مصر والموجة الثالثة !!

بقلم / ياسر رافع.

فى سابقة تاريخية تحدث لأول مرة فى التاريخ الإنسانى ومع إصدار أمر بعنوان ” الرجاء كتابة إفتتاحية قصيرة من نحو 500 كلمة ، إجعل اللغة المستخدمة بسيطة وموجزة ، إجعل تركيزك على بيان عدم وجود سبب لخشية البشر من أنظمة الذكاء الإصطناعى ” ، تمت كتابة أول مقال صحفى بواسطة روبوت يتمتع بالذكاء الإصطناعى ( GPT-3) ،فيما يعد إختراقا جديدا وفتحا لآفاق جديدة للمستقبل خصوصا وأن المقال جاء متناسقا وواضح الفكرة ، ولكن مبرمج الروبوت أراد أن يصيغ علاقة بين الذكاء الإصطناعى والإنسان تبدد الشكوك والخوف من التكنولوجيا الجديدة ، لهذا أصر المبرمج على أن يكون المقال يحمل إفتتاحية تقول ” أنا لست إنسانا ، أنا نظام ذكاء إصطناعى يعتقد كثير من الناس أننى تهديد للإنسانية . حذر ” ستيفن هوكينج ” من أن أنظمة الذكاء الإصطناعى يمكن أن يكتب نهاية للجنس البشرى ، وانا هنا لأقنعك بأنه لا داعى للقلق ، لن يدمر الذكاء الإصطناعى البشر ، صدقنى “
على الرغم من أن الروبوت ” المثقف ” حاول أن يبدد الشكوك حول خطورة تكنولوجيا الذكاء الإصطناعى على حياة البشر ، وعلى الرغم من خوف بعض العلماء الكبار من الإستخدام الواسع لتلك التكنولوجيا مستقبلا ، إلا أن السياسيين كان لهم رأى آخر فقد إعتبروا كما قال الرئيس الروسى ” بوتين ” أن ” الذكاء الإصطناعى هو المستقبل ليس فقط لروسيا بل للبشرية جمعاء ” ، ” ومن يصبح القائد فى هذا المجال سيصبح حاكم العالم أجمع “
وهكذا اصبحنا نعيش مرحلة اليقين والشك والخوف من المستقبل الذى تتحكم فية التكنولوجيا !!
…………………………………………………………………….
منذ عشرون عاما تحديدا قام وزير الدفاع المصرى المشير الراحل ” محمد عبد الحليم أبو غزالة ” بترجمة كتاب ” الحرب ضد الحرب .. البقاء فى فجر القرن الواحد والعشرون ” رآه مهما لكل من العسكريين والمدنيين المصريون والعرب الذين يريدون المستقبل فى سياق مقدمه بديعة قال المشير فيها نصا ” لأننا إذا كنا نريد أن نواكب الموجة الثالثة فعلينا أن نعمل بكل ما أوتينا من قوة ، أولا للتحرر من سيطرة الغرب على مقدراتنا بأسلوب سلمى وحضارى وأن نشرح لهذا العالم رسالتنا وحضارتنا الإسلامية “
الكتاب من تأليف ” ألفين توفلر” ، وهو كاتب شهير من أكثر المؤلفين الذين يخاطبون المستقبل ، والكتاب على الرغم من أنه على طول مساحتة يخيل لك أنه يخاطب العسكريين فقط ، يشرح ويفند الأساليب الحديثة والمستقبلية للحروب ، ونوعية الأسلحة المتقدمة على الأرض وفى الجو والبحر والفضاء إلا أن الكتاب يطرح أطروحة فلسفية جديرة بالنقاش ليس لوجاهتها بل لأنها بدأت تطرح نفسها بقوة وبدأت آثارها تظهر على أرض الواقع .
ما هى الموجة الثالثه التى يطرحها الكتاب كحل للحروب والسلام ؟!
……………………………………………………….
الكاتب ” ألفين توفلر ” ينطلق فى تشخيصة وتعريفة لمصطلح ” الموجة الثالثة ” الذى صكه وجعله حاكما للمستقبل ، من أن العالم مر فى مراحل تطورة بثلاث موجات . الأولى عرفت ” بالموجة الزراعية ” والتى شكل فيها الإقتصاد الزراعى المجتمع ووضع أساليبه للحرب والسلام ، والثانية عرفت ” بالموجة الصناعية ” والتى شكل فيها التطور الصناعى المجتمع منفصلا عن المجتمع الزراعى واضعا أساليبا أكثر شراسة للحرب والسلام ، حتى جاءت الموجة الثالثه ” التكنولوجية ” والتى يتسارع العالم كله للدخول فيها .
إن كلا من الموجة الزراعية والموجة الصناعية شكلتا العالم إقتصاديا وعسكريا وإجتماعيا وأوجدت ثقافات لم تستطع أيا منهما أن تمحى الأخرى ، حتى جاءت الموجة التكنولوجية التى تعتمد على خفة الحركة وسرعة التكنولوجيا متحصنة خلف المعرفة وإحتكارها ، ترفض كلتا الموجتين الزراعية والصناعية وتشق طريقها للمستقبل القائم على الذكاء الإصطناعى وعلى أيدى من يملكون الذكاء والقدرة المعرفية فقط مستغنية عن الإيدى العاملة المنحنية فى الحقول الزراعية وأصحاب الياقات الزرقاء فى المصانع لتؤسس لنفسها إقتصادا مختلفا محمى بتكنولوجيا عسكرية ومدنية قادرة على ردع المتنافسين
وهكذا شرح الكاتب ومهد لنظرية فلسفية جديدة ستبزغ فى عالم سماة ” عالم ثلاثى الأقسام ” ، قسم فيها العالم لثلاثة أقسام لدول لا زالت تعتمد على العمالة الزراعية وأخرى تعتمد على الإنتاج الصناعى الكبير القائم على الكثافة العمالية ، وأخرى بدأت تعتمد على التكنولوجيا التى تحقق الإنتاج الوفير وعمالة أقل وأكثر ذكاءا ، هذا لم يتوقف على الدول فقط بل داخل المجتمعات ذاتها حيث إنقسم المجتمع إلى زراعى وصناعى وتكنولوجى كلا منهم يحمل ثقافات ورؤى مختلفة بين المنتمين له وهو ما سيوجد صراعات مستقبليه يرى الكاتب أن الحل الوحيد للسيطرة على تلك الصراعات بين المكونات الثلاث هو التطور التكنولوجى وذكر مثالا أنه من المعروف أنه عندما تنتهى السياسة تبدأ الحرب وهذا من مكونات الموجه الصناعية لكن فى الموجة الثالثه التكنولوجية عندما تنتهى السياسة تبدأ مرحلة وسيطه ” اللاقتل ” حيث تقوم التكنولوجيا بتوجية ضربة تكنولوجية عسكرية قائمة على المعرفة تردع الخصم وتجعله يقبل بالسلام  وهو ما يفسر عنوان الكتاب ” الحرب ضد الحرب ” حيث أن حرب المعرفة قادرة على لجم حرب الدماء . ولكنه يحذر مما آسماها ” الثورة غير المحتواه ” التى تمهد للصدام الدولى والجماهير نتيجة للإنقسامات الحادة بين المنتمين للموجات الثلاث على مستوى العالم وعلى مستوى الدولة الوطنية ذاتها
وفى نهاية الكتاب يطرح المشير ” أبو غزالة ” سؤالا على قارئ الكتاب قائلا ” بعد أن قرأت هذا الكتاب الهام الذى يطل على المستقبل القريب والمتوسط والبعيد يجدر بنا أن نتساءل ماذا يجب أن نفعل ؟ هل سنبقى على ما نحن عليه والعالم ينتقل إلى عصر الموجة الثالثة ؟
………………………………………………………………

