قراءة في الاحتجاجات الأميركية (4)!
الأسئلة المطروحة..
زياد حافظ*
عرضنا في المقالات السابقة قراءة حول الاحتجاجات الأميركية وحول جذور العنصرية في الولايات المتحدة وكيف يتم استغلال الاحتجاجات من قبل الطبقة الحاكمة والشركات العملاقة والاعلام لتحويل الأنظار عن القضايا الحيوية والحياتية التي تهدّد المجتمع الأميركي الذي بدى أنه أوهن من بين العنكبوت في تماسكه واستمراره. ومن الطبيعي أن يتساءل المراقب لهذه التطوّرات الداخلية إلى عما ستسفر عليها على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وحتى على حيثيات وجود الكيان. فالنظام القائم يترنّح وقد تتحوّل الأمور من أزمة اجتماعية واقتصادية إلى أزمة نظام إلى أزمة كيان. فمن الواضح أن المجتمع الأميركي أضعف من الدولة وموجود بسبب الدولة وأن انهيار الدولة أو تراجعها يعني انهيار أو تراجع المجتمع أو بشكل أدق المجتمعات القائمة والمختلفة التي بدى التماسك بينها يتلاشى.
من الواضح أن الأسئلة المطروحة متعدّدة ومعقّدة ومتشعّبة لكنها جميعها تطرح مستقبل الحزبين الحاكمين واستمرارهما وعبرهما وجود الكيان الأميركي على الأقل في الشكل الذي يعرفه العالم. التجاذبات الداخلية سواء كانت عنصرية أو ثقافية أو اجتماعية تفاقمت إلى حد الوصول إلى الكراهية. صحيح أن هذه التجاذبات كانت مزمنة لكن الرخاء الاقتصادي والرفاهية كانت كافية لتغطّي تلك العيوب لكن في زمن القلّة والشحّ بدأت تأخذ منحى تصادميا واضحا وخاصة في مجال العنصرية. فعلى سبيل المثال، انتخاب الرئيس باراك حسين أوباما، الرئيس الوحيد من أصول إفريقية وبجذور إسلامية لم يتقبّله جزء كبير من الأميركيين الذين كانوا وما زالوا يعتبرون أن قيادة البلاد محصورة بالعنصر الأبيض البروتستانتي. كما لا ننسى أن الرئيس الكاثوليكي الوحيد جون فيتزجرلد كندي لم يكمل ولايته الأولى بل اغتالته أيدي الدولة العميقة. ولا ننسى كيف قاد دونالد ترامب حملة التشكيك في أهلية ترشيح أوباما وانتخابه على أساس أنه لم يولد في الولايات المتحدة كما هو مشترط في الدستور الأميركي. ولا ننسى أيضا كيف تعامل الحزب الجمهوري خلال الولايتين للرئيس أوباما على قاعدة عرقلة كل مشاريعه. بالمقابل لم يتصرّف الحزب الديمقراطي بشكل مخالف. فلم يعترف الحزب الديمقراطي بشرعية انتخاب ترامب بل اتهمه والاعلام الشركاتي المهيمن بأنه وصل إلى سدّة الرئاسة بسبب “تدخلات” روسية لم يستطع تثبيته فاكتفى بالحملة الإعلامية عليه. كما أنه منذ اللحظات الأولى بعد انتخابه رئيسا جرت محاولات لإقصائه واتهامه بشتى المخالفات الدستورية والقانونية وجميعها لم تكن مستندة إلى أدلّة واضحة وقاطعة. قاعدة اللعبة الصفرية تحكّمت بسلوك الطرفين ولم تعد المصلحة الوطنية بوصلة العمل والتحرّك السياسي. الصراع على السلطة هو الغاية وكل شيء أصبح متاحا ومسموحا للوصول إلى ذلك.
هذه نماذج عن السلوك السياسي على الصعيد الوطني. أما على الصعيد الولايات فالانتخابات النصفية التي جرت سنة 2018 أوضحت التصادم بين ما سمّيناه الجغرافيا بالديمغرافيا حيث المدن الكبرى على الشواطئ الشرقية والغربية في الولايات المتحدة أكثر ليبرالية وتنوّعا من سكّان الداخل. الجغرافيا، أي داخل الولايات المتحدة، كانت للحزب الجمهوري المحافظ حيث أكثريته من العرق الأبيض بينما الديمغرافيا (أي المدن الكبرى على الشواطئ) كانت للحزب الديمقراطي حيث أكثريته من الأقليّات العرقية. التحوّلات الديمغرافية ألقت بظلالها بقوّة خلال السنوات الماضية حيث تركيبة المجتمع الأميركي تغيّرت بشكل جذري. من الواضح أن الحزب الديمقراطي يستهوي الأقلّيات العرقية كالسود الذين يصوّتون له بنسبة 90 بالمائة بينما الأقلّيات الأخرى الاسيوية واللاتينية تصوّت بنسبة 70 بالمائة.
