الوطنية المتعذرة وتتفيه العراق؟/ ملحق1!


عبدالاميرالركابي.
المجتمعية التي نعيشها اليوم، هي المحطة الأخيرة الضرورية قبل انفكاك العقل عن الجسد. حين تعتمد قاعدة كهذه في النظر الى الظاهرة المجتمعية وحقيقتها، ومضمرها الوجودي، يصير من المنطقي، تبني مبدأ وقانون الزوال كهدف، الموافق للتدميرية المودعة في الظاهرة المجتمعية، الامر الذي تجسده حالة ونموذج تاريخ مابين النهرين، بالاخص من حيث تميزه بالخضوع لقانون الدورات الصعودية الانقطاعية، ومتوالية (القاع/ القمه الأعلى) بتظافر ادق اشكال البناء الاروائي واكثره حساسية واتقانا، لحد استدعاء اعلى مايمكن من اشكال التكنولوجيا الممكنة ابان الزمن اليدوي، مايفرضه نوع المكان والمحيط البيئي المجافي المدمر، والمفاجيء المضاد للجهد البشري، زائد رخاوة الأرض الغرينيه، وتدفقات النهرين واضطرابهما، وتغييرهما المطرد للمسارات، مايستدعي شبكة عالية الاتقان والاحكام،من النواظم والسدود وشبكات الارواء، يرتفع معها الممكن الهندسي ذرى فوق ارضوية متحركة لاثابته، تعطي المبنى المجتمعي بعدا لاارضويا / ماديا، يصل به ارتقاء لمصاف الارضوية الخياليه، بينما يحكمه باشتراطات المجازفة به، بصفته جزءا من كل ضمن بنية اللاارضوية، اللاثباتيه، والموجودة لابصفتها غاية بذاتها، او بما هي تركز نهائي لاسباب الوجود.
ومع قانون التشكل من أسفل، وديناميات تشكل الدولة ببنيتها الإمبراطورية عبرحقب تبلورها: النزول من الأعلى أولا نحو مجتمعية لا ارضوية متعذر تجسدها احاديا، والاصطدام بواقع استحالة بسط السلطة على المجتمعية السفلى القائمة على قاعدة “حرية المنتجية او الفناء”، يوم يبدا زمن البحث لايجاد أسباب التوافقية بدل الاكراه مع تراجع وتيرة شن عمليات الغزو الداخلي لاجل حلب الريع الزراعي، وعندها يبدا تحول القوة النازلة من اعلى من قانون الغلبة، الى قانون الازدواج والانتقاص، حتى انها تبدا يمصادرة الهة وشرائع وسلوك الأرض السفلى، فسرجون الاكدي اول حاكم للعالم او “زوايا الدنيا الأربع كما صرح هو” وضع اول اصلاح زراعي في التاريخ، كما وضع نوعا من فصل الدين عن الدولة، بالحد من تدخل رجال الدين في شؤون الحكم( قام أبناء سومر المنفيين الى ساحل الشام ومصريتوليف قصة سرجون الاكدي واسبغوها على نبيهم موسى الموجود او الذي لم يوجد أصلا/ لافرق/، فسرجون هو الذي القت به امه في النهر، والتقط ليصبح فيما بعد ملكا، وهكذا هي حال الاستعادة التوراتية في المنفى لعالم ودولة اللاارضوية المنفية بكل مكوناتها الأساس ) وصولا الى الذروة، عدا عن اور ومزامير داوود، ومنطلق إبراهيم، وصولا الى حامورابي و شريعته، التي هي الرابعة بعد شريعه كاوراجينا الأولى، حيث وردت للمرة الأولى في التاريخ البشري كلمة ( حرية/ امارجي)، وكل “حقوق الانسان” المعروفة اليوم، وحقوق المضطهدين والمعوزين.(1)
تقوم الدولة العليا خارج ارض السواد، وتكون معسكرة أساس من داخلها، وداخل مدن محصنه اعلى وامتن اشكال التحصين كما بابل، وبغداد، ولا تتخذ هذه صفة “العاصمه”، بل المدينه الدولة الحاكمه المكتفية بذاتها، خارج موضعها، باعتبارها اطارا اعلى، فبغداد (2)لم تكن تحكم العراق الأسفل، الذي اختص بحكمه وفقا لكينونته، القرامطة والشيعة والاسماعيليون وشتى التيارات والحركات المساواتية التالهية، بينما ظلت بغداد حاكما كونيا اعلى، تمارس لاجل الإبقاء على سلطتها الشكليه اضطرارا، نوعا من الغزو الداخلي كما حصل ابات ثورة الزنج والقرامطة ابان فترة التازم وبداية الانهيار. فلا من وجود هنا للاحادية، والوحدة المجتمعية الكيانيه هي “وحدة الثنائية والازدواج”، والنزوع الامبراطوري الذي تنتجه أساسا، الاستحالة والرغبة في التاقلم مع المجتمع الأسفل بعد الاقتناع باستحالة اخضاعة، او الإصرار على ذلك، والمجازفة بالبناء المجتمعي الحضاري كله. مايضطر دولة المدينه الإمبراطورية المعزوله، والتي تظل تمارس حلب الريع بالغزو والعودة داخل الاسوار والقلاع ان امكنها وبالأخص في بداياتها، الى التفكير بالانكفاء المعاكس خارج الحدود الى حيث المصدر الذي جرى الهبوط منه، لتامين الريع اللازم(3)، ماقد اوجد ولاول مرة في التاريخ، ظاهرة “الإمبراطورية الازدواجية” الرافدينيه، المختلفة كليا عن الامبراطوريات الأحادية بنية وتكوينا واليات، يوم ظهر سرجون الاكدي ليحتل عيلام الى الشرق، وساحل الشام والاناضول، وصولا الى ليبيا.
لاوجود في تاريخ العراق وبنيته وكينونته، لما يعرف ب “الدولة” التي تبسط سلطتها على بلادها، مثلما هي الحالة التي عرفت ابتداء في وادي النيل، المعاكسه بنية وتكوينا واليات لماهي عليه حالة الازدواج، والطرد الأرضي، والعيش على حافة الفناء الرافدينيه، المبايتة شروطا على طول الخط لما هو عليه الحال في ارض النيل، المتوافقة اشتراطات المنتجية فيها تماما مع رغبة المنتجين، ومايترتب عليه من احادية دولة، هي التعبير الاعلى هناك، والذي يحتوي ماسواه مجتمعيا .
وهنا أيضا استحق العراق وارض الرافدين تخصيصا نمطيا ونوعا، فظاهرة الدولة الرافدينيه هي الظاهر الازدواجية الإمبراطورية المباينه، المقابله نوعا لكل اشكال النظم والدول، لا افتراضا ولا اختيارا اراديا، بل كينونه بنيوية، و “نموذجا” مفردا على مستوى المعمورة، عمد الحداثيون ومن هم وراءهم وفي خلفيتهم، الى نفيه والسعي لاكراهه على تلبس والانتقال الى نمط ونوع تنظيم كياني احادي مناقض له كليا، الامر الذي وجد له تبريرا في مفهوم “التقدم وتطور التاريخ”، والمراحل، التي هي بالأحرى وعلى عكس الظاهربداية التحاق الأحادية الطبقية الانشطارية الاوربية وانتقالها باتجاه التحولية بالاندراج تحت طائلة قانونها.
لايشبه نوع الدولة الإمبراطورية من اعلى “المركز الامبراطوري المدينه”، ونموذجه بابل وبغداد، أي من اشكال الامبراطوريات الأحادية، فالازدواج المتشكل من عالمي اللادولة او المجتمعية اللاارضوية، والدولة المتغلبة، حصيلته بعد تمازجه وتفاعلاته، “دولة منتقصة” من اعلى” و”استبدال من اسفل” مادامت حالة التحقق غيرممكنة بعد، كما الحال ابان الدورتين الأولى والثانيه، السومرية البابلية الابراهيمه، والعباسية القرمطية الانتظارية، فالمبتنى الداخلي الامبراطوري الرافديني، قام أصلا وحفزته واوجبته محركات لها علاقة باستحالة اتباع قانون التغلب والعصبية بنيويا، عدا توقف القانون التمايزي العام الذي ينهض وراء ظهور الدولة والسلطات المتعارف عليها عن العمل هنا، ماينتج نوعا من الكيانية الإمبراطورية، لها خاصياتها غير المنطوية على أسباب الاكراهية الأحادية، مع هشاشة إزاء أساليب الامبراطوريات الأحادية وصلادتها البنيوية، واتجاه شبه طوعي تكويني الى التراجع والانكماش في حال تحول علاقة امبراطورية الازدواج بممالكها الى الصدام، أصلا لضعف المرتكز الداخلي، لهذا كانت حالات بدء ضيق المدى الامبراطوري الرافديني مع صعود النزعات المضادة، وتبلورات وانبعاثات الذاتيه بين الأمم الاخرى، هي نفسها بدايات وعلائم اختلال العلاقة والتوازن الداخلي، ومنطلق شيوع الفوضى وانهيار قاعدة البناء الحضاري الامبراطوري شديدة الدقة والاحكام والحساسية مجتمعيا وماديا بنائيا، بما يأخذ شكل العودة على بدء قام في اصله على التعذر.
