الوطنية اللاوطنية: العراق كنموذج صارخ/2!

عبدالامير الركابي.

الوطنية اللاوطنيه:العراق كنموذج صارخ/1
في العشرينات من القرن المنصرم، وضمن أجواء ومبررات غالبه على مستوى المعمورة والمنطقة، اتجهت للتبلور صيغة او مفهوم ل “الوطنية”لم يكن معروفا في العراق من قبل، هو بصورة قاطعه وكلية مفهوم غربي، اتصل بالحداثة الغربية كما امكن التعرف عليها، او أتيح لبعض الجماعات التي تسنى لها الاحتكاك بتلك الأجواء في حينه، ان تفهمها، وهو مالم يكن متاحا سوى بقدر سطحي للغاية، حتى بالقياس ببعض المناطق القريبه، مثل مصر ومنطقة ساحل الشام، اللتان عرفتا تغلغلا غربيا، واحتكاكا مباشرا اقدم بالظاهرة الغربية المستجده، بغض النطر عن شكل التفاعل معها، ونوع الرد عليها.
وكمثال يمكن ان يعد نموذجيا، فان احد مكرسي المفهوم مدار البحث ووجوهه البارزة في الثلاثينات، قد ترك نصا يقطع فيه من حيث تعريفه لما هو “وطني” او ينتمي ل “الوطنية”، ومالاينطبق عليه ذلك. فالجادرجي يقول صراحة بان كل مظهر”محلي” عراقي المنشا والخلفية،هوغير “وطني”، او خارج التصنيف الوطني، ينتمي لعالم “البوادي والارياف”(1) فالوطنية هي تلك التي انبثقت اليوم، مع مجيء الغرب، وبناء على مااتصل به من أفكار واشكال نظر، وتصورات، وجدت في الغالب الاعم باعتبارها صنفا مستحدثا منفصلا عن المكان او التربة التي زرعت فيها.
فقط حزب الجادرجي وامثاله من نوع الحزب الشيوعي، والتجمعات القومية، هي مايمثل “الوطنية”، حتى من دون إضافة كلمه “الحديثة”، او المتصلة بحضور الغرب وظاهرته، وماهو معتمد بهذه المناسبة، ليس مما يتفق بالفعل مع مقتضيات ومتضمنات المنقول عنه، فالجادرجي و”فهد” يوسف سلمان يوسف ليسا، ولم يكونا باية درجة كانت، ميالين للتعرف على ابعاد الظاهرة التي قررا وقتها الانحياز لها، والاندراج ضمن حضورها المستجد، خصوصا وانهما لم يظهرا اية دلائل على علاقة تفحصية من أي نوع لهما بها، ناهيك عن أي نوع من التحسس بما هو مبكر قبل حضور الغرب المباشر، وتوطنه كقوة احتلال سرعان ماباشرت إقامة “دولة”، او “حكومة من اهل البلاد تكون واجهة لضمان النفوذ”،الاستعماري البريطاني.
والناحية المشار لها ليست عرضية اطلاقا، بقدر ماهي قاطعه وحاسمة لجهة اخراج هذه الظاهرة من أي انتساب، او احتمال انتماء للواقع الذي غدت متصدية فجأة للتعبير عنه، ولاسقاط ماقد صار متبنى من قبلها فجاة، عليه، ومصادرته بتغييب احتمالاته الذاتيه، او أي من سياقاته التاريخية، الامر الذي يكرس حالة انفصام تاريخي نادرة المثال، العراق بالذات هو نموذجها الأكثر سطوعا، بدلالة تكوينه وتاريخيه وبنيته، وموقعه التاريخي ككيانية وموضع مجتمعي حاضر كونيا، وفعال تاريخيا بما كان يقتضي كحد ادنى، وفي حال افتراض أي قدر من الانتماء للمكان، قدرا وان اوليا، من التوقف قبل المسارعة لاتخاذ قرار الالتحاق بالطاريء الغربي.
اقصاء الواقع”الوطني” بكل مظاهره ومايمت له، لايتوقف لاعن الحضور مع هذه المناسبة كشرط تاسيسي عليه تركب السردية “الوطنية الحديثة بحيث يقال:”وقد كان الوضع العام في العهد العثماني يتميز ببعد الناس عن السلطة،ذلك البعد الذي كان اكثرعمقا في الريف والقرى والبوادي”(1) وبالتدقيق يكاد المتابع لايصدق مطلقا، مستوى الجهالة بالذات وتمخضاتها وتعمد انكارها، في مجتمع مضى على تشكله الوطني الحديث قرابة أربعة قرون، قبل حضور الإنكليز وحملتهم، من دون ان يظهر أي نوع من الفئات الناطقة باسم المتغير الحديث السابق على القرن العشرين، وهنا بالذات، تتجلى الناحية الأهم والأخطر في الخارطة الحية للوطنية الحديثة العراقية، من زاوية العجز والانفصام الاقصائي للذات، المهيمن على علاقة “العقل الوطني” يالتشكل الوطني الثالث، الراهن، ومظاهر التفاعل بينهما.
