كيف نضمن النجاح لحكومة هشام المشيشي؟*

اعلية العلاني *

دخل هشام المشيشي رئيس الحكومة التونسية المُكلّف في سباق مع الزمن لتشكيل حكومته الجديدة مستخلصا العبرة من التجارب السابقة ومُدركا أن هذه هي الفرصة الأخيرة قبل الدخول في منطقة الزوابع الدستورية.

1) أبرز الخيارات المطروحة

هناك خياران أساسيان:

– حكومة بشخصيات مستقلة بشكل كامل، يتصف أعضاؤها بالكفاءة العالية والخبرة. ويكون لديها برنامج إنقاذ حقيقي للاقتصاد وتحظى بدعم من المنظمات الوطنية الكبرى والمجتمع المدني وطيف من الأحزاب البرلمانية.

– حكومة بشخصيات مستقلة في معظمها وتكون مُطعّمة بـ 4 أو 5 شخصيات حزبية أو قريبة من الأحزاب بشرط أن تتسم بالكفاءة العالية والولاء للحكومة ولا لتنظيماتها، وتكون مقترحة من طرف رئيس الحكومة، لا من طرف أحزابها، على أساس وزير واحد عن كل حزب بدون أي محاصصة. ومن المُستحسن أن لا يتقلدوا وزارات سيادية. ولا يفرضون على رئيس الحكومة تعيينات في الإدارات المركزية والجهوية، فلرئيس الحكومة الصلاحيات الكاملة في إعادة تنظيم الإدارة على أساس الكفاءة  والاستقلالية لا غير.

وإذا اعتبرنا أن حكومة المشيشي ستتكوّن من 20 وزيرا فقط فإن وجود 4 أو 5 وزراء متحزبين سيجعل الفريق الحكومي أكثر انسجاما لأن رئيس الحكومة لن يختار إلا من له كفاءة حقيقية ونزاهة ونظافة يد. وبذلك يضمن السيد المشيشي دعما واسعا لحكومته. وأعْتبرُ شخصيا الخيار الثاني أكثر براغماتية ونجاعة واستقرارا، أولا، لأنه يُوفر شخصيات كفأة من أعلى طراز يكونُ ولاؤها للحكومة فقط، وثانيا، يضْمن دعما برلمانيا يُسهّل عملية تمرير القوانين وخاصة الإصلاحات المُزمع إجراؤها في المجال السياسي (طبيعة النظام السياسي والانتخابي) والاقتصادي سواء في مجال العدالة الجبائية أو مقاومة الفساد أو إصلاح وضع المؤسسات العمومية الخاسرة.

وإذا تمكّنّا من اختيار السيناريو الثاني فإن ذلك سيساعد بالخصوص على حل معضلة الثروات الوطنية التي اعتبرها نور الدين الطبوبي أمين عام اتحاد الشغل جزءا هاما من الأمن القومي لا يجوز بأي حال التفريط فيه، ووضْع كل الأسس والحوافز والوعود الحقيقية لجعْل الثروات الباطنية وغيرها خيْرا يعُمّ على تلك المناطق المُهمّشة وسائر مناطق الجمهورية. فالمواطن التونسي من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب إذا رأى إجراءات حكومية ملموسة تُسوّي بين كل المواطنين وتلتزم قولا وفعلا بتطبيق التمييز الإيجابي على المناطق المهمشة وتحسين أوضاع المناطق المتقدمة التي كادت تلتحق نتيجة الإهمال بالمناطق المنكوبة، فإن هذا المواطن لن يتوانى عن الاستجابة لما تقتضيه هذه الظروف الصعبة. فالمهم أن لا نكذب على المواطن ونصارحه بالحقيقة، ونُعطي المثل في تطبيق القانون على الجميع ونُجسّم الوعود التي نُطلقها. وحينها يفهم التونسيون ما قاله رئيس الجمهورية قيس سعيد أن من سُبُل نجاة تونس اقتصاديا إيقاف نزيف الأموال المهدورة وتكريس الحوكمة الرشيدة.

2) هل تصبح تونس سويسرا العرب؟

إن موقع تونس الجغرافي كبوابة نحو إفريقيا ونحو أوروبا يسمح لها بأن تحتضن يوما ما أكبر المصارف العربية والإفريقية إذا توفر الأمن والاستقرار الاقتصادي والاستقلال الفعلي للقضاء، والعودة بقوة إلى روح العمل وتطوير الإنتاجية ومواكبة الثورة التكنولوجية والالكترونية التي تُعدّ عماد التقدم الاقتصادي في مرحلة ما بعد كوفيد19، ولدينا كفاءات متميزة في هذا المجال، بعضُها لا يزال في تونس وبعضها الآخر هاجر هربا من انعدام الآفاق. إن هذه الطاقات كفيلة بوضع تونس على سكة الإنقاذ الاقتصادي وزيادة إشعاعها المغاربي والإفريقي والمتوسطي.

وفي الختام أقترح على الرئيس قيس سعيد إنشاء مجلس حكماء يضم كبار المختصين في العديد من المجالات يمدّ رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة بمخلف المقترحات العملية للإصلاحات الأساسية. وحينها نكون قد دخلنا باستحقاق في الجمهورية الثالثة.

في العدد القادم .. كيف نبني الجمهورية الثالثة؟     

أكاديمي ومحلل سياسي – جامعة منوبة

نُشر هذا المقال بصحيفة الشروق 08/08/ 2020 (يومية تونسية مستقلة)

صحيفة ورقية

2020-08-09