ليس المبنى الامبراطوري الازدواجي وكيانيته من نوع حالات “المقاطعات” او ” الفيدراليات”، انها “وحدة شرطها الازدواج وازدواج شرطه الوحدة”، وهي نمط بذاته، كما انها وبالاساس، وقبل كل شيء حصيلة ونتاج نوعين مختلفين من المجتمعية والدولة، واشكال التنظيم والكينونه المجتمعه، “لا ارضي” و ” ارضوي”، تنتج حالة “استبدال” لمايتعذر تجسده ارضويا في الاسفل، و “انتقاص” لمالايمكن تحققه احاديا في الاعلى.
ـ يتبع ـ
ملحق 2

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) “كان الملك يلعب في الاحتفالات الدينيه اللاحقة دورا مهما حيث يدور في ارجاء المعبد ويلقي كافة شارات حكمه امام الاله. ثم يقدم تقريرا عن اعماله في السنة المنصرمه، ويعترف بذنوبه، وعليه ان يعلن براءته عن وقوع بعض الاحداث التعيسه والمصائب، وبعد ذلك يتلقى صفعة على وجهه من رئيس الكهنة مع جر الاذنين منبها إياه بتادية كل الواجبات الدينيه على اكمل وجه، وبعد ذلك يسمح له بحمل شاراته الملكية”/ رحله الى بابل القديمه/ د .ايفلين كلينكل ـ براندت/ ترجمة الدكتور زهدي الداودي/ دار الجليل/ ص 156/ ويمكن تحدي العالم باجمعه، وكل التاريخ البشري لان يأتي بما يقارب او يضاهي هذا الشكل من اشكال حضور الملوك واباطرة التاريخ وعسفهم المطلق، هذا ويجدر تذكر ان حامورابي يبدا شريعته بما يلي ” انا حامورابي العبد الفقير الى الله
اظهر على الناس السود الرؤوس
لاقتص للفقير من الغني” وماتزال مقدمه الشريعه تضاهي الى اليوم مقدمه أي دستوى اوربي بما فيه الدستور السويسري. والامر بديهي لان الحديث جار عن مجتمعيتين ونمطين لامقارنة بينهما.
(2) الذين يتصورون او يعاملون بغداد مابعد 1258 على انها بغداد الدورة الإمبراطورية الثانية المستمره باسسها ودلالاتها، او مايعرف ب”العاصمة”، يخضعونها لحكم الأحادية ومنطوياتها، واضعين أياها خارج الحيوية والدينامية التناوبية العراقية صعودا وانقطاعا، فلا يعودون بهذا عراقيين بحسب الإيقاع المميز لتاريخ المكان الذين هم منه.
(3) ينطبق هذا القانون على الدورة الأولى الذاتيه النشاة والتحقق، بالاخص مع : اكد وبابل. بينما يصبح في الدورة الثانيه حالة انفصال من اسفل، وهرب لجأ اليه العباسيون بتركهم الكوفة، هربا من انتفاضاتها المتكرره، وبحثهم عن بديل وجدوه بداية في الرمادي، ثم في الهاشميه التي عرفوا عندها انتفاضة الراوندية، فقرروا وقتها “الاستقلال” عن المجتمع الأسفل كليا، بالعزم على بناء بغداد.
(4) في ارض الرافدين تتوقف نظرية “ابن خلدون” عن العمل الا من حيث الهامش الضروري، في حين يصير الفاعل الرئيسي من نمط آخر، وسياقات مختلفة كليا، العصبية والتغلب فيها تفصيلان غيرحاسمين ولا مقررين بذاتهما.
‎2020-‎09-‎15