صراع القوى الكبرى في شرق حوض البحر المتوسط: أين الدور الأميركي؟
د. علي مطر.

أخذت الحروب حيّزاً كبيراً في العلاقات الدوليّة وما زالت، حيث تعيش غير منطقة من العالم صراعات مختلفة على النفوذ والثروات، ويُسفر صراع مختلف القوى الإقليميّة والدّوليّة، للاستئثار بأكبر نصيبٍ من المكاسب الميدانيّة في منطقة شرق المتوسط، عن متغيراتٍ كبرى في المشهد الجيوسياسي.

أولاً: الصراع على إمدادات الغاز

ويمتلك شرق حوض البحر المتوسط أهمية لا يمكن الاستغناء عنها، من حيث التحكم بالتطورات الإقليمية في منطقة غرب اسيا، بدءا من السياسات العسكرية، ووصولا الى العلاقات الاقتصادية، اذ تعمل العديد من القوى الدولية والإقليمية وعلى رأسها روسيا وفرنسا وتركيا ضمن هذه الأهمية للحفاظ على وجودها في المنطقة، باعتبار الدور المحوري الفاعل لكل قوة ولكل موقع يمكن أن تتخذه هذه القوى لنفسها في شرق البحر المتوسط بعيدا عن هيمنة ونفوذ الولايات المتحدة الامريكية.

تدار عمليات التنقيب في شرق المتوسط وفق دراسة نشرها مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير من قبل شركات إيطالية وفرنسية وأمريكية وروسية، وهذا ما يضع دول هذه الشركات داخل دائرة التنافس الاقتصادي على الآبار المكتشفة. كما يسعى الاتحاد الأوروبي كذلك إلى تعزيز أمن الطاقة عبر تنويع مصادر الواردات وتنويع طرق التوريد، إذ يُسهم غاز شرق المتوسط في تخفيف الاعتماد شبه الكلي لدول شرق وجنوب أوروبا على روسيا، ولهذا يحرص الاتحاد على تحقيق أقصى استفادة ممكنة من المنطقة. كما يهتم الاتحاد الأوروبي بمصالح الدول الأعضاء كقبرص واليونان. موسكو أيضا حاضرة في هذا الملف من خلال شركات التنقيب في المنطقة، وتقديم التمويل المالي لقبرص واليونان، والوجود العسكري والاتفاقات الثنائية مع سوريا، وكذلك حضورها الفاعل في ليبيا.

صراع القوى هذا جعل هذه المنطقة تعيش على صفيح ساخن، بعد أن تحول شرق البحر الأبيض المتوسط إلى بؤرة توتر في الآونة الأخيرة، نتيجة المساعي لتوسيع النفوذ والسيطرة على الثروات، وقد ازداد هذا التوتر نتيجة تصاعد النزاع في ملفات عدة تؤثر على السلم والأمن الدوليين يمكن أن نشير إليها تباعاً، خاصةً تلك التي تتعلق بالصراع على الثروة الغازية.

ثانياً: واشنطن شريك إلى جانب العدو الإسرائيلي

يلعب العدو الاسرائيلي هنا دورًا في تعطيل الاستفادة من غاز المتوسط ونفطه. فمثلا قامت شركة “بريتش غاز” في عام 2000 باكتشاف حقل “غزة مارين” في بحر غزة باحتياطي بنحو 1.4 تريليون قدم مكعب من الغاز، وهي كمية تلبي حاجات قطاع غزة والضفة الغربية. ملف آخر هو النزاع على الحدود البحرية بين الكيان المحتلّ ولبنان، إذ يريد الكيان التنقيب في المياه الاقليمية اللبنانية غصباً، بينما اتفق لبنان مع عدة شركات نفطية ايطالية وفرنسية وروسية للتنقيب في هذه المنطقة، وتقوم الولايات المتحدة بالضغط على لبنان للقبول بشروطها التي تخدم مصالح حليفها الصهيوني على حساب الحق السيادي للبنان في استغلال ثرواته البحرية.

وتجدر الإشارة إلى أن دول المنطقة وقعت عددا من الاتفاقيات الثنائية لترسيم الحدود الاقتصادية بينها، فمثلا تم ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص عام 2003 ثم في 2013، ومصر والكيان الصهيوني 2005، وبين قبرص ولبنان في عام 2007، وقبرص والكيان الصهيوني في عام 2010، والكيان الصهيوني والأردن، واليونان وإيطاليا في يونيو / حزيران2020، واليونان ومصر في مطلع أغسطس/ آب الجاري.

ثالثاً: الصراع التركي اليوناني الأوروبي

أما الصراع الجيوسياسي المتصاعد في منطقة شرق المتوسط والذي قد يتحول إلى صراع عسكري، فهو ذلك الذي وقع بين تركيا من جهة وبين فرنسا ومعها اليونان ومصر من جهةٍ أخرى بسبب، ثروات الغاز في المنطقة، حيث تسعى كل دولة إلى حجزِ نفوذٍ لها في شرق المتوسط. وبما أن النفوذ الفرنسي اصطدم في مكانٍ ما مع النفوذ التركي، فإن أنقرة وباريس وصلتا إلى مستوى غير مسبوق من التراشق السياسي المصحوب بمناوراتٍ عسكرية.

