ألأرض كروية والمجتمعات تحوليّه/2*!


عبدالاميرالركابي.

وجدت المجتمعات ابتداء بصيغتها الموافقه للمقصود والمستهدف منها، في المنطقة التي نتحدث عنها، وفي موضع منها بالذات، هو ارض الرافدين، بينماظهرت المنطقة مصاغة ومركبه امتدادا الى وادي النيل، ونزولا الى الجزيرة العربية، بما يجعل منها وحده تفاعل تحولي مع البؤرة الأساس، بصفتها منطقة احتشاد للانماط المجتمعية الثلاثه: نمط الازدواج المجتمعي، ونمطي أحادية الدولة ( النيلي)، واحادية اللادولة ( الجزيري)التي منها تتكون أنماط المجتمعات على مستوى المعمورة، عبر الدورات والانقطاعات، ذاهبة بها وبالعالم الى “التحوّل”، والى مابعد مجتمعية، وبحسب مااتسمت به العملية التصيرية المجتمعية التاريخية والعقلية، من حيث وجودها خارج الإحاطة العقلية، وتعذرها ابتداء على الاستيعاب العقلي غرضا وكينونة وخلاصة مسار، وهو مانطلق عليه التفارقية العقلية المجتمعية، كخاصية ملازمة للظاهرة مدار البحث، ولموقع العقل منها، كعنصر موجود ضمنها لاجل التصير والارتقاء بناء على تفاعله معها وداخلها.
وكما كان الكائن البشري ينظر الى الكرة الأرضية على انها مسطحه، ظل يرى الى المجتمعية كظاهرة على انها ظاهرة نهائية ابدية احادية، والى الكائن الموجود ضمنها، والذي هو خليتها، على انه كائن خارج التحول والانتقال، شكلا ونوعا، ماقد اقتضى مرور العقل قبل مغادرة القصور إزاء المجتمعية ومضمرها، بحالة انتقال كبرى، من صنف، او تقارب تلك التي حصلت له حين صار يعرف ان المكان الذي يسكنه، ووجد فيه، هو كرة سابحة في الأجواء، الى مستقر ونهاية، ومآل، الامر الذي قام الغرب بكشف النقاب عنه، ليس منذ زمن بعيد، ليضعه امام العقل البشري، فيقلب مفاهيمه راسا على عقب، ويبدل كليا معنى وجوده وعلاقته بالمستقر الذي يقف فوقه.
الانقلابية المجتمعية عقلا واحاطة، تذهب ابعد بكثير من حيث الأثر والفعل في الموجبات والمترتبات المتصلة بها، والناتجه عنها، فالكائن البشري الموجود فوق كرة سابحه في الفضاء الهائل مثل حبة رمل وسط جبل هائل من الرمال، يصير اليوم ومن هنا فصاعدا، معنيا بالقفز خارج تلك الكرة، او يغدو على الأقل معنيا بالوقوف إزاء مثل هذا الاحتمال باعتباره حتمية منطقية، ومنتهى تصير عقلاني، مع كل مايرافق ذلك وينجم عنه من انقلابيه هائلة، نقترح لها “الانقلابية التحولية” تسمية، ربما تكون مطابقة، مقابل عالم التابيدية والاحادية المنقضي، والماثل كمنتهى زمن وطور، كان اجباريا، واقتضى مرور موضع التحول والبنية المطابقة لها بدورتين تاريخيتين، استغرقتا بضعة الاف من السنين، في الأولى جرى وضع تصور ورؤية مؤقته نبوية تتناسب وزمن الانتظارية الطويل ماقبل التحولي، وثانيه تجسدت متبلورة في رؤية ” انتظارية”، انطوت مجددا على استمرار طغيان ووطاة الزمن ماقبل التحولي/ الاحادي، بعد تمخضات ابراهيمية ثانية، أعقبت النبوية الختامية المحمدية، وكان موقعها كما هو متوقع في الموضع الابراهيمي السومري الأصلي تكرارا، وبالتوافق مع الدورة الاميراطورية الازدواجيه الثانيه وصعودها.