ولا يتوقف الامر عند ماتوحي به الناحية المتناولة من عمومية وانعدام تحديد لمعنى ” الوطنية” بما هي ” ذاتيه وكينونه” بنيويه وتاريخيه، أي ملامح المكان المقصود، وقسماته لابالصورة الماخوذه بالكاميرا، بل بالدلالات والمعنى، والسردية المحدده للخاصيات وحضورها في التاريخ، بمعنى ان الوطنية ليست “الحزب”، ولا الأفكار المتصلة به، لان هذا بالأحرى من المفترض ان يتاسس على ماقبل، ويتاثر به، وياخذ صفاته الرئيسية من حضوره، كما الفارق مثلا بين “حزب الوفد المصري”، و “الحزب الوطني العراقي” المؤسس عام 1922 على يد ” جعفر أبو التمن”، وكذا حزب “المؤتمر الهندي”، حيث نعثر على الخاصيات الوطنية وهي تعمل في الحالتين عملا مختلفا كليا، مآلة في الحال العراقية الفشل والعجز، والاضطرار الى حل الحزب، في حين نجد في حالتي مصر والهند، ما يضع “الحزب الوطني” بموقع الفعالية الشاملة على المستوى “الوطني”.
لماذا حدث الذي حدث في العراق بالذات، ولم يتمكن حزب “الوطنية” من ان يكون “وطنيا”، واضطر لان يلتحق بالاحزاب الايديلوجية بعد الثلاثينات، مع تقدم هذه، وتحولها الى أدوات اكثر حضورا وفعالية. يقول زكي خيري بهذا الصدد: “اما البرجوازية الوطنية فكانت ضعيفه جدا اقتصاديا وسياسيا ولم تستطع تنظيم نفسها في حزب سياسي كبير شان “الوفد المصري” او ” المؤتمر الهندي”، اذ لم تستطع تنظيم الجماهير الشعبية، او قيادتها بصورة ثابته وفعالة، كما لم تستطع فرض صورة من الديمقراطية البرلمانية، يمكن مقارنتها حتى بنظائرها في مصر والهند” (2) والسبب المعتمد هنا كما هو واضح، “طبقي”، مع فرضية قاطعه ترى ان الجاري الحديث عنه، هو مجتمع يتمتع ببنية “طبقية”، على الطريقة، او وفقا للنموذج والمثال الغربي الذي جرى اعتمادة وفرضه على المجتمع العراقي، بعد اجباره على المسارعه الى مغادرة ذاته، والانتساب فورا الى سيرورة وتاريخانية الغرب المجتمعية، بلا اثبات، ومن دون مقارنة مقنعه قبلا.
ليس المذكور أعلاه هو اغرب ماقد افصح عنه العقل العراقي “الحديث” من اختلال وعجز لاعلاقة مع سوية الذات والأخر، ومع شيء من الانتظار، سوف نواجه حالة فريدة ودالة صارخة، يعجز هذا العقل عن التعامل معها، او البحث في دلالتها، مثل مايجوز تسميه “موت حزب البرجوازية والديمقراطية المفترض مع قيام الثورة المعتبرة برجوازية” وهذا جانب سيعد غريبا ضمن سياقات الادب والتاريخ السياسيى العراقي الحديث، كاحدى دالات تهافته، فلا احد قد تنبه او جلبت انتباهه اطلاقا، حالة من نوع موت “الحزب الوطني الديمقراطي، أي حزب البرجوازية الوطنية، بعد ثورة 14 تموز 1958 الوطنية البرجوازية” مع انه كان المفترض ان يكون هو قيادتها ومحورها…حزبها؟
ـ يتبع ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يقول الجادرجي ” لاشك في ان المظهر الأول للحركة الوطنية الحديثة في العراقي ـ وقد كان مظهرا ضخما ـ هو ثورة حزيران 1920 ضد الاحتلال الإنكليزي.( الكل يبداون بثورة العشرين وضخامتها من دون محاولة التعرف على مصدرها ومن أين انبثقت وماخلفيتها ولماذا وجدت ضخمه، او بهذه الضخمه، وهل هي تنتمي الى “ماقبل” وماهو؟ او “مابعد” لم يكن قد وجد بعد)
وقبل الاحتلال الإنكليزي للعراق، واثناء الحرب العالمية الأولى، وخلال العهد العثماني، لم يكن هنالك مظهر بارز لحركة وطنية حقيقية (؟؟؟) في العراق. لقد كانت هناك فئات وطنية صغيره كما كان هناك افراد قلائل يحملون أفكارا وطنية وقوميه نمطوي على مناهضة الحكم العثماني، ولكنها كانت حركة ضعيفه غير منظمه، وكان مظهرها اكثر بروزا ماارتبط منها بالخركة القومية العربية التي نشات لها مراكز خارج العراق في الاستانه او بعض المدن العربيى، ولم يكن هناك الا صدى ضعيف لذلك داخل العراق. وقد كان الوضع العام في العهد العثماني يتميز ببعد الناس عن السلطة، ذلك البعد الذي كان اكثر عمقا في الريف والقرى والبوادي؟ كاكل الجادرجي/ مذكرات كامل الجادرجي وتاريخ الحزب الوطني الديمقراطي/ دار الطليعه/ بيروت/ ص 20. وهذا إقرار لالبس فيه بان المقصود ب ” الحركة الوطنية الحديثة ” هو مااتصل بالغرب الاستعماري وحضوره ومفاهيمه أي ماهو غير وطني نشاة ومفاهيم وخلفيات.
(2) زكي خيري/ مقدمة كتاب ( من تاريخ الحركة الثورية المعاصرة في العراق 1920 ـ 1958) سعاد خيري/ ج1/ ط2/ دار الرواد للطباعة/ بغداد ص3
‎2020-‎08-‎13