“بيت العنكبوت” إذْ يعرِض المُساعدات على لبنان!

زهير أندراوس.
أولاً: على مدار 72 عامًا استطاعت إسرائيل إجراء عملية غسيل دماغ مكثفّة للرأي العّام العالميّ والمحليّ، “أقوى دولة في الشرق الأوسط وأكثرها تطورًا، أعتى جيش في المنطقة، هذا الجيش القادر على إلحاق الهزيمة بالجيوش العربيّة مجتمعة، واحة الديمقراطية في صحراء الدكتاتورية العربيّة”. وخلال وإبان وبعد العدوان على لبنان في صيف العام 2006 بدأت هذه “الأسطورة” تتهاوى وتتحطم، وتمكّن حزب الله بقوته المتواضعة، مقارنةً بجيش الدولة التي تتبوأ المكان الرابع عالميًا في تصدير الأسلحة، تمكَّن من تحطيم الدوكترينا التي وضعها مَنْ يُطلق عليه الصهاينة لقب مؤسس الدولة العبرية، دافيد بن غوريون، والقائلة إنّ حروب إسرائيل يجِب أنْ تدور رحاها في أرض العدوّ، ومن ناحيةٍ أخرى، يجب أنْ تُحسَم لصالحها خلال أيامٍ معدودةٍ. العدوان جعل بن غوريون يتقلّب في قبره: الجبهة الداخليّة الإسرائيليّة، تحوّلت إلى ساحة معركة، لأوّل مرّة في تاريخ الكيان اضطر أكثر من مليون مواطن من الشمال بالنزوح أوْ بالهروب إلى مركز الدولة الآمن من صواريخ المقاومة، الحرب، خلافًا لنظرية مؤسس الدولة، استمرت 34 يومًا، ولم تُحسم: إسرائيل لم تنتصر، حزب الله لم يُهزم.
***
ثانيًا: كانت حرب لبنان الثانية علامةً فارقةُ ومفصليّةً في تاريخ النزاع الدمويّ بين الحركة الصهيونيّة، ممثلةً بصنيعتها الدولة العبرية، وبين الأمّة العربيّة. بدأت الأسطورة تتحطّم، أسطورة الدولة التي لا تُقهر، وحاولت إسرائيل احتواء الأزمة، فابتكرت المبررات وساقت التسويغات وشكّلت لجان التحقيق، ولكن بعد مرور عدّة سنوات على “المغامرة غير المحسوبة”، كما يقول عرب الاعتدال والتطبيع، التي خاضتها المقاومة اللبنانيّة، بقيادة حزب الله، وتحديدًا في الثاني من كانون الثاني (ديسمبر) من العام 2010، تبيّن أنّ عصر الهزائم قد ولّى قولاً وقلبًا وقالبًا، وظهر واضحًا وجليًا أنّه لا حاجة بعد اليوم للصواريخ والقذائف، ولا للأسلحة التقليدية أوْ غير التقليدية: عود ثقاب، مصحوبًا ومدعومًا بغضب الأرض على ساكنيها، وبإحجام السماء الزرقاء، كان كافيًا لكشف حقيقة دولة الاحتلال: واندلع الحريق الأكبر والأشد قسوةً في تاريخ إسرائيل، بالكرمل، فأتى على الأخضر واليابس، وكشف للعالم برمتّه، من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه، عن عورات هذه الدولة، ولم تشفع لهم لجان التحقيق، ولم يُساعِدهم مهرجان تبادل الاتهامات في ما بينهم، فالحقيقة ناصعة، ومئات آلاف الدونمات المحروقة في الكرمل غير الشامخ، أكبر شهادة، أصدق تأكيد، وتأكيد أصدق، على أنّ إسرائيل، وتحديدًا جبهتها الداخلية تُعاني من عاهةٍ مستديمةٍ، إنّها غير جاهزة للحرب، كما أركانها ليسوا على استعداد للسلام ووقف سفك دماء الأبرياء بالأسلحة الفتّاكة والمحرمّة دوليًا.
***
ثالثًا: الجنرال موشيه بوغي يعالون، وزير الأمن الأسبق قال في كتابه (سبيل طويل قصير) إنّ عرفات شكّل تهديدًا إستراتيجيًا على الدولة العبرية، لافتًا إلى أنّه كان يؤمن بأنّه يجب القضاء على إسرائيل عن طريق عاملين: الأول العامل الديمغرافي، والثاني العامل “الإرهابي”، أيْ المقاومة، وعليه فهو لم يتنازل ولو مرّةً واحدةً، بحسب يعلون، عن الإرهاب ضدّ الدولة العبريّة، لافِتًا إلى أنّ عرفات استخدم اتفاق أوسلو كمحطةٍ في طريقه لإبادة إسرائيل، موضحًا أنه تبنّى نظرية خيوط العنكبوت قبل حسن نصر الله وقادة إيران والأسد. وبحسبه فإنّ نظرية خيوط العنكبوت تقول إنّ إسرائيل هي دولة عظمى من الناحية العسكرية، ولكنّ المجتمع اليهوديّ في إسرائيل هو مجتمع لا ينقصه أيّ شيء، وعليه فإنّه لا يريد خوض الحروب، وبالتالي فإنّه بموجب هذه النظرية، يقول يعلون، آمن عرفات وبعده نصر الله ومن ثم الرئيس الإيرانيّ أنّ الدولة العبرية هي مثل خيوط العنكبوت، فمن الخارج تراها قويّةً، ولكن عندما تدخلها تكتشف أنّها ضعيفة جدًا وتتفكك. وباعتقادنا جاء حريق الكرمل ليؤكِّد بشكلٍ غير قابلٍ للتأويل بأنّه لا حاجة لعملياتٍ عسكريّةٍ ضدّ إسرائيل لتحويل النظرية العنكبوتية إلى واقعٍ، ولا غضاضة في هذه السياق تذكير يعلون وَمَنْ لف لفه بقول الله تعالى في كتابه الكريم:”مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ” (سورة العنكبوت).