اليوم تضع تركيا منطقة شرق المتوسط على صفيح ساخن، بعد أن تحول شرق البحر الأبيض إلى بؤرة توتر في الآونة الأخيرة، نتيجة تدخلاتها واعتداءاتها في مناطق عدة. وقد ازداد هذا التوتر بعد تصاعد النزاع بينها وبين اليونان، اثر استمرار الدولة التركية في التنقيب عن موارد للطاقة في مناطق بحرية حدودية مع اليونان. وتصاعد التوتر في منتصف أغسطس/آب الجاري، بعد أن شكل التنقيب التركي عن الغاز في شرق المتوسط، والدخول التركي إلى ليبيا، شعلة قد تؤدي إلى إحراق المنطقة، وعسكرة منطقة البحر المتوسط من خلال مناورات ستجريها تركيا قبالة الساحل الشمالي لقبرص، فيما تخطط اليونان أيضا لمناورات بحرية مع فرنسا وقبرص وإيطاليا. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه لدى تركيا واليونان مطالب بأحقية السيطرة على جزر عدة متداخلة في المياه الفاصلة بينهما، وهي مياه غنية بالغاز في شرق البحر المتوسط. وتزعم اليونان أن كل الجزر الموجودة في الجرف القاري الذي يدور الخلاف حوله، هي ملكها ولها حقوق الحفر الحصرية في مياهها بما في ذلك التنقيب فيها بحثا عن موارد الطاقة.

وفي الوقت الذي وجدت فيه تركيا في الاتفاقية البحرية والأمنية مع ليبيا منفذاً لتعميق وجودها العسكري والأمني في منطقة شرق المتوسط، فإن فرنسا التي لم تعترف بتلك الاتفاقية سعت هي الأخرى إلى تواجدٍ عسكري مماثل، فكان انفجار مرفأ بيروت في لحظة مفصلية هو الغطاء الذي بدأت تتحرك من خلاله باريس. إضافة الى ذلك، يبرز الخلاف التركي مع مصر، في ظل اتهام القاهرة لأنقرة بدعم جماعة الإخوان المسلمين، واعتماد مصر على الغاز والذي يدفع باتجاه الاستكشاف غرب البحر المتوسط قرب المياه الليبية. وعليه، ستتأثر هذه المحاولات سلباً بالاتفاق التركي الليبي (الأمني-الاقتصادي 2019)، ويمكن أن تتسبب في خلافات أوسع بين القاهرة وأنقرة خاصة في ظل رغبة أنقرة في توسيع نفوذها في شرق المتوسط.

وتسعى تركيا لتوسيع دورها في ليبيا والمنطقة، حيث تحتل ليبيا مكانة بارزة تسعى تركيا من خلال دخولها الى تثبيت أول موطئ قدم لها جنوب البحر المتوسط، عبر نافذة تتجاوز مساحتها أكثر من 1770 كم مربع، وهي مساحة ذات أهمية استراتيجية بالغة بكل المُعطيات، تمنح تركيا عمقاً استراتيجياً كبيراً، يمتد من شمال إفريقيا إلى بحر إيجة وخليج أنطاليا، ليكون بذلك ثاني موقع تركي في المتوسط بعد قبرص التركية، وهو موطئ يثبّت أقدام تركيا على المستوى الجغرافي في المتوسط. ويمنحها هذا الموطئ فرصة كبيرة لتطوير سياسة متوسطية تنافس السياسة الأوروبية المهتمة بليبيا وبموقعها وبثرواتها في الحوض الشرقي للمتوسط، ومن هنا يأتي التحرك لكسب شريك متوسطي يكسر حالة العزلة المتوسطية التي تؤسس لها بعض الدول الأوروبية بالتشارك مع مصر والكيان الصهيوني واليونان وقبرص اليونانية، والتي عبّر عنها “منتدى شرق المتوسط” الذي يهدف فيما يهدف إلى عزل تركيا في الحوض الشرقي للمتوسط، ومنعها من الاستفادة من ثروات المنطقة.

رابعاً: أين الدور الأميركي؟

شلل الناتو وعجزه عن التحرك العملي بسبب الصراع الحالي بين اليونان وتركيا، يعيدنا الى عام 1974، عندما كانت اليونان وتركيا على أعتاب الحرب على قبرص، ولم يمنع الناتو حينها الأعمال العدائية. في ذلك الوقت، اعتمدت الولايات المتحدة بشدة على المتنافسين لتجنب المواجهة المباشرة وفرضت بشكل أساسي وقف إطلاق للنار على القوات التركية العاملة في قبرص.

في عام 2020، تبنت الولايات المتحدة خطوات أقل بكثير وهي تعمل اليوم باتجاه غير واضح، وهذا ينطبق على كل من العلاقة اليونانية – التركية والأزمة الأوسع متعددة الأوجه في شرق البحر الأبيض المتوسط، والتي تشمل العديد من اللاعبين الإقليميين والدوليين. ما نشهده هو مثال إقليمي لما يحدث في عالم متعدد الأقطاب في غياب قيادة أمريكية حازمة.

أضف إلى ما تقدم أن هذه ليست مجرد لحظة عابرة مرتبطة بنزوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بل يرجح البعض أنها سياسة منظمة. يرى البعض أنّ جزءا من المشكلة هو أن الناتو والغرب لا يزالان يفشلان في تقدير الأهمية الاستراتيجية للبحر الأسود، وبالتالي الأهمية الحيوية لتعزيز السلم والحفاظ على العلاقة مع تركيا كحليف وشريك اقتصادي.
‎2020-‎09-‎14