تباشير نهاية زمن انحطاط الانحطاط؟/1!

عبدالاميرالركابي.
تتزايد العلائم المنبهة لظاهرة تردي وانتهاء بقايا أسباب استمرارية زمن انحطاط الانحطاط، او زمن ” الانحطاط الثاني” الذي حل على منطقة الشرق المتوسطي، او دائرة احتشاد الأنماط المجتمعية، وكانت هذه قد عرفت حالة من حالات “الانقطاع” ولحظة التردي، استمرت من سقوط بغداد على يد المغول في القرن الثالث عشر، بعد انتهاء الدورة الإمبراطورية الازدواجية الرافدينية العباسية القرمطية الانتظارية، وعودة قانون الدورات والانقطاعات للعمل في نهاية الصعود الكوني الشرق متوسطي الثاني، اثر الثورة النبوية الختامية المحمدية الجزيرية في القرن السابع.
وكما تدل المتواليات الناظمة للعملية التصيرية التفاعليه على مستوى المعمورة، وبالأخص على بؤرتها الحيوية في حوض البحر المتوسط، فلقد كانت نهاية الصعود الامبراطوري الازدواجي الثاني، قد أوحىت وأشارت، فاتحة الباب باتجاه طور كان مازال منتظرا منذ وجدت المجتمعات بصيغتها التحولية الازدواجية في ارض سومر جنوب ارض الر افدين، قبل ان تتحول الى كيانية مجتمعية تحولية ازدواجية، بينما كان نهوض الغرب الحديث، وانتقاله الالي البرجوازي قد حل أخيرا منذ القرن الثامن عشر، مع الثورة الصناعية وصفحتها الأولى المصنعية، السابقة على التكنولوجية، الامر الذي انتهت عنده تمخظات مابعد القرن الثالث عشر، واثار الدورة الثانيه الشرق متوسطية، وفعل النظام العالمي الريعي التجاري وعاصمته بغداد، وصولا لقرون عصر الانوار والثورة البرجوازية التجارية قبل الصناعية الاوربية.
ومع التحول الكبير الأوربي الحديث، ومارافقه من انقلابيه شامله في المجالات المختلفة، وبمقدمها نموذج الدولة، والأفكار المتصلة بها، عدا الثورة في مجالات العلوم والصناعة، فلقد تهيأ للنموذج الغربي المستجد، الغلبة والهيمنه على مستوى المعمورة باعتباره نموذجا اعلى وممكنا وحيدأ متفقا مع قوانين التاريخ والتصيبر “الحضاري” البشري، والمطمح الشامل الاخذ باحلام وتمنيات الأمم على مستوى المعمورة، بغض النظر عما رافق الصعود المذكور من الام، ومن فظاعات الهيمنه والاستعمار،ومن حروب أودت في القرن العشرين بقرابة 70 مليون انسان، يضاف لهم مايقاربهم عدديا من السكان الأصليين الأمريكيين في القارة المكتشفة حديثا، عدا وضع البشرية على حافة الزوال، وماقد وجه للعملية المنتجية من ضربة قاضية، ازالت من تضاعيفها عنصر التوافق المجتمعي/ الإنتاجي، غير ما القته على العقل والافكارممالم يكن واردا تخيله، من وطاة الجمود الايهامي الايديلوجي، والاعلامولوجيا الموجهه، والتلاعب برغبات الانسان وميوله وصناعة حاجاته توهما، وصولا لتعريض الحياة على الكوكب الأرضي برمتها للخطر.
وكل هذا بالطبع يوازن عادة بالكفة المقابلة الانجازية، مادام الحال ابعد من ان يتمخض بعدعن مخرج يتناسب وضرورات من صنف دال واقعيا على مؤقتية وضرورة اللحظة الاوربية الحديثة، عدا ماكان اعتبر حلا من داخلها، تمثل لفترة بخيار الاشتراكية، الذي انتهى هو الأخر الى الراسمالية، والى الخروج عمليا وكامكانية من دائرة الاستعمال المبرر نظريا وواقعيا.
وكل هذا كانت له طبعته على الضفة المقابلة من المتوسط، الطرف الشرقي ضمن منطقة التبادلية في الأدوار القيادية على صعيد المنجز، ابتداء من بدء المجتمعية بالرافدينية، وطورها الأول السومري البابلي الابراهيمي، ثم روما الاوربية وريثتها بحسب المؤرخين الاوربيين انفسهم، وصولا الى بغداد ووريتثها النهضة الاوربية الصناعية الحداثية (1) التي انبثقت ابان قمه الانحدار الشرق اوسطي، لدرجة بلوغه القعر المؤدي للشلل على الصعيدين، العقلي والروحي معا، ماجعل من انعكاسات الصعود الغربي، تاخذ شكلا من ازدراء الذات ولوي ذراعها باستخذاء لايليق بموضع مثل الذي نتحدث عنه على الاطلاق، لكي يصبح، او يجعله أبناؤه متماهيا منقادا لنمط غيره، من خارجه.
