الإصلاح الماكروني !

عدنان الساحلي.
هل حقاً ناشدت بعض القوى السياسية اللبنانية والمجتمع المدني، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “العودة إلى الإنتداب”، فأجابهم ماكرون: “لا تطلبوا من فرنسا أن لا تحترم السيادة”!.

الأرجح أن ذلك حصل وهو مروي على لسان الضيف الفرنسي الذي تصرف أمس باعتباره “رب المنزل”. بيد أن أولئك المناشدين لا يمكن إلا أن يصنفوا في فئة أحقر الناس وأهل ذلة ومسكنة. فمن يبخل بالتضحيات لإزاحة حكامه الفاسدين؛ ويستنجد بالمستعمرين لينقلوه من حياة بؤس إلى حياة ذل، لا يستحق الحرية ولا حتى الحياة.

كما أن هؤلاء لا يستحقون أن نذكر أسماءهم، لأن اللبنانيين يعرفون تلقائياً أولئك الذين يحنون إلى زمن المستعمر وتبعيتهم له. فهم أنفسهم أبناء وأحفاد أزلام المستعمر، من بقايا الإقطاع السياسي والديني والزراعي القديم والمستمر. وهم أنفسهم الذين يملأون الدنيا ضجيجاً في الحديث عن السيادة. بل أن أغلبهم لا يفرق في أحاديثه بين دفاع المقاومة اللبنانية عن لبنان؛ وبين إعتداءات الكيان الصهيوني عليه، فيعتبرون الأمرين مساً بالسيادة الوطنية.

بيد أن ماكرون ذاته غير بريء من هذه المسرحية الفجة، فهو تقصد قبل صعوده إلى قصر بعبدا ولقاء رئيس الجمهورية، زيارة حي في بيروت يراه البعض قطعة من باريس، هو منطقة الجميزة بأبنيتها القديمة المشادة زمن الإنتداب؛ وبملاهيها ومحال المشروبات التي تفوقت فيها على شارع مونو؛ وبلكنة بعض سكانها الفرنكوفونية. وقابله هناك من تحضر لاستقباله هاتفاً بحياة فرنسا وماكرون باللغة الفرنسية. وردد أمامه “ثورة …ثورة”. وشتم أم جبران باسيل! بكل ما يمثله ذلك من إنعدام للأخلاق.

وهذه المسرحية الوقحة لم تكن تعني غير القول لميشال عون، أن لماكرون شرعية شعبية لبنانية يستند عليها في مخاطبته وفي ما يحمله معه من املاءات.

المهم أنه جاءنا من فرنسا من يطالب بتحقيق أحلامنا بالإصلاح، لأننا فشلنا في بناء دولة ومؤسسات أقوى من الفساد.

كان لفرنسا في زمن الإنتداب مندوب سامي يحكم لبنان، باسم التفويض الإستعماري الذي كتبه جيشها بقوة النار والحديد عندما إحتل بلادنا وسفك دماء من قاومه من شرفاء هذا الوطن. والآن جاء إيمانويل ماكرون ليقوم بدور المندوب السامي الدولي شكلا والأميركي تحديداً، لفرض “إصلاح” على اللبنانيين، على رأس أولوياته تلبية المطالب الأميركية والرغبات “الإسرائيلية”. وماكرون لم يخف ذلك، فهو قال “أن فرنسا ستنظم مع أميركا والبنك الدولي والاتحاد الاوروبي مؤتمراً عالمياً بهدف دعم المساعدات المالية للبنان”. فهل تخلت أميركا عن شروطها بأسرلة لبنان وأوقفت حصارها له، أم أن فرنسا إنضمت إلى قانون قيصر الأميركي، في جوانبه اللبنانية؟

ماكرون الفاشل في فرنسا، الذي ضجت المدن الفرنسية جميعها بتظاهرات أصحاب “السترات الصفر” ضده. وأنقذته جائحة كورونا من تواصلها. جاء إلى لبنان ليعطي أوامر للرؤساء الثلاثة. وليعلمهم كيف يحكمون. ويعطيهم مهلة حتى أيلول المقبل، ليعرف ردهم على ما أملاه عليهم. والثلاثة لم يصدر عنهم حتى الآن، ما يفيد برفضهم أوامر رسول الإستعمار القديم والجديد، خصوصاً بعد الهجوم الذي تلقاه رئيس الحكومة حسان دياب، من الذين تعودوا على الذل والخنوع ولم يعرفوا معنى للكرامة الشخصية والوطنية، فصوبوا عليه وأسمعوه معزوفاتهم اللا أخلاقية، لأنه تصدى لوزير خارجية فرنسا وأفهمه أنه رئيس حكومة لبنان ولا يتلقى أوامر منه مثلما عوده آخرون.

ماكرون في زيارته الإصلاحية الخاطفة، قال: “لا بد من بناء نظام سياسي جديد والتغيير الجذري مطلوب ولن يمنح لبنان شيكا على بياض”. وأضاف: “يحتاج لبنان إلى إطلاق اصلاح سياسي وما نطرحه هو إصلاحات سريعة”. وهدد المسؤولين بالقول: “ليس مستبعدا كلياً فرض عقوبات على مسؤولين لبنانيين”.

والمشكلة، أن الإصلاح الماكروني، بعد تخطي إهاناته التي طالت الدولة والحكومة، يتعاطى مع النتائج ولا يلمس الأسباب في علة النظام اللبناني الذي صنعته فرنسا. بدءاً من نظام المتصرفية ونظام القائمقاميتين. وصولاً إلى تشكيل لبنان الكبير وفق شروط واعتبارات رفضها أغلب اللبنانيين. فعلة لبنان ليست في مشاكل الكهرباء والمياه وباقي المؤسسات التي ذكرها. وليست حتى في الفساد المعشش في بنية الدولة والنظام. فهي نتائج. أما الأسباب فهي في إستحالة محاسبة الفاسدين بفضل الحمايات الطائفية الموفرة لهم. والمشكلة تكمن في مرجعيات الطوائف، سياسية وغير سياسية. فهي التي تتراس مافيات الفساد وتعيّن الفاسدين في مناصبهم الوزارية والإدارية. وتحميهم من المحاسبة وتتحالف مع أصحاب المصارف، الذين ساهموا في نهب أموال الدولة بالفوائد الخيالية التي حصلوها، لقاء تقديم ديون لحكومات السرقة والنهب والفساد، التي إنطلقت على غاربها بعد إقرار إتفاق الطائف.

ولم يراع ماكرون الحكم والحكومة عندما قال أنه “سيعمل على إيصال المساعدات مباشرة للمتضررين والمنظمات غير الحكومية”.وطالب “الحكومة والرئيس باعادة بناء ميثاق لبناني جديد”. وتابع: “أقول للشباب اللبناني أننا سنكون إلى جانبكم في مرحلة ما بعد تقديم المساعدات”. و”سنعمل على الإستجابة المالية لاحتياجات الشباب اللبناني”.

وإذا كان هذا إعتراف فرنسي بانطواء عمر ومفعول الدستور الحالي، فما هو هذا الميثاق الجديد الذي يريده ماكرون وسيشكل تراجعاً عن إتفاق الطائف، الذي لم تقبل قوى لبنانية أساسية تطبيق كامل بنوده، خصوصاً الغاء الطائفية السياسية وإحلال الكفاءة مكان المحاصصة في الوظائف الدنيا؟

فهل نحن أمام إستعمار جديد تحت ستار التعاطف وتقديم المساعدة، أم تبديل في الأسلوب لتحقيق ما عجزت الضغوط والعقوبات الأميركية عن تحقيقه؟
‎2020-‎08-‎08