حول أسئلة الماركسية الرئيسية!


أحمد الناصري.
” السؤال يتقدم على الجواب” أدونيس..
الماركسية نظرية إنسانية اجتماعية متقدمة، اعتمدت وارتبطت بالعلوم الحديثة الطبيعية والاجتماعية، واستجابت لفراغ معرفي هام جداً في حياة البشر، طرحته التطورات والتحولات الاجتماعية الهائلة بعد عصر التنوير والنهضة والثورة الصناعية. حيث لا بد من نظرية شاملة لمواجهة ومجاراة التحولات الكونية العاصفة التي أحدثت انقلابا كبيراً وحاسماً في العقل الإنساني وحياته وظروفه وواقعه، ونظرته لحياته الفردية والاجتماعية ومصالحه ومتطلباته الأساسية.
ساهمت الماركسية في طرح مفاهيم فلسفية واقتصادية واجتماعية وجمالية جديدة لم تكن معروفة من قبل، وخاضت صراعات متصلة من داخلها ومع الخارج للتمسك بجوهرها ومحتواها الطبقي الاجتماعي الإنساني الواضح. وتعرضت إلى تشوهات داخلية وخارجية كبيرة، لا زالت مستمرة إلى الآن. وأحد الأسباب الرئيسية لهذه الصراعات والخلافات هو موقف الماركسية الإنساني العميق والجذري من الاستغلال، ومن الإنسان كقيمة عليا رائعة، ومحاولة الارتقاء بمصيره وتغير مستقبله، وهو موقف جديد ومتقدم من هذه المشكلة التاريخية التي رافقت البشرية منذ بداية تقسيم العمل، وظهور التباين والاستغلال الطبقي، وما أرتبط بهما من صراع طبقي، وأشكاله وإشكالاته وتفاصيله المروعة، حيث لم تتعرض أو تعالج أية نظرية أخرى بنفس الطريقة التي عالجت بها الماركسية هذه الإشكالية الكونية بمقاييسها الجديدة وشكلها الجديد، رغم قيام العديد من الحركات والمحاولات الجادة والكبيرة في كل تاريخ البشرية، وفق مفهوم الصراع بين الخير والشر، البسيط أو المعقد. والماركسية من نتاج عقل الإنسان في عصر الحداثة العلمية العالمية، التي جاءت بعد مرحلة النهضة الأوربية وعصر الأنوار، التي مهدت وأسست لظهور وتكون الرأسمالية بشكلها الراهن.
خاضت الماركسية تجارب نظرية وعملية كثيرة، وحققت الماركسية الكلاسيكية خاصةً نجاحات وقفزات كبيرة، على الصعيدين النظري والتطبيقي، وقفزات هائلة أخرى في تشخيص وتحديد مسار التاريخ العام، ومحاولة تفسير وتغير العالم، وهددت الرأسمالية والاستغلال في الصميم، هذان الصنوان البشعان، وكادت أن تطيح بهما. وشخصت بدقة عالية المشاكل الرهيبة التي عايشتها الطبقة العاملة وعموم الكادحين والمستغلين، والشعوب التي كانت تعاني من الاستعمار والتبعية والتخلف، وأعطت حلولاً متقدمة للمشاكل التي كانت تمر بها المجتمعات الصناعية، ومرحلتها المتقدمة الإمبريالية وآلياتها في التوسع، وكانت القطب الرئيسي في الحراك الاجتماعي العالمي، بطابعه الثوري الجديد، وقامت حركات وثورات ماركسية ناجزة وفاشلة حول العالم، وتبلور ما أصطلح عليه بالثورة العالمية، والحركة العمالية العالمية، بأشكالهما وأساليبهما المتنوعة والمتبدلة.
واستطاعت الحركات الماركسية والعمالية والاشتراكية، المساهمة والتأثير في وعي ونضال الشعوب والمجتمعات في أوربا وحول العالم، وهي تساهم في توفير الأجوبة الحيوية عن أسئلة الحياة والواقع، وبرزت أسماء كثيرة وكبيرة، ساهمت في تطوير الماركسية والمعارف النظرية في جميع المجالات، وأضافت لها إضافات نوعية هامة، كما ساهمت الماركسية أيضاً في الثقافة والأدب والفن. لقد كانت ثورة فكرية ونظرية شاملة موازية ومترابطة مع الثورة الصناعية والعلمية.