ولايجوز بالطبع اعتبار تلك اللحظة التي دامت قرنين من الزمن واكثر، متلبسة اسما عجيبا هو”عصر النهضة”، من قبيل الحصيله، او الفعل الواعي المقصود من قبل دائرة عقلية حضارية سليمة، بلا وطاة اثار الانهيارالطويل، ومفردات التردي الاستثنائي، ومايمكن ان يصدر عنه وبسببه، بالاخص اذا عنينا موضع الفعل الأكثر حضورا وتقدما في الزمن النهضوي المخزي الزائف، وبؤرته الأكثر “محورية” كما هو حال مصر، اضعف كيانات منطقة الشرق المتوسطي فعالية ودينامية تاريخيه(2) عاشت قرونا من العهد العثماني، راضخه مستسلمه استسلام الأموات، يتوالى على حكمها بفرمان من السلطان، اكثر من 150 من الولاة، قبل ان ترضخ لارادة رجل من خارجها، جاءها من البانيا من دون قوة ولا جيش فاتح، اعقبتها بعده فترة من 70 عاما تحت الاحتلال الإنكليزي، ، لتصبح صدارة عالم نهضة وهمية متخيله، مصاغة وفق قواعد الانفصام النفسي الكلي. تف الى جانبها وتكرس طليعيتها منطقة ساحل الشام، الساحة المفتوحة على مر التاريخ بوجه الامبراطوريات، وموضع اللاذاتيه، واللاممكنات وطنيه.
واغرب ماعرفته الفتره مدار البحث اضطلاع مسيحيي ساحل الشام، ومع تدني تمخظاتها الممكنه بنيويا على صعيد التشكل الوطني، بتوليف نظريات في “القومية العربية” على النمط الغربي، قالبين معنى ودلالة وموقع الإسلام الجزيري في التاريخ الشرق متوسطي والشرقي عموما، وماسخين فعاليته كحافز للدورة الثانية التاريخية الكونية على مستوى المنطقة والعالم، الامر الذي سيفضي وافضى عمليا لخضوع المنطقة لوطر من التاريخ صعب الوصف، او التشبيه باية من حالات الإصرار على خيانه الذات، مع تكريس الاعتقاد، بان مايجري تبنيه وتسويقه من مشاريع وتصورات هو “العصر”، والغاية المستهدفة، والممكن الذي لايمكن بل لايجوز التفكير بغيره في حال كان المطلوب مماشاة العصر ومقتضياته، والتواؤم مع ما ينطوي عليه من انقلاب وثورة على الصعد المختلفه.
ومن اهم ماامتاز به الطور المرضي المنوه عنه، انه لم ينم في اية حالة كانت عن اية ” احتمالية” أخرى، ولا عن اشتراطات مغيبه متروكة خاصة، او متعذر الوصول لها، على منقلب اخرمواز كانت مناحي العجز نفسها تؤدي الى السلفية، والى طلب الماضي في الحاضر، لا الياته والأسباب التي ولدته في حينه، / وان الهيا/ قبل ان تفضي الى وتقرر توقفه وانقطاعه، فكان طلب الثورة المحمدية الجزيرية مكررة اليوم، دالة كبرى، ومكملا يكرس الى النهاية، موت العقل الحي، ويلغيه (3) مايجعل من ظاهرة النكوص العقلي الكبرى الانحطاطية المضاعفة، محالة الى ماوراء، وخارج المواجهة مع الحاضر الأوربي ونهضته الحديثة، فالعفل المقصود ان وجد افتراضا وموضوعيا، انما كان يقف بالأساس دون ذاته، وعلى مبعدة من عتبة كينونته غير القابلة للاحاطة، بعد دورتين تاريخيتين، امتازتا بالتعبير الالهامي النبوي الحدسي للتعذر، ولعدم قدرة العقل آنذاك على الإحاطة ومن ثم التعبيرعن الذاتية المتعذرة، بالوسائل العليّة.
ـ يتبع ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في مقال /(الوطن/ كونية) العراقورافدينيه الثانية/1؟ اوردنا النص التالي كهامش نستعيده هنا :”لهذا قدر الله الملك في هذه المواضع وهذه الأمم في الدنيا ارباعا: البابلي في الشرق، والقرطاجي في القبله. والمجدوني في الجوف ( الشمال)، والروماني في الغرب، وكان بين السلطان الأول بابيل، والسلطان الاخر وهو سلطان رومه، فشبه السلطان الأول ـ وهو السرياني ـ بالوالد الموروث وشبه السلطان الاخرـ وهو الروماني ـ بالولد الوارث، واما الافريقي والمجدوني فانهما شبها بالوكيلين على الملك حتى كبر الولد الواجب له الميراث، وسافسر ذلك ان شاء الله”/تاريخ العالم/ اوروسيوس/ ترجمه قديمه حققها وقدم لها الدكتور عبدالرحمن بدوي/ ص 167 .
(2) ليست مصر موضع دينامية خارجه عن حدودها المحلية، وفيما عدا الطور التاسيسي الأول من تاريخها المحلي الصرف، فانها عاشت كمجتمع احادي دولة في حال اجترار وتكرار لنمطها، مع انعدام الفعالية الذاتيه الفائضه، والرضوخ المستمرللخارج، ولتوالي السلالات والحكومات التي تمسك برقبتها من اعلى، فلم تكن ابان الدورة الثانية حاضرة باي شكل، وكانت خاضعه للفتح الجزيري الاولي أولا، وللفتح العراقي الفاطمي ثانيا، ثم الايوبي القادم من جهة العراق، قبل ان تنام تحت وطاة المماليك والعثمانيين، دون تعرف اطلاقا أي ملمح خاص دال على اية علامات تمخض ذاتي( خارج ايحاءات ضخامتها حجما وموقعها الحساس)، او شبح نهوض او تبلور من أي نوع كان، حتى مجيء محمد علي بداية القرن التاسع عشر.
(3) ترهات من نوع تلك التي كان يرددها جمال الدين الافغاني، اوحت لعبدالله العروي بالقول بان الافغاني “عبقرية حقيقية” / راجع “الايديلوجيا العربية المعاصرة” عبدالله العروي / دار الحقيقة للطباعة والنشر ـ بيروت/ ط1 1970/ ص60 ومابعدها.
‎2020-‎08-‎07