صناعة بَطَلْ .. من مادة معطوبة !
عارف معروف.
” فقط اعطني صحيفتين يوميتين واسعتي الانتشار ومجلة اسبوعية مشهورة وانا اتعهد لك بأن اجعل من اول تافه اقابله في عرض الطريق ، بطلا تلتف حوله الجماهير ” !
هكذا كان يقول ج. بريستلي احد خبراء الاعلام والمتلاعبين بالعقول في الاربعينات من القرن الماضي ، حينما كانت الجريدة والمجلة من وسائل الاعلام والتوجيه المؤثرة وربما الوحيدة ، اذا استثنينا الاذاعة التي لم تكن ، في الغالب ، متاحة لغير الحكومات ….
ماذا سيقول السيد بريستلي لو كان حيّا اليوم وامتلك قناتين فضائيتين واسعتي التأثير اضافة الى بضعة مواقع الكترونية والعديد من صفحات التواصل الاجتماعي الممولة مع امكانية تسخير مجموعة من الكتاب والاعلاميين و” المثغفين ” و ” الناشطين ” الحنقبازية ؟!
اغلب الظن انه سيصنع آلهة ولا يكتفي بصناعة الابطال ، خصوصا ، في ارض خصبة ومستوى مشوش من الوعي بفعل اشتغال مراكز ضخ اعلامي وغسيل ادمغة لا تعرف الصدق ولا الضمير طوال سنين ؟!
*******
حينما بدأوا عملية تفكيك الاتحاد السوفيتي وتحطيم روسيا جاءوا بيلتسن ، التافه والمدمن ولكن على الاقل العضو السابق في القيادة الحزبية الروسية ، وسلموه مقود روسيا باسم الديمقراطية والحريات وسط ارض خصبة ووعي مشوش ، ايضا ، واستثمار ذكي لكل سلبيات واخفاقات الحقبة السوفيتية السابقة عموما والوضع الروسي على وجه الخصوص وابتدأت حكاية ” البطل يلتسين ” فكان كل ما يقوم به مأثرة وبطولة بل ومعجزة تبشر باستعادة امجاد روسيا وانفتاح سبل الحياة الرغيدة وجريان انهار العسل في ارضها ” المجدبة ” طوال العهد السوفيتي الكريه . حتى قصفه للبرلمان الروسي بالدبابات تحول الى ” مأثرة ديمقراطية” ضد البرلمان ” الانقلابي ” تغنى بها تلامذة بريستلي وجوق الحنقبازية ليس في روسيا فحسب بل وعلى امتداد الكرة الارضية …. الم نكن امام البطل يلتسين وصناعة غسيل الادمغة والتلاعب بالعقول وامكاناتها الجهنمية !
******
امس ابتدأت لدينا تجربة ” رائدة ” لصناعة الابطال ، تجربة صغيرة ومبتدئةعلى ” كد حالنا ” لكنها سرعان ما عكست كل تشوشنا وحيرتنا وعجز امكاناتنا واخرجت مكنوناتنا على نحو سريع ويكاد يكون فضائحي ، وهذه هي مشكلة الصغار والمبتدئين حينما يحاولون تقليد الكبار !
كان يمكن الاكتفاء بالتركيز على قضية ” محمد ” فتى الفديو المسرب المسكين ، والبناء عليها باعتباره ضحية ، وهو ضحية فعلية لاستهتار وجهل وتجاوز واضح ومؤكد ومدان ، لكن الاستثمار اراد ان يتوسع في رقعة ارض صغيرة وغير كافية فشرع بمحاولة تحويل ” محمد ” الى بطل ورمز ولافته وسط موجة كراهية وتحريض غير مسبوقة تجاوزت القضية برمتها الى مستويات اوسع بكثير شملت المجتمع والكثير من رموزه وقواه وتاريخه تصدى لها حثالة ومرتزقة مكشوفين ومستورين ولفوا في سورة صراخهم لا مشبوبي العواطف من الشباب فقط بل وبعض الناس الصادقين حقا ، لكن المادة او الخامة المتاحة لصناعة البطل لم تكن مناسبة بل وكانت مخيبة للتوقعات فعلا !