الماركسية تعتبر الفكر انعكاس واضح أو غامض لواقع معقد ومتغير وغير مفتوح دائماً. وبما إن هذا الواقع متغير ومتحول، فيبدو من البديهي أن الوعي الاجتماعي متغير ومتحول أيضاً، ولا يوجد شيء لا يتجاوزه الزمن المتحرك والمتحول، خاصة في زمن التحولات السريعة والخاطفة، العلمية والاجتماعية الكونية الجارية حالياً.
لذلك فأن كل هذه الحقائق والمسلمات لا تجعلنا نطمأن إلى النظرية الماركسية، كي نعتقد إنها جاهزة متكاملة ثابتة، لا يأتيها النقص والخطأ من ورائها أو من أمامها، أو نعتبرها مادة مقدسة، غير قابلة للنقاش والمراجعة، أو لا يمكن نقدها أو نقد بعض مفاهيمها، التي تتجاوزها الحياة، ويتخطاها الواقع المتحرك والمتحول، الذي يشكل المصدر الرئيسي لكل معارفنا.
وبما أن جوهر الماركسية هو الجدل والتطور الديالكتيكي، والاستخدام الفعال لمنهج النقد، فإنها النظرية التي تنقد نفسها من الداخل، وتقوم بهذه العملية داخلياً، لكن ليس ميكانيكاً، وتخوض الجدل مع المحيط الخارجي، وهي النظرية التي تستطيع كشف عيوبها، والعمل على تجاوزها، لذلك فإنها تحتاج إلى أمكانية وقدرة وطاقة ذاتية معينة، خارقة ومتجددة، مثلما فعلت الماركسية الكلاسيكية في طرح كم هائل من المفاهيم والمقولات الجديدة والضرورية والفعالة وقامت بالعديد من المراجعات المتصلة والجريئة.
بعد هذه المقدمة الإيجابية العامة، المصورة والمكثفة للماركسية، نطرح اسئلتنا الماركسية على الماركسية، وفق المنهج الماركسي النقدي. فما الذي جرى لهذه النظرية الخلاقة؟ وما هو حالها الآن؟ ما هي الأجزاء والمفاهيم التي شاخت ويبست في شجرة الماركسية الوارفة؟ وما الذي تبقى منها صالحاً حتى زمننا الراهن وللمستقبل أيضاً؟ ما الذي تغير وتبدل في الحياة والواقع؟ هل تستطيع الماركسية تجاوز نواقصها وأخطاءها القديمة والجديدة؟ هل تستطيع الإجابة على الأسئلة الجديدة الكبيرة التي تطرحها الحياة؟ هذه أسئلة رئيسية يطرحها الواقع على الماركسية، وهي جزء من أسئلة كثيرة مطروحة اليوم، مثلما كانت مطروحة بالأمس وعلى المستقبل أيضاً، لكنها أسئلة ظلت معلقة في هواء التجربة وفراغاتها ومتونها، دون إجابات شافية إلى اليوم، مما كرس المشاكل وساهم في استمرارها. فبعد بروز واتساع الأتمتة مثلاً، راح عدد من المنظرين الرأسماليين، يتحدثون عن حصول فراغ في تسلسل المادة والعقل والمنطق الماركسي، وأن الماركسية فقدت أو سوف تفقد أحد أسسها الرئيسية التي تعتمد عليها، وهي وجود طبقة عاملة واسعة، تعاني من الاضطهاد والاستغلال الطبقي المباشر والفاقع، مما يستدعي تنظيمها لتقود التغير الاجتماعي، بواسطة الحزب الخاص، والمبني على أسس جديدة، وهو من طراز جديد أيضاً. كيف نستطيع مناقشة هذه الفكرة؟