لكن بالمقابل تتراجع نسبة البيض في البلاد بشكل عام وداخل الحزب الديمقراطي بشكل خاص حيث القيادة ما زالت من العرق الأبيض وإن كانت من الشيوخ (معظمهم يقارب الثمانين من العمر!) بينما الشباب البيض داخل الحزب في حال تراجع نسبيا. كذلك الأمر بالنسبة للحزب الجمهوري حيث معظم قيادته من الشيوخ. العنصر الشاب في الحزب ما زال اقلّية. لذلك فإن نظام الحزبين أصبح قاب قوسين حيث لا تستطيع “عقيدة” الحزبين التكّيف مع التحوّلات الديمغرافية في الولايات المتحدة. كما أن تلك العقيدة في الحزبين تحمي قوّامة الراس المالية وخاصة الرأس المالية التي قامت بأمولة (financialization) الاقتصاد على حساب الاقتصاد العيني والمنتج. فهي تتجاهل التداعيات الاجتماعية حيث الفجوة بين المتموّلين والطبقات الفقيرة أصبحت كبيرة. فأقل من واحد بالمائة من السكّان تمتلك أكثرية الثروة في الولايات المتحدة. وهذه الظاهرة كانت فحوى احتجاجات عام 2011 التي نادت باحتلال منطقة وال ستريت في نيويورك تحت شعار “احتل” (occupy). مسالة الفقر في الولايات المتحدة أصبحت مسألة جدّية حيث أكثر من 45 مليون أميركي يرزحون تحت خط الفقر ولا يستطيعون أن ينعموا بأي نوع من الضمان الصحّي.
فعدم قدرة القيادات في الحزبين على التكيّف مع التنوّع السكّاني الذي يفرض تنوّعا في القيم والأولويات يهدّد استمرار الحزبين الحاكمين في التداول على السلطة. فلا يمكن استبعاد تشظّي الحزبين إلى أحزاب إقليمية أو الى أحزاب تحمل هويات فرعية غير الهوية السياسية الجامعة. فالنزعات الانفصالية تتزايد. فما شهدناه من تمرّد في بعض الولايات وبعض المدن على السلطة المركزية والاحتجاجات التي رافقت دخول قوّات الشرطة الاتحادية إلى بعض المدن دون موافقة السلطات المحلّية تنذر بتفاقم الأمور وتفشّي حالة التمرّد والتنامي لدعوات انفصالية. الحرب الأهلية التي خاضتها الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر لم تكن فقط لتحرير السود بل كانت حربا لتحديد دور السلطة الاتحادية وصلاحيات الولايات. فانتصار القوى الاتحادية لم تحسم نهائيا ذلك الجدل الذي يشهد صحوة جديدة بسبب تفاقم الأمور.
ولا يجب أن ننسى أن التماسك الاتحادي مبني على “تعاقد” بين الولايات منفردة مع الدولة الاتحادية. نذكّر هنا أن ريتشارد بري، وزير الطاقة في إدارة ترامب، كان مرشّحا ساعيا للحصول على التسمية من قبل الحزب الجمهوري للرئاسة عندما كان حاكما لولاية تكساس، وهي ثاني الولايات الكبرى سكّانيا وجغرافيا واقتصاديا، بعد ولاية كاليفورنيا. ففي حملته الانتخابية هدّد ثلاث مرّات الدولة الاتحادية بالانفصال عنها إن لم تتوقّف عن التدخّل بشؤون الولاية. فكيف يسعى إلى رئاسة البلاد وفي نفس الوقت يهدّد بالانفصال عن الدولة التي يريد ترأّسها؟ هذا يعني أن الرابط الوطني وهن جدّا وأنه مبني على المنفعة وليس على قناعة به. وهذه ظاهرة ليست منفردة حيث عدد من الولايات تطرح موسميا مسألة الانفصال عن الدولة الاتحادية. فكيف ستتصرف النخب الحاكمة والجمهور العريض في مواجهة كارثة جامعة؟ جائحة الكورونا أعطت بعض الأجوبة حيث تصرّفت الولايات بمعزل عن بعضها البعض ولم تنسّق فيما بينها. الأنانية كانت طاغية على سلوك كل مسؤول في ولايته وهذا ما يساهم في إضعاف الرابط الوطني.