من يومها ومنذ حوالي القرن العاشر، دخلت منطقة التحولية التاريخيه حكم وضرورات الانتظارية الاخيره، متفاعلة داخل جملة الاشتراطات الإمبراطورية الازدواجية كما تجلت وقتها كدورة ثانية عباسية قرمطية انتظاريه، وجدت وانبعثت آلياتها وعملها المتوقف تحت طائلة زمن الانقطاع الأول الأطول المستمر منذ سقوط بابل، بعد ان اضطلعت الجزيرة العربية بمهمة تحرير واطلاق الياتها، برفعها وطاة وثقل الاحتلال الفارسي عنها،ماقد تجلى بالاحتدام التشيعي الإسماعيلي القرمطي المعتزلي / اخوان الصفائي، الحلاجي، مع كل منجز الكوفة / البصرة في تقعيد اللغة والشعر، والحديث، والفقه والسيرة، ماقد مثل طورا مابعد نبوي/ امامي تالهي، ابراهيمي ثان،متشوف لماوراء نبوية، أي ابراهيمية ثانية، لم تلبث ان انتكست بعدما وصلت حدودها التي لم تتمكن من عبورها، مااضطرها لاحالة المهمه الى طور وزمن اخر، يعقب “الانتظار” الواجب الى “آخر الزمان”.
ومن يومها والمنطقة الشرق متوسطية تعيش تاريخها محكومة لاشتراطات الدورة الثالثة، والتحقق الابراهيمي الثاني / التحولي كهدف ومبتغى نهائي، يفصل المنطقة عنه زمن من الانقطاع التاريخي الثاني، والانحدار الشامل المتلازم مع شروطه، وبينما تكون الانتظارية غالبة في موضع وبؤرة التحولية كختام للابراهيمية الثانية مابعد النبوية، يحل اسلام الانحدار ممثلا بظاهرة الاستعادة النبوية المنتهية الصلاحية في غير زمنها واشتراطاتها، انطلاقا من ارض الشام، مع ابن تيمية، حيث يتواصل تكريس ظاهرة الانقلاب على الإسلام العقيدي، الى الإسلام القبلي الايديلوجي، والاجترار الفقهي، لحين لحظة التنيه على الغرب وظاهرته الحديثة، واسراع جزء من التعبيريه الانحدارية الى التماهي معها، والحاق الذات التاريخيه بها على انها الانقلاب والضرورة المطلوبة للخروج من زمن الانحدار المهيمن، بمافي ذلك وفي مقدمة مظاهره، الاستعادة السلفيه للنبويه المنقضية.
حتى حينه والى اليوم، لم تكن التحولية من ناحية، وبالطبع آلياتها والشروط الناظمة للوجود والتصير التاريخي المولجة بها، ويتحققها، قد حضرت باية درجة كانت، ماعدا المستوى الأول النبوي منها، المحال الى الإرادة العليا الإلهية المطلقة، الايمانويه الالهامية الحدسية،غير الخاضعه للتفسير، والمتفقه مع الضرورة من دون سببية، وبلا مقاربة للقوانين الناظمة، الامر الذي كانت اضطلعت به العبقريات النبوية،اعظم العبقريات في التاريخ البشري، وقراءاتها الكبرى التحولية الالهامية، في وقت كان من المستحيل تصور الإفصاح عن الجانب التحولي في الوجو، د وتحديدا في الالية المجتمعية، وماينتظم الصيرورة المجتمعية على مستوى الكوكب، بما يعني الانتقال، من الالهامية الايمانوية، الى العلية، والى “التحولية التاريخيه” المقابلة، او التي تذكر للتقريب بالمقارنة حتى ولو من بعيد، ب”المادية التاريخيه” الطبقية المراحليه الماركسية.
ليس سوى العقل الأحادي، يمكن ان يتصور تحقق الانتقال الى اماطة اللثام عن القوانين التحولية الناظمة للوجود بضربة واحدة، او بين ليله وضحاها، وتلك ستظل واحده من اهم الجوانب التي تلازم عملية الانتقال العقلي البشري الكبرى الراهنة، متجاوزة المعاني الأحادية عن “القوانين” وعملها، واشكال تجلي فعل الكيانية، او الكيانات الآنيه والشاملة، وصولا الى انصباب مجموع الفعاليات المجتمعية البشرية في البؤرة التحولية، من قبيل مثلا اعتقاد الأوربي بان مجتمعيته وكيانيته هي مجال تصيري بذاته، وانه منطو على غرضيته الكونية، او كونها عتبة ضرورية، وموضع لزوم انتقالي وحسب، سواء على مستوى الكشف العقلي الطبقي والمجتمعي / علم الاجتماع، كعتبة أولى نحو الاقتراب من حقيقة الظاهرة المجتمعية التحولية الثلاثية الأنماط، او بما خص ميدان “النشوء والارتقاء”، وماينطوي عليه من قصور يقف به عند عتبة التحول والارتقاء الحيواني، دون العقلي، وصولا الى افراز”التكنولوجيا” بعد الثورة الآلية، أي وسيلة الإنتاج العليا التحولية المادية، التي ظل مجتمع التحولية يحتاجها لزوما لكي تكتمل أسباب تحوليته البنيوية بالمادية.