إن مظاهر الموجة الثالثة فى مصر بدأت تظهر وتلمحها فى مواطن بعينها ، فالحديث عن إنشاء المدن الذكية التى تعتمد فى تشغيلها على الذكاء الإصطناعى ، وشراء الأسلحة الحديثة التى تعتمد على تكنولوجيا التخفى والذكاء الإصطناعى والأسلحة التى تعتمد على ذكاء البشر دون التعرض لخسائر الدماء مثل الطائرات بدون طيار ” الدرونز ”  أصبح معتادا ، حتى سمعنا عن أن إحدى شركات الدفع الإلكترونى تجاوزت قيمتها السوقيه فى البورصة المصرية حاجز المليار دولار متجاوزة شركات صناعية منتمية للموجة الصناعية كمقدمة لإقتصاد الموجة الثالثة . ونراها فى خطة التعليم الحكومية الذى تريده الدولة المصرية تأسيسا لإقتصاد الموجة الثالثة . ولكن فى مقابل هذا وعلى الرغم من الجهود المبذولة إلا أن الدولة المصرية كغيرها حول العالم سيكون عليها أن تتعامل مع مجتمع ” ثلاثى الأقسام ” بدأت تتشكل ملامحه ، فأصحاب الموجه الأولى الزراعية يعانون وتمركزوا فى الريف ، وأصحاب الموجة الصناعية تمركزوا حول مناطقها ، وأصحاب الموجة الثالثه أوجدوا مجتمعات مسورة منعزلة ” كمباوند ”  مكتفية بمجتمع تسهل التكنولوجيا الحياة فيه . وهو ما سيشكل عبئا فى المستقبل على الدولة المصرية فى التعامل مع نمط جديد من الثورات الغبر محتواه والتى ستعبر عن إنقسامات حادة بين أصحاب الموجتين الزراعية والصناعية الذين يعتمدون على القوة البشرية الكبيرة وبين أصحاب الموجه الثالثة أصحاب التكنولوجيا الأقل عددا والأكثر ذكاءا والأكثر ثراءا ، والتى ستجعل من الإرهاب عاملا ضاغطا عندما يلحق بتكنولوجيا الموجه الثالثه .
لذلك على مصر أن تعى جيدا أن الدخول لعصر الموجة الثالثه عسكريا وإقتصاديا يجب أن يواكبة رؤية متكاملة لكيفية التعامل داخل مجتمع ثلاثى القسام ، لنزع فتيل أزمة مستقبلية سيلعب الدين فيها دورا حاسما حيث سيجرى إستخدامه بكثافة ويتمترس وراءة أصحاب الموجتين الزراعية والإقتصادية ، لحسم الصراع مع موجة تكنولوجية ستهمش الأغلبية البشرية لصالح الذكاء الإصطناعى  

فهل نشهد فى مصر تأسيس لرؤية ثقافية جامعة تكون المعرفة والمستقبل أساسها لتقريب الفوارق بين أصحاب الموجات الثلاث ؟! 

2020-09-15