هذا الانقسام في مختلف المكوّنات السياسية والعرقية والاقتصادية والثقافية اشتدّ خلال السنتين الماضيتين حيث التجاذب الإعلامي والتهجّم الشرس على الرئيس الأميركي ساهم في تفاقم الأمور. صحيح أن الرئيس الأميركي كما يقول المثال العامي أن “جسمه لبّيس” أي تصريحاته وتصرّفاته تستدعي الردود القاسية لكن في آخر المطاف ما يقود كل ذلك هو أن الاعلام المهيمن الليبرالي النزعة الذي لم يعترف منذ البداية بشرعية انتخاب ترامب فعمل وما زال يعمل على الإطاحة به مهما كلّف الأمر. فالإعلام يعمل بكل جدّية على تأجيج الخطاب التفتيتي بين مكوّنات المجتمع الأميركي لضرب قاعدة الرئيس ترامب. والمرشح بايدن يمارس نوعا من العنصرية أيضا عندما يسخر من مواطن أميركي منحدر من أصول إفريقية يريد أن ينتخب ترامب فيقول له إن كنت تصوّت لترامب فإنك لست من السود!!!
أداء الحزب الديمقراطي في موضوع الاحتجاجات قد يرتدّ عليه. فحتى الساعة يرفض المرشح جوزيف بايدن إدانة أعمال الشغب والعنف التي تقوم به مجموعات تنتسب إلى حركة انتيفا واليسار المتطرّف. ولا يختلف في خطابه السياسي عن الرئيس الأميركي حيث خطابهما يفرّقان بين الأميركيين ولا يوحدّهما. فهما يمثّلان جزءا من أميركا وإن اعتبرا أن ذلك الجزء هو الأكثرية! كما أن الولايات والمدن التي يحكمها ديمقراطيون شهدت أكثر أعمال العنف والشغب والاعتداء على الأملاك الاتحادية والحكومية والخاصة تحت مرأى العين للشرطة والسلطات المحّلية ما أدّى إلى ردود فعل عكسية سياسية بالنسبة للحزب الديمقراطي. أدّت تلك الأعمال إلى الالتفاف حول دعاة الحفاظ على الأمن والقانون، أي أنصار الطرح الجمهوري وخاصة الرئيس ترامب. هناك استطلاع راي مخالف لمعظم استطلاعات الراي التي يقوم بها الإعلام المهيمن وقد أعدّت مؤسسة راسموسن للاستطلاع يفيد بأن الفارق بين بايدن والرئيس ترامب تقلّص إلى بضعة نقاط فقط (4-5 بالمائة) ما يدلّ على تغيّر ملحوظ في المزاج العام الذي كان غاضبا على ترامب بسبب سوء اداءه في مواجهة جائحة كورونا. وما زال من المبكر التكهّن حول نتائج الانتخابات المقبلة في تشرين الثاني وبناء التقديرات على تلك الاستطلاعات.
في ذلك السياق أصبح من الواضح على صعيد الانتخابات الرئاسية أن الفريقين المتنافسين ليسا على استعداد قبول نتيجة أي هزيمة محتملة. فالاتهامات بالتلاعب في مسار الانتخابات تملأ الفضاء الإعلامي وتنذر بأن إمكانية حدوث فراغ دستوري أو انقلاب سياسي وحتى عسكري من الاحتمالات التي لا يمكن تجاهلها. وصلت درجة الكراهية إلى ذلك الحد الذي يتجاهل نتائج التفاعل الديمقراطي الذي يميّز المجتمع السياسي الأميركي عن العالم. سقوط الديمقراطية نتيجة للعنصرية المتجذّرة في بنية المجتمع الأميركي كما أن سقوطها يعود لعدم إمكانية التعايش بين الرأس المالية والديمقراطية. فهدف راس المال هو السيطرة والاحتكار بينما جوهر الديمقراطية هو التنافس والتنوّع دون الاحتكار والأحادية. استطاعت النخب الرأس المالية أن تروّج فكرة تلازم الديمقراطية والحرّية والتنافس الاقتصادي متجاهلة عمدا أن هدف التنافس الأخير هو السيطرة. تمركز القطاعات الحيوية في الولايات المتحدة بيد قلّة من الشركات هو دليل على تطوّر الرأس المالية إلى نمط احتكاري في الاقتصاد الأميركي. كما أن الراس المالية الأميركية فضّلت الربح على المصالح الوطنية وبالتالي لم تكترث للنتائج الاجتماعية في إعادة توطين القاعدة الإنتاجية خارج البلاد.
