العِراق ينضمّ إلى قائمة أعداء تركيا بعد مقتل ضابطين بقصفٍ لطائرةٍ مُسيّرة..!

لماذا “تستعدي” السّلطات التركيّة جميع دول الجِوار العربيّ؟

وهل من الحِكمَة فتح عدّة جبهات في سورية وليبيا والعِراق إلى جانب مِصر واليونان وأرمينيا في الوقتِ نفسه؟

رأي اليوم.

بعد الهُجوم الذي شنّته مُسيّرة تركيّة على موقعٍ عسكريٍّ عراقيّ شمال أربيل في إقليم كردستان، وقتل ضابطين عِراقيين، بات واضحًا أنّ هذه الاعتِداءات التركيّة المُتكرّرة لم تُبقِ لأنقرة صديقًا عربيًّا واحدًا بما في ذلك دول الجِوار، فقوّاتها تتغلغل في سورية، وتُحارب في ليبيا، وها هي تنتهك السّيادة العِراقيّة، وعلى حافّة صِدام مع مِصر وتوتّر مع دول الخليج الأمر الذي يُعرّضها لانتقادات وانتهاكات عديدة أبرزها أنّها لا تُقاتل إلا العرب، ولا تحتل إلا أراضيهم، وهي ظاهرة مُتصاعدة لا تُدرك القِيادة التركيّة مخاطرها المُستقبليّة.
السّلطات العِراقيّة عبّرت عن هذا الانتِهاك الصّارخ لأراضيها، ومقتل ضابطين اثنين من عسكرييها بإلغاء زيارة كانت مُقرّرة لوزير الدفاع خلوصي آكار إلى بغداد، واستدعت وزارة خارجيّتها السّفير التركي في بغداد مرّتين للاحتِجاج، وهُناك ضُغوط مُتصاعدة من قوى عراقيّة لاتّخاذ مواقف أكثر تَشدُّدًا.
تركيا تحتفظ بأكثر من 10 مواقع عسكريّة في شمال العِراق بهدف التصدّي لهجمات حزب العمال الكردستاني المُصنّف إرهابيًّا، وهُناك من يقول إنّ هذا العدد تزايد في الأعوام الأخيرة، وبات يُشكِّل قلقًا للدولة العِراقيّة، التي تُواجه مُطالبات شعبيّة بضرورةِ إغلاقها فَورًا.
السّلطات التركيّة تقول إنّ من حقّها مُطاردة عناصر حزب العمّال الكردستاني التي تنطلق في هجماتها ضدّ قوّاتها من شمال العِراق، أو تجد المأوى فيه، ولكنّ هذه المُطاردات وما تحتويه من أعمالِ قصفٍ مدفعيّ وصاروخيّ يجب أن يكون بالتّوافق مع الدّولة العِراقيّة، وفي إطار تفاهمات مُشتركة، وليس مِن جانبٍ واحدٍ فقط، وانتهاك السّيادة العِراقيّة بالتّالي.
يَصعُب على أيّ مُراقب فهم هذه السّياسة العُدوانيّة التركيّة تُجاه جيرانها العرب، سواءً كانوا قريبين مُجاورين، أو بعيدين، الأمر الذي يُؤدِّي إلى حشدِ هذه الدّول ضدّ تركيا الدّولة المُسلمة التي مِن المُفترض أن تكون صديقةً ومُدافعةً عن القضايا العربيّة في وجه الهجمة العُدوانيّة الأمريكيّة الإسرائيليّة.
القوّات التركيّة تحتل أراضي في شمال غرب سورية، وتدعم قوّات المُعارضة المسلّحة، وتُرسل أكثر من 17 ألف مُقاتل إلى ليبيا وآلاف الأطنان من المعدّات العسكريّة الثّقيلة لدعم حُكومة الوفاق المُوالية لها، وتُقيم قواعد بحريّة في مصراته، وثانية جويّة في “الوطية” شمال غرب طرابلس، وتتطلّع إلى ثالثةٍ في سرت، ورابعة في الجفرة، وتحشد حاليًّا قوّاتها استِعدادًا للمعركة، وفوق هذا وذاك تُوشِك أن تدخل في مُواجهةٍ عسكريّةٍ مع اليونان، وربّما الاتّحاد الأوروبي، بعد قرارها استئناف التّنقيب عن الغاز والنفط في مِنطقةٍ اقتصاديّةٍ مُتنازعٍ عليها، وتُؤكّد أنّها جُزءٌ من جُرفها القارّي، ولا ننسى قرار الحُكومة التركيّة بإرسال قوّات لدعم أذربيجان في حربها ضدّ أرمينيا، وما سبّبته هذه الخطوة من حالةِ غضبٍ مع إيران وروسيا أبرز حُلفائها في المِنطقة.
كُل هذه “التحرّكات” العسكريّة التركيّة تتم في وقتٍ يُواجه الاقتصاد التركي أزمات مُتفاقمة، سواءً بسبب تراجع السّياحة، أو الضّغوط الخارجيّة، أو تفشّي وباء الكورونا.
لا نُجادل مُطلقًا بأنّ تركيا تملك جيشًا قويًّا، هو الثّاني حجمًا وعتادًا في حلف الناتو، يملك خبرات عسكريّة عالية المُستوى ومُعظم تسليحه محليًّا ونتاج صناعة عسكريّة مُتطوّرة جدًّا، ولكنّ فتح أكثر من جبهةٍ في الوقت نفسه، ومُعاداة مُعظم، إن لم يَكُن كُل دول الجِوار في الوقتِ نفسه مِثل سورية وإيران والعِراق وروسيا، يَعكِس غياب الحِكمَة، مثلما يَعكِس مُغامرات تتّسم بالتهوّر، في نظر الكثير من المُراقبين.
لا نعرف من الذي يَقِف خلف كُل هذه السّياسات والحُروب التي قد تترتّب عليها، ولكن ما نَعرِفه أنّ التّجربة التركيّة في النّمو الاقتصاديّ المُعزّز بالديمقراطيّة والوسطيّة الإسلاميّة المُعتدلة تُواجه امتحانًا صعبًا قد يكون من الصّعب تجاوزه بنجاحٍ، والحِفاظ بالتّالي على هذه الإنجازات.
الرّد على الانتقادات لا يكون بالشّتائم والسّباب وتكميم الأفواه والجُيوش الإلكترونيّة، وتقليص سقف الحُريّات التعبيريّة، والاستِماع لوجهة نظر واحدة مُحرِّضة، وإنّما بالمُراجعة والتّغيير، واتّباع النّهج الدبلوماسي، وإلا فإنّ النّتائج ستكون خطيرةً، ومُكلفةً لتركيا وشعبها وأمنها واستِقرارها.. واللُه أعلم.
“رأي اليوم”
‎2020-‎08-‎13