل الله بها من سلطان ، قصص وحكايات تنافس ما كانت تقصه علينا جداتنا عن ( السعلوة والطنطل) ، فالباشا نصر موظفا صغيرا وخلال أشهر قليلة تم ترفيعه من رزام الى رئيس ملاحظين وثم مديرا لناحية!! وهو من وقف الى جانب تاجر عراقي بوجه تجار الهند مهددا بقطع العلاقات الدبلوماسية مالم يستحصل التاجر العراقي حقه !! وهو من يمازح البقال والسياسي المختلف ويعفو عمن يسيئ له بطيب خاطر وغير ذلك الكثير من الحكايات التي لا تستند الى اي مصدر موثوق ولا يتم تسمية الشخوص أبطال تلك الروايات مع الباشا نوري !! بل إن البعض يذهب الى إيراد مدائح السياسيين البريطانيين على إنه الدبلوماسي الحاذق والمدافع بشراسة عن مصالح بلده ، وأيضا دون إيراد أي مصدر لهذه الحكايات سواءا كتب تاريخية أو وثائق أو أي شيئ يثبت مزاعم المداحين . والحقيقة هي أن كل تلك الروايات لا تستهدف مديح الباشا بقدر ما هي تريد النيل من ثورة تموز 1958 التي أسقطت حكم الباشا ورهطه ، والانتقاص من أبطالها وسياسييها بل وحتى روافعها الاجتماعية التي إستفادت من سقوط حكم الملاك والاقطاعيين .
ترأس الباشا نوري الوزارات العراقية أربعة عشر مرة خلال مدة الحكم الملكي عدا فترات توليه مناصب وزارات الخارجية والدفاع ، أي إنه كان اللاعب الرئيسي في الشأن السياسي العراقي بلا منافس ، بل إن مشيئته كانت تفرض نفسها حتى على الارادة الملكية ، بمعنى إن كل ما حصل في الوضع العراقي أيام حكم الملكية كانت للباشا اليد الطولى به إن لم يكن هو المخطط والمنفِّذ الاوحد ، في زمنه الغابر لم يكن العراق إلا مجموعة خرائب تسومها أعداد قليلة جدا من أصحاب القصور لتنفيذ رغباتها والتحكم بمصيرها ومصير البلد ، فكان الاقطاعي وبحكم قوانين حقبة الملكية بإمكانه أن يقتل الفلاح لاي سبب يرتأيه هو حتى ولو من باب التسلية دون أن يسأله قانون أو قاضٍ عن فعلته تلك، في تلك الحقبة كانت تحيط بغداد العاصمة صرائف الشاكرية ومستنقعات خلف السدة بكل أمراضها وحشراتها، ويوم كان الباشا المنقذ الاول للنظام الملكي من أزماته لم يحتمل جنابه وجود (11) معارضا في برلمان منتخب فقام بحل البرلمان بمجرد ما إستلم دفة الحكومة ، والتي لم يتسلمها الا لهذا الغرض وهو تصفية أي صوت للمعارضة، ولابد من أن نتذكر إنه كان يصرح علنا بأنهم هم من يصنعون النواب في البرلمان وهم من يرفضون، ويتحدث أنصاره اليوم عن ديمقراطية الباشا وسعة صدره الحنون !! وهو من أوجد نهج غلق الصحف في محاولة لإسكات وقمع الاصوات الرافضة لنهج الحكم ، وفي زمنه تم إنشاء سجن (نكَرة السلمان ) السيئ الصيت ، وإمتلأت السجون بالمعارضين السياسيين وأنشأ أماكنا لنفي السياسي حتى بعد إطلاق سراحه مثل منافي بدرة وجصان ومنطقة بلد وبعض الاماكن في الفلوجة وتكريت وغيرها ، في زمن الباشا هذا كان العراق البلد الوحيد في المنطقة الذي يعدم سياسيين فقط لمجرد إختلاف في الرأي ومعارضة لنهج الحكم، في حقبة الباشا هذا كان ( بهجت العطية) المجرم الشهير بحق المواطنين المعارضين العراقيين لا يتصرف إلا بمشيئة سيده نوري السعيد ، فكانت الاسس التي وضعها الحكم آنذاك هي التي بنى عليها مجرمو شباط 1963 ممن أجهزوا على ثورة تموز ومكتسابتها، نهجهم القمعي الدموي في محاربة الافكار التقدمية ـ الديمقراطية وفي تصفية منجزات الثورة العملاقة . في زمن الباشا تم رهن كل الاراضي العراقية لمصلحة شركات النفط الاحتكارية الاجنبية ، بحيث لا يستطيع أحد إنشاء مصنع أو إستغلال أرضا إلا بعد الحصول على ضوء أخضر من تلك الشركات ، وأيضا فالباشا هو مهندس حلف بغداد الذي ربط مصير العراق وكبّله عسكريا وسياسيا بجعله تابعا لمصالح الدول الغربية الرأسمالية . ولأجل تعداد كل مساوئ حقبة الباشا وأدواره القذرة التخريبية في تاريخ العراق الحديث لا تكفي صفحات التواصل الاجتماعي ، فما صدر من مؤلفات عن تلك الحقبة كفيل بفضح تلك السياسات وشخوصها بعمالتهم وقذاراتهم وخيانتهم للوطن ، لكني كتبت على عجل نصرة للحقيقة في مواجهة بعض من محاولات التشويه وتبييض الصفحات السوداء لرموز تلك الفترة من تاريخ العراق الحديث .
نوري باشا السعيد لم يكن سوى خائن عميل ذليل للاجنبي على حساب مصالح العراق وشعبه وليس نبيا أيها السادة.

Bilden kan innehålla: 1 person, sitter

2020-09-15