واتفاقا تاتي ظاهرة الإمبراطورية المفقسة خارج رحم التاريخ، ووراثتها للغرب الطبقي مع فقدان الغرب الانشطاري الطبقي المتزايد لفعل تكوينه الطبقي، واليات مراحليته التاريخيه الطبقية مع انبثاق الاله، مايعني تحوله الى، واندراجه ضمن القانون التحولي العام، مع دخوله زمن التازم الانتاجوي الأقصى، وبلوغ العملية الإنتاجية نهايتها، وطريقها المقفل، ودخول العالم زمن “العيش على حافة الفناء”، بينما تتصدر القارة الجديده المكتشفة ابان النصف الثاني من الالفية الثانية، ضمن زمن “التفارقية الرباعية”، مع عودة ارض الرافدين للتشكل منذ القرن الشادس عشر في دورة ثالثة، وصعود الغرب الانشطاري الطبقي وثورته الالية البرجوازية، وملمح متبقيات الدورة الثانية الشرقية العثمانية المتراجع، حين يصير العالم وحدة اليات وتفاعل تحولي، نهايته مفضية الى انتهاء الكيانيات الذاتيه والجغرافية، لصالح وحدة كوكبيه تفاعليه جوهرها التحول والانتقال الى مابعد مجتمعية.
تتبدل اليوم وتختلف دلالات ومجريات احداث المجتمعات والعالم، وضرورتها الفعليه التحولية، من قبيل انشطار الغرب الاشتراكي/ الراسمالي في القرن العشرين، وانعكاسه على بؤرة التفاعليه التحولية الرافدينية، بتجديده أسباب ازدواجيته التاريخيه في الحاضر، او كسر قانون الانتظار التشيعي ب “ولاية الفقية” الخمينيه، واثر الحرب العراقية الايرانيه أطول حرب بين دولتين بعد الحرب العالمية الثانية 1980/1988، في إيقاف وانهامفعول “الدولة الريعية”، وماكانت انطوت عليه أصلا من خطر على البنيه الازدواجية المجتمعية الرافدينية، في نوع من التدارك الفائق للإرادة والقصد الكياني إيرانيا، وللمرة الاولى، للمساعدة في ديمومة الازدواج، وهو مافعل مايشيهه مع الاختلاف الكلي النوعي، الحضور التحريري الجزيري في القرن السابع من موقع المعاكسه الكليه، بطرد الهيمنه الفارسية، وتحرير الاليات الازدواجية، واطلاقها في دورة ازدواجية امبراطورية ثانيه.
ترى لماذا غاب الازدواج العالمي الراسمالي /الاشتراكي قبل عقد من نهاية القرن العشرين، لتسود العالم أحادية قوة الامبراطورية المفقسه خارج رحم التاريخ، بالضبط بعد انتهاء الحرب العراقية الايرانيه، ودخول النظام الريعي العقائدي العائلي العراقي دوامه الاضطراب، وفقد الأسس ومرتكزات النشاة وأسباب عملها، لينتهي الامر وبناء للمناخ المستجد أمريكيا عراقيا الى، انهاء ماتبقى من اثار الازدواج المجتمعي، بإزالة الدولة من اعلى التي كان الغرب قد فبركها قبل 82 عاما، وسحقها في سابقة لامثيل لها على مستوى المعمورة، ودخول ارض الازدواج التحولي كما هو حاصل الان زمن “فك الازدواج” الانقلابي الأعظم، المنتظر منذ اكثر من سبعة الاف عام.
ـ يتبع ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• لقوة الدلالة، لم نلتزم بالعنوان الأول المستعمل في الحلقة الأولى واحتفظنا بالتسلسل الرقمي.
‎2020-‎08-‎09