ظاهرة الدكتور مشالى: محاولة للفهم!


عبد الله السناوي.
لم يخطر ببال ذلك الطبيب الريفى، الذى وهب علمه لعلاج الفقراء والمعدمين دون مقابل مالى، أو بأجر رمزى، أن يحظى بتكريم، أو شبه تكريم، فى حياته، أو بعد رحيله.
ولا خطر ببال أحد أن يمثل موته صدمة عامة تمددت أصداؤها بعيدا، فهو رجل من عامة الناس يطلق عليه لقب «طبيب الغلابة»، اكتشف دوره الإعلام بمصادفات التغطيات المهنية قرب انتهاء رحلته فى الحياة.
تجربته تحولت إلى أمثولة شعبية جماعية على شبكات التواصل الاجتماعى، كأنها مستوحاة من عالم الأساطير القديمة، التى لا تكاد أن تصدق.
كان وداعه مهيبا كنجم فوق العادة، والناس بالكاد سمعت عنه متأخرا.
بقوة المشاعر التلقائية تمددت ظاهرة الاحتفاء به إلى مناطق أخرى فى العالم لم يكن بوسعه أن يزورها سائحا، ولا متاحا أن يدعى إليها ضيفا.
تبارت حكومات أوروبية وعربية فى الإشادة بمآثره الإنسانية، وإصدار بيانات عزاء للشعب المصرى، كأن ركنا فيه قد تهدم، دون أن يكون ممكنا أن تطل على تجربته فى مدينة نائية وتستقصى جوانبها.
وجدت مؤسسات الدولة، أن من واجبها أن تشارك فى العزاء، الأزهر الشريف بدأ مبكرا بالالتفات إلى قيمة عطائه الإنسانى ومجلس الوزراء نعاه ببيان مطول قال فيه: «إنه نسيج وحده فى الإنسانية والإيثار».. و«مثلا أعلى للأطباء الشبان».
المعانى تصدرت مشهد رحيله، وفرضت تكريما يصعب أن تحوزه أية شخصية مصرية أخرى من التى تحتل الواجهات العامة.
كانت تلك مفارقة كبرى فى قصة حياته، التى قضاها منسيا ومجهولا.
أول تفسير ممكن لظاهرة الدكتور «محمد مشالى»، التى تبدت عند رحيله، قوة النموذج الإنسانى، الذى يلهم فكرة العطاء والحنو على المرضى الفقراء دون دعايات وإعلانات وطلب تبرعات.
هو مواطن بسيط بالغ البساطة من عامة الناس العاديين، عيادته كمظهره، رائحة الفقر تطل عليها، هو نفسه يشبه مرضاه، يمضى فى الشوارع شبه منحنى بأثر السنين، حاملا حقيبة داخلها بعض الأدوات الطبية والأدوية التى قد يحتاجها من لا يستطيعون شراءها.
كاد ألا يلتحق بكلية الطب لظروفه المالية العائلية القاسية، لولا مجانية التعليم الجامعى، التى تصادف إعلانها قبيل التحاقه مباشرة بها.
وهب نفسه منذ بواكير حياته لقضية علاج الفقراء، الذين يحتاجونه دون أن تمكنهم ظروفهم من الحصول عليه، تعاطف مع مرضاه، توحد مع آلامهم، وحاول مساعدتهم بقدر ما يستطيع.
لم يكن ضليعا فى علمه، ولا مكنته ظروفه من الحصول على دراسات عليا فى الطب، أو الالتحاق بجامعات غربية تنمى معارفه وقدراته، ولا له دراسات وأبحاث منشورة فى الدوريات الطبية الدولية، ولا حضر مؤتمرات عالمية، شأن الأطباء الكبار، لكنه فاقهم جميعا بقوته الأخلاقية، بتفانيه فى خدمة من لا يقدرون على الذهاب لعياداتهم، أو دفع أتعابها الباهظة.
إنها القوة الأخلاقية قبل وبعد أى شىء آخر.
تكاد ظاهرته أن تستلهم تجربة «الأطباء الحفاة»، التى شاعت فى الصين بعد ثورتها بقيادة «ماو تسى تونج» أواخر أربعينيات القرن الماضى.
كان الفلاحون الصينيون، الأغلبية الساحقة من السكان، يرزحون تحت وطأة ضربات الذباب والأفيون والأمراض المتفشية، دون علاج، أدنى علاج يساعدهم على تخفيف آلامهم.