فعلى الصعيد الاقتصادي فحدّت ولا حرج. فالاحتجاجات ضد العنصرية لم تكن موجّهة ضد الواقع الاقتصادي وكأن جائحة الكورونا غير موجودة على الأقل في الشعارات المرفوعة. جائحة الكورونا أوقفت العجلة الاقتصادية في العالم وفي الولايات المتحدة. فقامت الإدارة الأميركية عبر الاحتياط الاتحادي بضّخ الأموال للشركات وللمواطنين (أكثر من 2 تريليون دولار على دفعتين) وخاصة للمؤسسات المالية كي تحافظ على الاستخدام والتوظيف بالنسبة للشركات وللإنفاق الاستهلاكي بالنسبة للمواطنين. معظم الشركات استفادت من هذه الأموال ولكن لم تلتزم بالحفاظ على الاستخدام فاستغلّت الجائحة لصرف العاملين فيها. صحيح أن عددا من الشركات الصغيرة والمتوسّطة أعلنت إفلاسها وبالتالي تبخّرت الوظائف حيث وصل معدّل البطالة إلى أكثر من 40 مليون أميركي وربما يكون الرقم أعلى من ذلك بكثير ما يطرح السؤال كيف ستواجه الإدارة الحالية ذلك الوضع وحتى الإدارة المقبلة سواء كانت مع ترامب أو منافسه.
من جهة أخرى استعملت الشركات المستفيدة من تلك الأموال ليس للحفاظ على مستوى التوظيف أو حتى للاستثمار الإنتاجي أو التكنولوجي بل في تسديد كل أو بعض ديونها وفي شراء أسهمتها المتداولة في البورصة ما أدّى إلى ارتفاع جنوني في البورصة رغم الانكماش الاقتصادي الكبير الذي قد يتحوّل إلى كساد. فالانفصام بين الاقتصاد الفعلي والاقتصاد الافتراضي المالي الريعي أصبح أكثر وضوحا ما جعل المسؤولين السياسيين في موقف حرج لتفسير تلازم الانكماش وازدهار الأسواق المالية. أما على صعيد المواطنين فاستعمل الأميركيون المستفيدون من المساعدات الاتحادية (1200 دولار لكل فرد في الأسرة) لتسديد ديون متراكمة بدلا من الحفاظ على النمط الاستهلاكي ما جعل الطلب على السلع والخدمات يتراجع بشكل كبير فساهم في تفاقم الأزمة الاقتصادية.
النظام الاقتصادي الأميركي يترنّح تحت وطأة السياسات النيوليبرالية حيث الربح، والريح السريع الريعي الطابع، هو المحرّك الأساسي للنشاط الاقتصادي. فإعادة توطين القاعدة الإنتاجية الصناعية وحتى المعلوماتية في شقّها التصنيعي إلى الدول النامية كالصين والهند وماليزيا ودول أميركا اللاتينية أفقد الكثير من قدرة الولايات المتحدة على تأمين حاجاتها الأساسية التي أصبحت تستورد معظمها. كما أنها فقدت القدرة على التنافس في الصناعة لأنه فضّلت الاستثمار في المال والأسواق المالية بدلا من الاستثمار في الأبحاث التكنولوجية. فجائحة الكورونا كشفت مدى انكشاف الاقتصاد الأميركي تجاه الخارج بشكل عام وتجاه الصين بشكل خاص. وحتى الساعة لم تستطع النخب الحاكمة من مقاربة الموضوع ولا حتى التفكير في الخروج من المأزق الاقتصادي. هناك شبه إجماع عند الجمهوريين والديمقراطيين على تحميل المسؤولية للانكماش الاقتصادي على جائحة الكورونا وشيطنة الصين في تتسبب الجائحة و”سرق الوظائف”. ليس هناك من مراجعة للخيارات والسياسات المتبعة على مدة خمسة عقود من قبل الحزبين وبالتالي تصبح مقاربة المستقبل من عالم المجهول حتى الساعة في الولايات المتحدة ما يجعلنا نطرح السؤال هل ستبقى الولايات الأميركية متحدة؟

*كاتب وباحث اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي

‎2020-‎08-‎03