ابتداء يجب الاعتراف أن تغيراً بنيوياً كبيراً في شكل وحجم ودور الطبقة العاملة (البروليتاريا الكلاسيكية) قد حصل، والمصنع الذي كان يديره خمسين ألف عامل يمكن أن يديره الآن خمسة آلاف عامل أو حتى ألفين وخمسمائة عامل فني وإداري! لكن الماركسية تحدثت عن استغلال واضطهاد للإنسان، فهل غيرت الأتمتة أو الثورة المعلوماتية الراهنة من جوهر الاستغلال؟ ربما خففته عضلياً وجسدياً مثلاً، لكنها أضافت ضغوطاً نفسية وحياتية كبيرة وجديدة. وهل إن عدد سكان الأرض في زيادة أم في نقصان، وأين تذهب الأعداد الجديدة إلى صف الأغنياء أم إلى صفوف الفقراء الطويلة؟ وهل التطورات العلمية ستخلق مجتمع العدالة والمساواة والرفاهية، أوتوماتيكيا أو تاريخيا؟ وهل تنطبق هذه التطورات على كل سكان العالم، أم أن هناك شعوب ودول وأطراف كبيرة وكثيرة لم تدخل إلى المرحلة الصناعية البدائية أو المتوسطة، أو تعيش في ظل مجتمعات زراعية متخلفة؟ ألم تخلق قضية التطورات العلمية الهائلة والسريعة مشكلة للرأسمالية قبل الماركسية بهذا الفائض الرهيب من البشر العاطلين عن العمل والجياع والمهمشين؟ وتتكاثر أمراض وإفرازات وأزمات الرأسمالية، بينما تزداد ثروة الأغنياء بالدقائق واللحظات؟ ألم تقسم الثورة المعلوماتية العالم إلى عالمين، أحدهما متطور جداً والآخر متخلف جداً، يقبع في آخر درجات الانحطاط والغيبوبة والتبعية، ولم يدخل التاريخ بعد من حيث المساهمة المعرفية والمشاركة في صناعة الحياة؟ وهذا ما يخلق ما يمكن تسميته بالصراع الاجتماعي العالمي والحياتي، لتصحيح هذا الاختلال والتباين الجدي. صحيح أن الوزن النوعي والكمي للطبقة العاملة قد تغير تماماً، لكنها لم تختف بعد من الوجود الاجتماعي، ومن ثم التأثير السياسي والاجتماعي، بينما ظهرت وتظهر فئات جديدة في مجالات جديدة، تحمل نفس المشاكل والآلام التي تسببها وتخلقها العلاقات الرأسمالية، وتحمل نفس التطلعات والطموحات والأحلام في عالم آخر دون تمايز وجور واستغلال، يمكن أن تتوجه إليها الحركات الماركسية اليوم. فهناك مشكلة المرأة والطفولة، ومشاكل اجتماعية جديدة.
إن جوهر المشكلة الكونية والتاريخية، تكمن في الاستغلال ومحاولة إلغائه، وليس في التسميات والتوصيف. وهذه المهمة لم تتغير بعد حتى هذه اللحظة من عمر البشرية، فلذلك ستبقى الاشتراكية هدف وحلم يتطلع إليه الناس، والماركسية قادرة على أدارك واستيعاب التغيرات الجديدة!
من المتغيرات الهامة والكبيرة هو ما حصل في عقل وآليات تسيير الرأسمالية وتحديثها، وأشكال العلاقات الجديدة، ومنها العولمة مثلاً، التي لم تعد مطابقة للشكل الذي تحدثت عنه الماركسية الكلاسيكية، وهنا ينبغي دراسة هذه المتغيرات للتعرف عليها وعلى كيفية التعامل معها.
لقد تعرضت الماركسية إلى تخريب بالغ من داخلها، من خلال التجارب الخاطئة التي أنجزت، وخاصة تجربة المدرسة الماركسية السوفيتية وتوابعها. لقد ابتعدت هذه التجربة عن روح الماركسية وجوهرها العلمي المتطور، واستبدلتها بمجموعة نصوص جامدة متقطعة وانتقائية، وكليشيهات جاهزة، بينما يردد الأتباع ما يأمر وينطق به المركز من فوق، دون مراجعة أو مقاربة مع الواقع المحدد والمقصود.
