الخليج بين جنة ترامب ونار بايدن!
وفاء العم .
يبدو أن وصول الديموقراطيين إلى البيت الأبيض سيعيد السياسة الأميركية إلى قيم الحزب التي تنزع إلى انتقاد أوضاع حقوق الإنسان والحريات في الخليج.

أقل من 100 يوم تفصلنا عن الانتخابات الأميركية، ويبدو جلياً أن المنافسة بين دونالد ترامب وجو بايدن باتت تزداد شراسةً، إذ لا يوحي المشهد الانتخابي بنتائج قد ترضي ترامب على الأقل حتى الساعة.

يبحث الرجل عن إنجازات ترفع من رصيده. وقد ألقى بسنارته في الخليج، فأصاب صيداً ثميناً؛ أصاب تطبيعاً خليجياً مع “إسرائيل”، ما يطرح السّؤال عن سبب دعم الخليج لترامب، فلماذا ألقى أوراقاً رابحة في سلته الانتخابية، سواء بالتطبيع مع “إسرائيل” أو بإنهاء الخلاف الخليجي، كما جاء على لسان مساعد وزير الخارجية الأميركي للشرق الأدنى، ديفيد شينكر، بشأن حدوث انفتاح في الأزمة الخليجية خلال الأسابيع القادمة؟

في الحقيقة، طوال 4 سنوات، ترك ترامب الحبل على الغارب للخليجيين مقابل المال، مرسياً بذلك علاقة مختلفة عن تلك التقليدية والمتعارفة بين الولايات المتحدة الأميركية والخليج.

لقد غضّ الطرف عن أوضاع حقوق الإنسان والحريات، ولم يعر قضية مقتل الصحافي جمال خاشقجي اهتماماً حقيقياً، وقدم دعماً أميركياً وغطاء كاملين للخليج في المواجهة مع طهران، بل عزَّز هذه الخصومة عبر ابتزاز الخليج في أمنه، وأعطى غطاءً للحرب على اليمن الَّذي يعيش أسوأ كارثة إنسانية في العصر الحديث. والأهم من كلّ ذلك أنه أوقف العمل بالاتفاق النووي مع إيران. وبذلك، يمكن القول إن الخليج عاش عهداً ذهبياً في فترة أسوأ رئيس أميركي، أجمع خصومه وحلفاؤه على كره سلوكه المتغطرس والجشع والعنصري، ولكن ماذا لو فاز بايدن؟

على الرغم من أن الثلاثي الخليجي (الإمارات والسعودية والبحرين) غير مرتاح لوصول بايدن، فإنه يتحضَّر لفوزه، ويريد ضرب عصفورين بحجر عبر التطبيع مع “إسرائيل”: إن فاز ترامب، فقد ضمن 4 سنوات أخرى، وإن فاز بايدن، فإنه يكون قد أرسى معادلة جديدة في المنطقة.

يريد الخليجيون فرض واقع يرتكز على أمرين؛ تحالف خليجي إسرائيلي في مواجهة إيران، وربط أمن الخليج بأمن “إسرائيل”، ما يحمّل الولايات المتحدة مسؤولية أكبر في حماية المنطقة.

ومن المتوقّع أن يعيد الديموقراطيون العمل بالاتفاق النوويّ مع إيران، وهو اتفاق بلعه الخليجيون جافاً في العام 2015، ورأوا فيه تهديداً لأمنهم، وفرصة لتمكين طهران سياسياً واقتصادياً من التمدد في المنطقة. وأكثر ما يفزع الخليج هو احتمال الإفراج عن الأموال الإيرانية المحجوزة، فإذا كانت إيران المحاصرة تسيطر على العراق ولبنان وسوريا، وتدعم حركة أنصار الله في اليمن – بحسب الخليجيين – فكيف بإيران بلا قيود! بالنسبة إليهم، إنَّ قوة إيران تعني ضعف دول الخليج.

من جانب آخر، يبدو أن وصول الديموقراطيين إلى البيت الأبيض سيعيد السياسة الأميركية إلى قيم الحزب التي تنزع إلى انتقاد أوضاع حقوق الإنسان والحريات في الخليج، بل إنَّ العديد من قيادات الحزب المؤثرين متشدّدون في ربط بيع الأسلحة للخليج بتحسين واقع حقوق الإنسان والحريات، والدفع باتجاه تحقيق الديموقراطية والشراكة في صناعة القرار.

ربما من الجيّد أن نذكّر بمواقف الرئيس السابق باراك أوباما، الذي لطالما انتقد حقوق الإنسان في البحرين. وفي أحد خطاباته مثلاً، طالب بالإفراج عن نبيل رجب حين كان معتقلاً، وهذا ما لا ولن يعجب الخليج بطبيعة الحال.

واقعاً، يعد الديموقراطيون الأميركيين بنسف وإعادة بناء كلّ ما تسبّب به ترامب من خلل في بنية المجتمع الأميركي، كما يعدون بإعادة رسم السياسة الخارجية وهيكلتها، بما فيها العلاقة مع الخليج، وخصوصاً أنَّ بايدن كان من أشدّ المنتقدين للرياض. وقد أكَّد لحزبه خلال اجتماع مجلس العلاقات الخارجية أنه سينهي الحرب المأساوية في اليمن، وسيعيد تقييم علاقة بلاده مع السعودية، وأنه يودّ أن يرى تغييراً في نهجها، يتناسب في العمل مع إدارة أميركية أكثر مسؤولية، ما سيحمّل هذه الدول تكلفة عالية في إعادة تسويق صورتها لدى إدارة بايدن، كما يمكن الاستنتاج أنَّ الرياح لن تسير كما تشتهي السفن الخليجية، فماذا ستقدم تلك الدول من تنازلات إذا ما وصل بايدن إلى البيت الأبيض؟
‎2020-‎09-‎15