***
رابعًا: جميع المحللين الإسرائيليين، على مختلف انتماءاتهم صبوا جام غضبهم على تقصير وإهمال حكومات إسرائيل المتعاقبة في كل ما يتعلق بسلطة المطافئ والإنقاذ، سيارات ملائمة للمتاحف تُستعمل للإطفاء، وأدوات أكل الدهر عليها وشرب تستخدم لإخماد الحرائق، ورئيس الوزراء توجّه شخصيًا إلى زعماء الدول مستنجدًا ومناشدًا ومطالبًا المساعدة، وعن هذا قيل سبحان مغيّر الأحوال، إسرائيل بجلالتها وعظمتها تلجأ إلى قبرص وتركيا وبريطانيا وفرنسا للحصول على مساعدات في احتواء (الكارثة الوطنيّة)، تستأجر أكبر طائرةٍ في العالم من حليفتها، أمريكا، للسيطرة على حريق اندلع في الجبل، مُقابِل نصف مليون دولار رسوم استئجار وتأجير.
***
خامسًا: أين سلاح الجوّ الإسرائيليّ، الذي يتباهى به كل صهيونيّ ولدته أمّه، وشبع حليب العنصرية وتشبّع بكراهية جميع الناطقين بالضاد؟ كتبوا عن الإهمال، أسهبوا في شرح التقصير، ولكنّهم جميعًا وبدون استثناء لم يضعوا الأصبع على الجرح النازف: ماذا سيحدث لنا ولهم، لنا في الداخل، ولنا العرب في الوطن العربيّ، لو اندلعت، كما يُهددون، حربًا شاملةً، يتّم خلالها، حسب السيناريوهات التي تُعدّها مراكز أبحاثهم، استعمال الأسلحة غير التقليدية: أيْ بصريح العبارة الكيمائيّة والبيولوجيّة والنوويّة؟
***
سادسًا: للتنويه فقط نُذكِّر في هذه العجالة أنّ رأس الأفعى، أمريكا، قصفت بالقنبلة النوويّة في العام 1944 مدينتي هيروشيما وناغازاكي في اليابان، أيْ قبل 76 عامًا، وحتى اليوم ما زال الأطفال يولدون في المدينتين مع عاهات، لا نريد أنْ نتخيّل، كَمْ تقدّم العلم والتكنولوجيا منذ ذلك الحين وحتى اليوم، وكمْ باتت الأسلحة النووية فتاكّة، هذا هو مربط الفرس، وهنا بيت القصيد.
***
سابِعًا: عندما قال وزير الأمن، إيهود باراك، إنّه إذا أقدمت إيران على مهاجمة بلاده، فإنّ إسرائيل سترد وتُعيد الجمهورية الإسلامية عشرات السنين إلى الوراء، مُضيفًا أنّه لن يبقى في إيران مَنْ يعد ومَنْ يحصي الجثث، ولكن ما لمْ يقله وزير الأمن، ماذا سيحدث لدولته وماذا سيحِّل بسكانها؟ ونكتفي في هذه العجالة بالتنويه إلى أنّ مركز الأبحاث الأمريكيّ (سابان) نشر مؤخرًا دراسةً إستراتيجيّةً أكّد من خلالها على أنّ 800 ألف مواطن إسرائيليّ سيلقون حتفهم في حال اندلاع حربٍ بين إسرائيل وإيران.
***
ما قبل النهاية أوْ ما بعدها: الحقّ، الحقّ أقول لكم، قال السيّد المسيح عليه السلام، ونحن نُردد وبصوتٍ عالٍ، بدون صعوبة في التنفس والتنفيس جرّاء تلويث الجو: لمْ نفرح بحزنهم، لمْ نحزن بفرحهم، لمْ ولن نفرح بفرحهم، وبطبيعة الحال لا نحزن بحزنهم. وعلى النقيض، نميل إلى الترجيح بأنّ مقولة الرفيق لينين تنطبق على وضع الدولة العبريّة: “عندما تتكرر الكذبة بما فيه الكفاية تتحوّل إلى حقيقة”.
كاتب فلسطيني
‎2020-‎08-‎07