لهذه الأسباب: السعودية أقرب إلى الهاوية (1)!
اسماعيل المحاقري
مخطئ من كان يعتقد أن السعودية ما كانت لتخوض حربًا مباشرة في اليمن لو كانت تدرك أن نتائجها غير مضمونة لاعتبارات عدة أهم ما فيها الخنوع للهيمنة الأمريكية ومحددات البيت الأبيض السياسية وحماقة وعناد الأعراب وعقدة نقصهم إضافة إلى مرض الاستكبار الذي يسكنهم. ومخطئ أكثر من يتوسم في محمد بن سلمان خيرًا لبلاده ومحيطه وعمقه العربي والإسلامي أو من يعتقد أن المملكة يمكن أن تعود لسابق عهدها من الأمن والاستقرار والرخاء، فما بعد العدوان على اليمن ليس كما قبله، رفعت الأقلام وجفت الصحف.

ملامح النهاية تشي بأن المملكة تعاني في اليمن الأمرّين وتعيش واقعًا مهزوزًا ومرحلة انكفاء وتراجع، لم يكن أكثر المتشائمين في الداخل السعودي يتوقعها، إذ إن عدوانها الغاشم في سادس الأعوام ارتد قدرات عسكرية يمنية تتعاظم يومًا بعد آخر، وتتمثل في الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة بمنظومات مختلفة ومديات استطاعت بفاعلية وتأثير كبيرين أن تطال منشآت أرامكو النفطية في المنطقة الشرقية وتوقف نصف انتاجها وتمكنت من دك أهداف ذات رمزية سيادية في عمق المملكة كوزارة الدفاع والاستخبارات العسكرية وقاعدة سلمان الجوية، وقبلها قصر اليمامة والمطارات والقواعد والمنشآت العسكرية في نجران وجيزان وعسير لتبدو المملكة مكشوفة طولًا وعرضًا، والرياض العاصمة لا عاصم لها من عمليات الرد والردع ولا أنظمة الدفاعات الأمريكية وأجهزة الرادارات قادرة على أن تحميها ولا التعلق بأستار الكعبة يمكن أن يجنبها الهجمات والضربات إلا بأمرين لا ثالث لهما الأول وقف العدون والآخر رفع الحصار عن اليمن الأرض والإنسان، وما دونهما تمنيات لن تقدم أو تؤخر.

هاجس الصواريخ وقلق الطائرات المسيّرة قليل من كثير ما تكابده السعودية وما تتعرض له من صفعات لا تقف عند حد انفراط عقد “التحالف العربي” بانسحاب قطر والمغرب والوجود الشكلي لدول أخرى إضافة إلى تباين الأجندات مع دولة الإمارات، بل إن الأمر يتعدى الفشل في إدارة الصراع وتوزيع مناطق الثروة والنفوذ في المدن الجنوبية إلى انتكاسة الأدوات في استكمال المعارك شمالًا أو الحفاظ على المساحة الجغرافية التي وصل إليها الغزاة لتكريس الاحتلال وتثبيت مشروع التقسيم والتفتيت.

المعادلات تغيرت لصالح اليمن، باستعادة الجيش واللجان لزمام المبادرة وتجاوز تهديداتهم حدود السعودية. في المقابل لم يعد لقوى العدوان من سبيل سوى المغادرة والرحيل بماء الوجه في ظل الخسائر والانهيارات المتسارعة في صفوف وكلائها بعد أن خسروا معركة الاقتراب من صنعاء، وسقوط الجوف ومحافظة البيضاء وأجزاء واسعة في مأرب بعمليات برية واسعة في غنائمها من الأسلحة الحديثة والآليات والذخائر بأنواعها الثقيلة والمتوسطة، ما يكفي لاستكمال معركة التحرر والاستقلال جنوبًا وشرقًا وصولًا إلى الساحل الغربي.