«الأطباء الحفاة»، هم فلاحون تلقوا تدريبا يؤهلهم لتوفير الخدمات الصحية الضرورية للمناطق النائية، التى تغيب عنها المستشفيات الحديثة.
نفس الدور، بصيغة معدلة، لعبه الدكتور «مشالى».
هو طبيب محترف، حاول بقدر ما يستطيع بمجهود فردى سد العجز فى الرعاية وتوفير أبسط الخدمات الطبية.
لم يعمل ضمن منظومة ووهب نفسه لمساعدة الآخرين.
كانت تلك قوة أخلاقية استثنائية نادرة وضعته فى مصاف آخر.
ثانى تفسير ممكن، الحاجة إلى رد اعتبار مهنة الطب كمهنة إنسانية نبيلة.
عبر الدكتور «مشالى»، دون صخب عن نموذج يحتذى به، فى مواجهة منطق العلاج الخاص والمستشفيات الاستثمارية، التى تلتزم الربح قبل أى اعتبار آخر.
تجربة وباء «كورونا» المستجد بظلالها الثقيلة وأرقام ضحاياها استدعت تساؤلات عن مدى جاهزية المنظومة الصحية وكفاءة القائمين عليها وأولوية الصحة فى الموازنة العامة، التى تستدعيها احتياجات المواطنين المتزايدة فى طلب الرعاية والعلاج.
تبدى تناقض فادح بين عطاء الأطقم الطبية وتضحياتهم داخل المستشفيات العامة فى ظروف غير مواتية لإنقاذ حياة المصابين بالوباء وبين من يشترطون دفع مبالغ باهظة، فوق طاقة الطبقة الوسطى باختلاف شرائحها، للعلاج فى المستشفيات الاستثمارية.
كانت وزارة الصحة شبه عاجزة أمام المستثمرين الصحيين، وفشلت فى إلزامهم بلائحة مصاريف علاج معتمدة من وباء «كورونا».
هكذا تأكدت قيمة الدكتور «مشالى» وأمثاله من الأطباء، الذين دفعوا حياتهم ثمنا لحياة الآخرين.
ثالث تفسير ممكن، إنه بشخصه وظروفه بدا مثالا للإنسان العادى، تبدت قوته فى عاديته المفرطة، تصرفاته الصادقة وتصريحاته العفوية.
هو رجل يشبه أى مواطن آخر ممن يطلق عليهم عادة «ملح الأرض» ــ الذين يعملون باجتهاد فى مواقع الإنتاج، والعمل دون تكريم، ويضحون فى الأزمات والحروب دون أوسمة.
لم يكن أول من أطلق عليه صفة «طبيب الغلابة».
هناك أطباء آخرون يلعبون الدور نفسه بعيدا عن أضواء الإعلام.
أتاحت ظروفه قرب نهاية حياته أن يلخص فى شخصه معانى كل التضحيات التى تبذل فى صمت.
فى التاريخ المصرى المعاصر أطلق اللقب نفسه على طبيبين يساريين راحلين.
أولهما، الدكتور «على النويجى»، وكانت تجربته ملهمة بتزاوج بين العمل التعاونى الزراعى والعمل الطبى التطوعى حين قاد فى بلدته حملة تطعيم للفلاحين ضد وباء الكوليرا عند نهايات ستينيات القرن الماضى.
وثانيهما الدكتور «حمزة محمد البسيونى»، الشخصية الحقيقية للدور الذى لعبه الفنان الراحل «رشدى أباظة» فى فيلم «لا وقت للحب»، حيث تفرغ تقريبا بعد جلاء القوات البريطانية عن مصر، التى حاربها فى الإسماعيلية والتل الكبير ضمن جماعات الفدائيين بعد إلغاء معاهدة (1936) إلى قضيته كطبيب يعنيه الفقراء وحقوقهم فى تأمين صحى حقيقى.
كلاهما «النويجى» و«حمزة» شارك فى العمل السياسى ودخل المعتقلات فى عهود وأزمان مختلفة.
لم يكن «مشالى» من نفس القماشة السياسية، ولا عرفت عنه أية انتماءات فكرية تتجاوز إعجابه بالامتنان بـ«جمال عبدالناصر»، الذى وفر له فرصة التعليم الجامعى المجانى.
هكذا تبدت قوته فى عاديته، كأنه مرآة لبطولة الإنسان العادى، الذى يعطى للحياة معناها.
‎2020-‎08-‎04