علينا إعادة قراءة الماركسية من جديد في ضوء التطورات الهائلة الجارية في عالمنا، قراءة جديدة عبر المقاربة مع الواقع، وليس بواسطة نصوص مترجمة. كما على الماركسية إعادة قراءة الواقع من جديد والتعرف على متطلباته، بعد تجاوز هذه الانقطاعات المريرة التي عايشتها الماركسية على جميع الأصعدة، وهذا يحتاج إلى جهد علمي وعالمي مشترك.
على الماركسية أن تعيد قراءة ونقد كل أجزاءها الأساسية والثانوية، وأن تتخلص من كل الشوائب والعوالق والتحريفات التي رافقت هذه التجربة والمحاولة العبقرية، وأن تنفتح على الحياة من جديد، لتعود إليها حيويتها وقدرتها الخاصة على التجاوز والخلق والمبادرة.
يجب أن تكون عودة الماركسية إلى التاريخ، عودة معرفية فكرية ثقافية، وليس بالطريقة التي حصلت في بداية انتشارها وخاصة في بلداننا العربية مثلاً، حيث كان الانتماء لهذه الفكرة عاطفياً في الغالب أو حسب الموضة الشائعة والمنتشرة، وليس انتماء عقلياً مستقلاُ، وهذه مشكلة تطبيقية كبيرة عانت منها الحركات الماركسية بدرجات مختلفة، ولأسباب متعددة ومختلفة أيضاً.
لا تزال الرأسمالية في مأزق إنساني، ومأزق أخلاقي، بصدد الإنسان ووجوده وحاجاته ومستقبله، رغم استمرارها وانتصارها الظاهر، وعدم وجود تجارب ماركسية واسعة وناجحة في هذه اللحظة، فأن الرأسمالية لم تتجاوز ما طرحته الماركسية في جوهرها نظرياً، فلا مستقبل تاريخي وكوني للنيو ليبرالية ولرأسمالية البوارج.
بالنسبة لتجربتنا اليسارية، العربية والعراقية، فلها مشاكلها الخاصة الكثيرة، وأزماتها الدورية، التي دفعت بها إلى الضعف والتهميش والانعزال، نتيجة لأخطاء وضعف فكري وتنظيمي وسياسي متكرر، وعلى المحاولات التي تجري اليوم لاستعادة دور اليسار الوطني العراقي، أن تدرس التجربة السابقة، بما لها وما عليها، ثم توفر الشروط الأساسية لنهوض هذا المشروع الهام، وينبغي أن تكون شروط فكرية وسياسية وتنظيمية واضحة وجديدة، تتناسب مع التطورات الجارية في بلادنا، وتتصدى للمشاكل القائمة اليوم، وخاصة مشكلة الاحتلال والإرهاب والطائفية والفساد، والخراب الثقافي والعلمي، في ظل خراب اجتماعي وأخلاقي عارم، عبر طرح برنامج يساري وطني آخر يساهم في حل الأزمة الوطنية التي تمر بها بلدنا، عبر العمل الفكري والسياسي والجماهيري الدؤوب والطويل النفس.
وأخيراً لا تزال أسئلة الماركسية كثيرة، وتتمتع براهنية وحضور عام، رغم النقص الفادح في الأجوبة الماركسية على التغيرات الشاملة التي يمر بها المجتمع والتاريخ البشري. ولو أرادت الماركسية أن تؤثر في مجرى التاريخ من جديد، فأن المساهمة الفعالة في طرح الأسئلة والإجابة عليها، هو أحد أهم شروط هذا التأثير وهذا الوجود الغني الفعال.
تبقى أسئلة الحياة والواقع تتقدم على الأجوبة، تسبقها وتحدد نوعها واتجاهها وغرضها العملي، كونها انعكاسات الواقع المحدد وفهمه، لكن ليس بطريقة ميكانيكية مبسطة!…
‎2020-‎09-‎08