استنادا إلى نتائج الحرب طيلة السنوات الماضية، اهتزت صور السعودية وسمعتها بجرم ما اقترفته بحق النساء والأطفال اليمنيين من جرائم قتل وتشويه، وهذا مبحث آخر، إضافة إلى فقدان هيبتها على مستوى الاقليم بشهادة كثير من المتابعين والخبراء العسكريين الذين وصفوا الجيش السعودي بأنه نمر من ورق لفشله في حماية حدوده رغم ما يمتلكه من إمكانات تسليحية لا نظير لها، واضطرار المملكة منذ وقت مبكر من عملياتها العسكرية لاستقدام المرتزقة من السودان ومن مختلف البلدان للقتال بالنيابة عن جيشها لحماية حدودها منعًا من تقدم الجيش واللجان الشعبية.
السعودية تخسر بشريًا وماديًا أيضًا
وكما تخسر السعودية عسكريًا، كذلك تخسر ماليًا واقتصاديًا، وعتادها العسكري إن لم يدمره المقاتل اليمني أو يغتنمه في الميدان من معسكرات المرتزقة أكل عليه الدهر وشرب، وقيمة الإصلاحات لأسراب الطائرات الحربية ربما تتجاوز أسعارها بأضعاف، هذا جانب. أما الجانب الآخر فيتركز في حجم الانفاق العسكري الكبير والذي يتجاوز منذ 2016 وحتى 2020 نحو 273 مليار دولار منها 48.5 مليار، خصصتها حكومة الرياض من موازنتها العامة للعام الحالي متراجعة بنسبة 5 في المئة عن 2019، البالغة 51 مليار دولار. وتُعد الولايات المتحدة الأمريكية مورد السلاح الرئيس للسعودية، خاصة بعد تولي ترامب الرئاسة في يناير من العام ألفين وسبعة عشر. وفي أول جولة خارجية له اختار ترامب الرياض محطته الأولى ليبدأ مسلسل “الحلب” بتوقيع صفقة توريد أسلحة بقيمة 110 مليارات دولار من أصل 470 مليار دولار على مدى 10 سنوات، كاستثمارات سعودية في قطاعات أمريكية مختلفة.

لم يكن السوق الأمريكي هو الوحيد للسعودية في شراء الأسلحة؛ حيث وصل حجم مبيعات الأسلحة البريطانية والخدمات للجيش السعودي، بين عامي 2015 و2019، إلى ما يزيد على 15 مليار جنيه إسترليني (18 مليار دولار)، وفقاً لبيانات شركة “بي إيه إي سيستيمز”، ونشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية، في أبريل الماضي.

وفي عقود شرائها للأسلحة وشراء المواقف لشرعنة عدوانها واستمرار، حصارها ذهبت السعودية إلى الصين وألمانيا وكندا ودول أخرى في الشرق والغرب وخصصت عشرات المليارات لشراء المزيد من الأسلحة لتأجيج نيران الحرب المستعرة في اليمن.

وخلال زيارته لموسكو عام ألفين وسبعة عشر وقع الملك سلمان صفقات أسلحة بما يقارب ثلاثة مليارات دولار، وشملت الصفقة تزويد السعودية بمنظومة الصواريخ الروسية إس 400 وذلك بعد فشل البطاريات الأمريكية في اعتراض صواريخ اليمن الباليستية.

هذا الانفاق الضخم في شراء الأسلحة لم يحقق لتحالف العدوان أهدافه المعلنة من “عاصفة الحزم”. كما أن الهبات والأموال المرصودة للداخل اليمني لم تمنع حدوث الأزمة الإنسانية الأسوأ في العالم أو يحد من تداعياتها على مدى السنوات الماضية. على العكس من ذلك فتحت الحرب على اليمن بابًا للدول الغربية لابتزاز دول الخليج واستدرار الأموال.

وتعيش المملكة أزمة كبيرة في الداخل نتيجة إجراءات التقشف، وحملة الاعتقالات التي طالت العديد من الأمراء والأثرياء إضافة إلى ما يمكن أن يسببه “الانفتاح” غير المحمود من عواقب وخيمة على النظام الحاكم. كل ذلك وأكثر يمكن الحديث عنه باستفاضة في مقال آخر يتعرّض أيضًا لمكانة السعودية وتأثيرها على الحواضر العربية والإسلامية في ظل الإصرار على التقرب من كيان العدو الصهيوني والتآمر على تصفية القضية الفلسطينية.
‎2020-‎08-‎02