دورة العنف والبشاعة .. شكوك واسئلة !

عارف معروف.
——————————————

هل هناك اشياء او رسائل محتملة اخرى ، اكثر او اقل عمقا ، مما يمكن قراءته في الفديو المسرب عن اذلال ومهانة الفتى العراقي الفقير على يد عناصر ما يسمى بحفظ النظام ؟! او على الاقل ، هل هناك اسئلة يمكن ان يستثيرها تسريب هذا الفديو ؟
اعتقد : نعم ، واليكم زاوية قراءة اخرى قد تكون جديرة بالتأمل بعيدا عن صخب التيار السائد :
1- من نافل القول ان ما شهدناه كان انتهاكا صارخا لحقوق وحريات انسان تضمن صورة بشعة للمهانة والاذلال الذي يمكن ان يتعرض له مواطن اعزل تستفرد به عناصر من قوات امنية في ظرف مشابه كما دلت وقائع عديدة وعلى مدى اعوام واعطت صورة مؤلمة عن ِمدى جهل عناصر هذه الاجهزة او على الاقل مستوياتها الدنيا واستهتارها باية قواعد سلوك او قل ” اشتباك ” يمكن ان يمليها عملها ذاته وواجباتها ، وفي مدى قلة الضبط والتدريب والاعداد والتوجيه التي يفترض ان تكون قد تلقتها من الجهات ” الرسمية ” المسؤولة عنها ، ولكن هل يعتقد احد ان هذه الصورة المفجعة التي سمحت لنا ، ظروف معينة ، بلاطلاع عليها ، هي الصورة الوحيدة او الشاذة ام انها تسريب لما يمكن ان يكون ممارسة ” روتينية ” وتقليد قديم في العلاقة مع الضحايا لم تتعافى منه هذه الاجهزة او الكثير من عناصرها على مرّ العقود وتغير الاحوال ؟!
2- من الواضح ان الفديو المسرب ليس جديدا وان تاريخه يعود الى اشهر خلت بدليل القيافة الشتوية التي مازالت عناصر الاجهزة الامنية التي ظهرت في الفديو ترتديها وطبيعة المكان والاسئلة التي وجهت للضحية من كونه كان وراء قذف ” بمبات ” ، وان الفديو هو واحد من فديوات تتعلق بالحادثة نفسها لان هناك اكثر من شخص كان يصور عبر موبايله فلماذا لم يتسرب في حينه اذا كان قد نشر او تسرب نتيجة سلوك صبياني غير مسؤول ولا يقدر العواقب من احد العناصر الذين صوروا ولماذا تسرب في هذا الوقت بالذات ؟ مالغاية المرجوة واية جهة كانت تحتفظ به وما تزال تحتفظ بغيره مما يمكن اطلاقه في الوقت المناسب لخدمة غاية معينة ؟!
3- مع ملاحظة ان الفديو وبالارتباط مع توجيه الاتهامات في قضية اغتيال بعض متظاهري ليلة 26/ 27 تموز قد صب في توجيه غضب الشارع نحو جهاز معين بالذات ولربما في خدمة غايات وصراعات سلطوية في اطار الاجهزة ومستوياتها القيادية فان ردود الافعال والاستجابات النفسية كانت ابعد مدى من ذلك بكثير مما يثير شكوكا في ان دائرة التاثير ورد الفعل المستهدفة كانت اوسع مدى في الاساس ، فما شهدناه امس واليوم وربما نشهده غدا ، وعلى لسان اجهزة اعلام عراقية وعربية ، وكتاب وناشطين محليين وحتى فتيات جميلات ورقيقات ! من توسع في دائرة النقد او الهجوم ليخرج عن اطارمنتسبي جهاز امني معين مثل قوات حفظ النظام او بعض عناصرها الى ادانة الاجهزة الامنية كلها بل ويتعدى ذلك الى القوات المسلحة نفسها والتي يستنتج البعض ان مثل هذه الممارسات تنبع عن وجودها ذاته ” لانه لا يمكن تسليح العراقي واعطاءه سلطة دون ان يتفرعن على اخيه وينتهك كل حقوقه ” (!!) الى غمز وادانة قطاعات واسعة من الشعب على اساس قومي او ديني او طائفي بل ومهاجمة العراقيين عموما والشخصية العراقية ” المتعطشة للعنف والتي لا تصلح الاّ بالطغيان والعنف والحكم الاجنبي ” !!
4- واكرر ، دون التهوين من مدى بشاعة الانتهاك وادانته والمطالبة بمحاسبة مرتكبيه بما يستحقون ، طبعا ، لكن انتهاكات اخطر وجرائم اكثر ترويعا ووحشية بالفعل ، حصلت في العلن ، ومن قبل جهات متعددة لم تحظ بنفس التغطية ولا قوة ردود الافعال او الادانات بل وتم التغاضي عنها او ابعادها عن بؤرة التركيز الاعلامي او حتى التماس الاعذار لمرتكبيها من ذات الجهات والمراكز التي تركز الاضواء اليوم بشدة على الفديو المسرب ، مثل جريمة شنق فتى مقارب في العمر للفتى في الفديو المسرب وتعليقه وسط بغداد والتمثيل بجثته في رابعة النهار وامام الكاميرات ونظرات الجمهور المحتشد او قتل رجل شرطة بالعصي والاسلحة البيضاء من قبل جمهور غاضب او سحل جريح ومرافقه من سيارة اسعاف وقتلهم علنا …الخ ، مما يعني ان جهات معينة تريد لعواطفنا وعقولنا ان تكون العوبة تتحكم بها وتوجهها حيث تريد ومتى تريد وان تستثمر غضبنا الاخلاقي المشروع وقلقنا الانساني وردود افعالنا النفسية ازاء الانتهاكات اللا انسانية بالشكل الذي يناسبها دون كبير مبالاة بالانتهاكات نفسها ودلالاتها وآثارها ،وهذا ما يمكن ان يثير، ايضا ، الشكوك فيما اذا كان هذا العنف كله وهذه الانتهاكات نفسها هي دورة ” موجهة ومرعية ” لغايات ابعد من مدى النظر القصير او الآني !
5- خصوصا مع ملاحظة، ان العنف الاجرامي المنفلت والمضاد للجماهير ، المحتجة خصوصا ، قد ازداد زيادة مفرطة منذ شهر تشرين الاول 2019 وانه اتخذ طابع الممارسة شبه الروتينية منذ ذلك الحين وحتى اليوم في حين ان كل التظاهرات والاحتجاجات السابقة لم تشهد من الانتهاكات الاّ القليل وان رجال الامن والشرطة كانوا ، قبل ذلك ، اكثر التزاما بواجباتهم واكثر مهنية في تعاملهم مع المحتجين والمتظاهرين ، رغم انه لا يمكن انكار ان طابع الاحتجاجات السلمية والتظاهرات نفسها خلال نفس الفترة ، قد اتخذ طابعا عنيفا وبعيدا عن السلمية احيانا ، بفعل ومن خلال وقائع ومجريات مثيرة للشكوك والتساؤل هي الاخرى ، قادت في النهاية الى حرف مسار الاحتجاجات وافقادها دعمها واسنادها الشعبي وتجييرها ، اخيرا لصالح اناس و فئات وغايات معادية في الجوهر لمصالح الشعب وغايات الاحتجاجات الجوهرية !
‎2020-‎08-‎03