ياسر قبيلات

تحريم «التراويح» والويسكي

ياسر قبيلات

يخترع تنظيم داعش أساليب قتْلٍ غير مسبوقة في وحشيتها؛ ويعطل كذلك أحكاماً في الدين لم يجرؤ أحد على الاقتراب منها. وهو في الأثناء يقدم صورة «حقيقية» عن الإسلام الذي يدعو إليه البعض اليوم، ويناسب، أساساً، الرأسمالية في طورها المتوحش، بقدر ما تناسب هذه الرأسمالية عصور الظلام القروسطوية.

تجدر الإشارة إلى أن الدواعش لم يبتكروا هذه النسخة. بل هي إحدى النسخ التي تجمد عندها الإسلام، منذ أن تعطل الاجتهاد والعقل، لصالح تقديس النص والسلطة (سلطة النص، وسلطة الدين على المجتمع، والسلطة السياسية). ولكن الدعاة المسوّفين يتجاهلون ذلك عن سابق قصد ومعرفة، بل يتسترون على ذلك باستخدام منجزات الفكر الإنساني في القرن العشرين، وتقديمها باعتبارها «فتوحات» إسلامية سابقة؛ وهم في الحقيقة يستخدمون قيم الديمقراطية والمظالم الاجتماعية في عمليات الاستقطاب لإسلام متطرف أصولي، يعادي نفسه، قبل أن يعادي الآخرين.

والدواعش يقومون بما يقومون به بالاعتماد على أدبيات صريحة، قروسطوية ومعاصرة ظلامية، تعتد بها جل الحركات الإسلامية المعاصرة، ومنها تلك التي تقدم نفسها بصفتها قوى معتدلة، في خداع سياسي يفتقر إلى أبسط أخلاقيات النزاهة، وبباطنية تتمسكن إلى أن تتمكن.

وماذا بعد؟

حرّم التنظيم الإرهابي صلاة التراويح، وقاد عدم انصياع أربعة من أئمة المساجد في الموصل لقرار التحريم إلى إعدامهم، في خطوة أرادت أن تبرز درجة التحريم. لكنها في الوقت نفسه كانت تعكس مدى القدسية التي يريدها التنظيم وفكره لأحكامه وقوانينه، التي هي في عرفهم مقدمة على الاجتهادات السابقة كافةً، وعلى النص القرآني نفسه.

 

النسخة الداعشية من الإسلام ليست يتيمة في عالمنا العربي؛ إذ يمكن العثور عليها، بالصيغة الظلامية المتشددة نفسها وكذلك بدرجات أقل، في صلب المنظومة القانونية لدى بعض الدول العربية. ومنها تلك التي تقاتل داعش، وتستنكرها.

 

والنسخة الداعشية من الإسلام، تضعنا أمام حقيقة أن الفكر الاسلامي ما أن يتحرر من قيود المجتمع المعاصر، حتى يجنح بالضرورة نحو العنف الدموي، والأساليب القروسطوية، والنهش في المجتمع نفسه؛ مقدماً نسخة خاصة من الإسلام، لا يمكن أن يقبلها عقل.

 

علينا أن نلاحظ، أن الحق في إنتاج نسخ من الإسلام توسع في الفترة الأخيرة، لكنه بقي محصوراً بجماعات الإسلام السياسي، لا سيما أشدها جهلاً وتطرفاً، إلى جانب بعض الدول التي تفعل ذلك بوسائل رسمية. بينما يحرم على أي انسان مستنير، ولو كان مسلماً ملتزماً، العمل على أية مقاربة، أو تقديم قراءة تهتم بالإسلام تعزله عن التطرف.

 

ومن المؤسف أن يستيقظ المرء على الحقيقة المفزعة، فيرى أن المساجد كانت في جوهر دورها منظومة هائلة لتسكين التطرف في العقول المسالمة، وفتح خطوط تواصل مع الفكر الظلامي، وخلق حواضن له.

 

لقد كان دائماً غريباً أن تتوجه جل الأموال الوقفية لبناء المزيد من المساجد، التي سرعان ما يحتلها متطرفون؛ بينما لا يلقى بناء الجامعات والمدارس والصفوف الدراسية أي اهتمام، رغم أن بلدنا يغرق في أزمة تعليم على كل المستويات، وأن بناء المدارس ودعم طلبة الجامعات هو كذلك، صدقة جارية، تماماً كما بناء مسجد، وربما أكثر.

 

أخيراً، لم يكن نصر حامد أبو زيد، ولا فرج فودة، ولا غيرهما من رموز التنوير في ثقافتنا العربية المعاصرة، من ساوى صلاة التراويح بزجاجة الويسكي، في التحريم!

‏18‏/07‏/2015