العربي والتأويل!
د.حسن حنفي .
كيف يعرض المفكر العربى المعاصر لإشكالية التأويل؟
إذا ما أراد المفكر العربى اليوم تناول أى موضوع فإنه يواجه بأنه “عربى بين ثقافتين”، الموروث والوافد، ما يأتى من حضارته وما يأتى من حضارة الآخرين. فى حين أن الباحث الأوروبى لا يعيش هذه الأزمة، تعدد الثقافات والمصادر العملية، لأن الغرب هو المصدر الوحيد للعلم. لا تتنازعه ثقافتان. ولا يدين الغربى بالولاء إلا لثقافة واحدة. ولا ينشأ فى وعيه تعارض بين الموروث والوافد بعد أن قطع مع الموروث اليونانى الرومانى واليهودى المسيحى منذ عصر النهضة وآثر أن يبدأ بالعقل فى مواجهة الطبيعة لاكتشاف قوانينها منذ كبلر وجاليليو ونيوتن، وفى قلب المجتمع لوضع العقد الاجتماعى بين الحاكم والمحكوم والذى يفسر نشأة السلطة فى المجتمع.
أما العربى فإنه مازال يحمل على عاتقه همين، هم الموروث القديم، المصدر الأول للعلم الممتد عبر أربعة عشر قرنا والذى مازال حيا فى قلوب الناس فى الوعى أو اللاوعى الفردى والجمعى، وهم الوافد الحديث الذى بدأ يتراكم على هامش الشعور عند النخبة والجماهير على حد سواء منذ قرنين من الزمان. فإن لم يع هذه الازدواجية فى الثقافة والمعرفة وآثر أن يشطر بينهما، لصالح الأول كان سلفيا “أزهريا” أو لصالح الثانى أصبح علمانيا “أفنديا”. وإن آثر الجمع بينهما فكيف؟ الموروث مرة، والوافد مرة متجاورين فى زمن واحد أم تحقيق وحدة عضوية بينهما لصالح الموضوع نفسه وهو الهدف، والثقافتان مدخلان له ومصدران معرفيان لإنارته؟ وهذه هى الجبهة الثالثة، القاعدة التى يرتكز عليها ضلعا المثلث، الموروث والوافد، والقادرة على التحول من النص إلى الواقع، ومن المعلومات إلى العلم ومن النقل إلى الإبداع. هى القدرة على التنظير المباشر للواقع واستعمال الثقافتين، الموروث والوافد لإبداع وصف جديد للموضوع، يتحد فيه كلاهما فى التفلسف الجديد القائم على الاتحاد بالموضوع ورؤيته رؤية مباشرة.
ويحتار الباحث أى موروث يختار؟ إذ يتعدد الموروث بين التأويل العقلى عند المعتزلة وابن سينا وابن رشد. فقد أوّل المعتزلة آيات التشبيه دفاعا عن التنزيه، وآيات القدرة إثباتا للحرية الإنسانية، وآيات الإرادة حرصا على قانون الاستحقاق فالعقل أساس النقل.
وأوّل ابن سينا المعوذتين، والحروف الهجائية فى أوائل السور إثباتا لحق العقل فى الفهم وتجاوزا للحرفية التى قد توقع فى التشبيه أو فى السحر إلى ما يرتضيه الفيلسوف والعاقل.
ووضع ابن رشد قانونا للتأويل حتى يبعده عن الشطحات والنسبيات والأهواء وتقلب الأمزجة.
ومارس الصوفية التأويل بامتياز، إرجاع الشىء إلى أصله طبقا للمعنى الاشتقاقى للفظ. والأصل إما فى أعماق التجربة الإنسانية أى فى الشعور “عن قلبى عن ربى أنه قال” كما يروى ابن عربى، أم فى الطبيعة الخارجية فى الوجود أم فى الملأ الأعلى، عالم المثل وصوره الفنية المختلفة كاللوح المحفوظ أو التصورات الدينية كالذهن الإلهى.
ومارسه أيضا علماء أصول الفقه حفاظا على المصالح العامة. ووضعوا له القواعد فيما يسمى بعلم القواعد الفقهية، قواعد عامة تحفظ التأويل من الوقوع فى المصالح الشخصية مثل “عدم جواز تكليف ما لا يطاق”، “الضرورات تبيح المحظورات”، “لا ضرر ولا ضرار”، “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”، “الأمور بمقاصدها”، “الأعمال بالنيات”، وهو أيضا علم “الأشباه والنظائر”.
وقد يعتمد الباحث على الوافد الغربى القديم اليونانى الرومانى أو الوسيط الكنسى المدرسى أو الحديث والمعاصر حتى انه قد استأثر بالموضوع، وحوّله إلى أحد علومه “الهرمنيطيقا”، ونظّره أكثر مما مارسه عمليا فى حين أن الموروث مارسه عمليا أكثر مما نظّره. فظن الناس أن الهرمنيطيقا علم غربى له أصوله اليونانية فى “بيرى هرمنياس” أى مبحث العبارة، الكتاب الثانى من منطق أرسطو.
مارسه فيلون اليهودى فى الإسكندرية وأوغسطين فى روما. وظهرت نظرية “المعانى الأربعة” للكتاب مسيطرة على التأويل فى العصر الوسيط المسيحى، المعنى الحرفى فى مقابل المعنى الروحى، أى الظاهر والباطن، الحقيقة والمجاز بلغة الموروث، ويشمل المعنى الأخلاقى والمعنى الصاعد Anagogique والمعنى المجازى.
وازدهر العلم فى العصر الحديث بعد اكتشاف الذاتية. مارسه اسبينوزا وكانط فى تفسير الكتاب المقدس. خرج عند اسبينوزا من النقد التاريخى، وعند كانط من النقد العقلى. وأسسه شليرماخر نظريا بأن أنزله من السماء إلى الأرض، من “الهرمنطيقا المقدسة” إلى “الهرمنطيقا الإنسانية”، من اكتشاف المعنى الإلهى إلى اكتشاف المعنى الإنسانى. وحوله الرومانسيون إلى أداة لنسج الأسطورة، وإطلاق العنان للخيال بلا حدود.
وفى الفلسفة المعاصرة ازدهر التأويل بعد اكتشاف النص حتى أنه أصبح علما “علم النص”. نظّره دلتاى فى أول دراسة معاصرة “محاولة فى التأويل”. وبعد تأسيس الفينومينولوجيا فى أوائل القرن ازدهر علم التأويل لدى “مدرسة الأشكال الأدبية” عند بولتمان وديبليوس فى أواخر العشرينات من القرن الماضى. وأصبح جزءا من تحليل الوجود الإنسانى عند هيدجر، ثم تطبيقه فى التجربة الجمالية عند جادمر، وفى “الأشكال الرمزية” للمعرفة عند كاسيرر، وفى “الأساطير الدينية” عند بول ريكير.
فهل يحتاج المفكر إلى هذين “العكازين”، الموروث والوافد حتى يساهم فى التأويل أم أنه يستطيع أن يستقل بنفسه ويتعامل مع موضوعه تعاملا مباشرا، ويقوم بفعل التفلسف والاقتراب منه وعيشه ويحلله باعتباره قصدا فى الشعور، ويعود إلى “أصل” التأويل فى الشعور مادام التأويل هو الرجوع إلى الأصل “الأول”، ويعيد توظيف الموروث والوافد باعتبارهما رؤى فى الموضوع؟
‎2020-‎08-‎03