لقد أُرسل في طلب محمد فتبين انه موقوف حاليا عن تهمة سرقة دراجة ، فتطوع البعض و” البعضات ” الى التبرير ورمي اطواق النجاة بالقول ان الموقوف عن تهمة السرقة في مركز مكافحة الاجرام هو ” حامد ” اخو محمد وليس بطلنا الضحية ، لكن عمه اوضح بصريح العبارة امام السيد سعد معن الموسوي وهو يستلم ابن اخيه منه بعد اطلاق سراحه ( تدخل مجلس القضاء لهذا الغرض واستُدعي المشتكي حسب ما فهمنا من تعليقات السيد معن ، والذي ربما تم الضغط عليه لكي يرفع الاشتباه عن المتهم ، حسب ما اتوقع ، اي يكذب ويدلي بافادة زائفة في الحقيقة ، لان ذلك فقط يمكن ان يقود الى اخلاء سبيل المتهم بسرقة ولان مجرد التنازل عن حق المشتكي سيبقي الحق العام !) ان اسمه الحقيقي هو ” حامد ” وان اسم ” محمد ” هو اسم يتخذه هو لغرض ” الشغل ” فزاد من حيرة وارتباك السيد الموسوي ، اي ان ما تفوه به احد عناصر القوة التي اعتدت على الفتى ، في الفديو المسرب ، كان صحيحا وربما صدر عن معرفة او خبرة ، فاللفتى ” اسم حركي ” هو جزء من عدة الشغل !
والان… لو كان جوق الحنقبازية الذين ملأوا الدنيا عويلا على مدى الايام الماضية والجهات التي تقف ورائهم صادقا وحريصا في الدفاع عن الحقوق والحريات وضد الانتهاكات لماذا كان دائما يغلس على انتهاكات حقيقية وصارخة ويصرف الاضواء عن بطولات مؤكدة في هذا المضمار بالذات اذا ما صدرت عن جهات معينة من معسكر اولياء النعم سواءا في الحكومة العراقية او الاقليم ؟!
لنتحدث عن مثال واحد فقط ، لضحية ارتكب ضدها نفس الانتهاك ، الضرب والاعتداء بل وحلاقة الحواجب والشعر بطريقة مهينة وبشكل مقصود وفي العلن وليس عبر فديو مسرب ، وزاد الامر الى ضرب زوجته واسقاط جنينها لا لسبب الاّ لموقفه السياسي لكننا لم نسمع ولا همسة في الموضوع من كل من ملأوا الدنيا ضجيجا اليوم عن الانتهاكات ، لماذا ؟
لان قضيته غير قابلة للتوظيف في الاجندات الساندة بشكل نافع ! بل على العكس فانها كان يمكن ان تمس احد المراكز المعتمدة من قبل امريكا و” غيرها ” في العراق ، اي انها كان يمكن ان تمس سلطة اربيل وهي داعم قوى ورب عمل للكثير من المشار اليهم !
هل سمع احد منكم من هؤلاء كاعلاميين وكتاب ومثقفين وناشطين وقوى ومراكز اعلام وصفحات وفضائيات عن اسم المواطن العراقي الكردي ” هيمن بنسلاوه ” في حينها ، عندما تعرض لكل ما وصفت اعلاه من انتهاكات ابشع مما تعرض له محمد ،على يد ” الاسايش ” في اربيل ، مثلا ؟
فبنسلاوه حتى ولو كان في كردستان هو مواطن عراقي وكردستان ليست خلف الستار الحديدي ، واذا لم تربطهم به رابطة المواطنه فان رابطة الانسانية و” الحرص على الحريات ” ومعاداة الانتهاكات والتي تجعل بعضهم يوقع على عرائض واستنكارات لا تخص الحريات في ايران فقط بل تتعداها الى فنزويلا كان يمكن ان تدفعهم الى تبني قضيته والدفاع عنها ونشرها بجزء ولو يسير من حميتهم التي اشتعلت لنصرة محمد او حامد …خصوصا وان قضية هيمن بنسلاوه حضيت باهتمام الكتاب الكرد المعنيين بشؤون الحريات والحقوق واذيعت عبر قناة كردية ولا يمكن التعلل بالجهل وعدم العلم بها ، ثم ان بنسلاوه وقضيته كانت ” خامة ” جيدة لصناعة بطل حقيقي في مضمار معاداة الانتهاكات خصوصا مع مستوى وعيه ومشاركته الاجتماعية وتاريخه الشخصي السليم ) ( كان عضوا في حركة تغيير وكان كل ذنبه انه اراد الترشح عنها في النتخابات !) وهي كانت ، كذلك ، مناسبة طيبة لاعادة تاكيد رابطة المواطنه العراقية لمن يهمه امرها من هؤلاء الادعياء وجهاتهم الداعمة !
‎2020-‎08-‎04