قانونٌ تركيّ يكبَح جِماح وسائل التواصل الاجتماعي..!

المؤيّدون وعلى رأسهم اردوغان يعتبرونه “تنظيمًا” للحريّات وحمايةً للديمقراطيّة..

المُعارضون وأبرزهم داوود أوغلو وعلي باباجان يرون فيه تكتيمًا للأفواه وقمعًا للحُريّات..

أيّهما على حَقٍّ؟ وأينَ يَكمُن المحظور؟

أقرّ البرلمان التركيّ اليوم الأربعاء مشروع قانون مُثيرًا للجدل يُوسّع رقابة السّلطات الحاكمة على مواقع التواصل الاجتماعي التي انتَقدها الرئيس رجب طيّب أردوغان بشدّةٍ ووصفها بأنّها فاسدة ومصدر للأكاذيب، خاصّةً بعد تحوّلها لمنصّةٍ للهُجوم عليه وعائلته.
المُؤيّدون لهذا القانون، ويَقِف مُعظمهم في خندق السّلطة، يَجِدون أنّه يتضمّن بُنودًا إيجابيّةً وضروريّةً خاصّةً مُطالبة الشركات المُشغّلة لوسائل التواصل الاجتماعي التي يزيد عدد مُستخدميها عن مِليون شخص مِثل “تويتر” و”فيسبوك”، أن يكون لها مُمثّل في تركيا لمُحاسبته، والانصِياع لقرارات المحاكم التركيّة التي تَطلُب سحب مضمون بعض المُشاركات القاذفة في حقّ أشخاص وأعراضهم ونشر أخبار غير صحيحة، وفي حالة الاعتراض يفرض عليها عُقوبات ماليّة كبيرة تصل إلى 2.5 مِليون دولار، وحجب الإعلانات عنها، ويُطالب بندٌ آخَر هذه الوسائل تخزين بيانات مُستخدميها مِن تركيا ممّا يجعل مِن السّهل على مُمثّلي الادّعاء الوصول إليها في حالِ القِيام بأيّ تجاوزات قانونيّة.
أمّا مُعارضو هذا القانون، ومن بينهم الدكتور أحمد داوود أوغلو، رئيس الوزراء الأسبق، وأبرز مُنظّري العثمانيّة الجديدة، والسيّد علي باباجان، نائب رئيس الوزراء ووزير الماليّة الأسبق، مُهندس المُعجزة الاقتصاديّة التركيّة، والاثنان انشقّا عن حزب العدالة والتنمية، يرَيان فيه تقييدًا للحُريّات، ويَعكِس خوف السّلطة من حريّة التعبير، وإقدامها على تكميم الأفواه، والسّيطرة على مواقع التواصل الاجتماعي التي باتت مُتنفَّسًا للمُعارضة والمُواطنين لانتِقاد الحُكومة وأخطائها وقَمعِها في ظِل سيطرتها على أكثر من 90 بالمِئة من وسائل الإعلام.
الخوف والقلق لدى المُعارضين ليس من المواد التي يتضمّنها القانون، وخاصّةً تلك التي تمنع نشر الكراهية، والتّحريض على الإرهاب، ونهش الأعراض، وإنّما مِن النّوايا التي تَكمُن خلفه في تضييق الخِناق على المُعارضة في بلدٍ تتراجع فيه حُريّة التّعبير وتتعرّض حُكومته لانتقاداتٍ مُتصاعدةٍ في انتِهاك حُقوق الإنسان، حيث يوجد عشرات الصحافيين وآلاف المُعارضين خلف القُضبان لأنّهم انتقدوا سِياسات الحِزب الحاكم.
ثلاثة صحافيين جرى طردهم من عملهم قبل أيّام لأنّهم أجروا مُقابلةً مع السيّد داوود أوغلو الذي جرى طرده مِن الحزب الحاكم لأنّه قال الحقيقة، واعتَرض على بعض أوجه الفساد داخِل الحُكومة، وانتشار المحسوبيّة، حسب تصريحاته التي نُشِرَت مُؤخَّرًا.
حزب العدالة والتنمية وصل إلى الحُكم عام 2002، واستمرّ فيه حتّى الآن، لأنّه حقّق عدّة إنجازات، أبرزها تكريس الإسلام المُعتدل، وتعميق القيم الديمقراطيّة واحترام حُقوق الإنسان وتحديث تركيا، وبناء بُنية اقتصاديّة مُتطوُرة وضعت البِلاد في المرتبة 17 كأقوى اقتصاد في العالم، وما كانت هذه الإنجازات تتحقّق لولا حِرص الحزب الحاكم على عُلاقات جيّدة مع جميع دول الجِوار تقوم على الاحترام المُتبادل والمصالح المُشتركة، وعدم التدخّل في الشّؤون الداخليّة، ومِن المُفارقة أنّ السيّد داوود أوغلو هو صاحب نظريّة “صِفر مشاكل” يَقِف في صُفوف المُعارضة، وشكّل حِزبًا يُروّج لهذه الأفكار.
هذه الإنجازات بدأت في التآكل بسبب الحُروب التي تورّطت فيها تركيا في أكثر من جبهةٍ، خاصّةً في سورية وليبيا والعِراق وقريبًا في الصّراع الأذربيجاني الأرمني، وحالة “الهرَم” التي يعيشها الحِزب الحاكم، وتفاقم الأزمات والخِلافات الداخليّة في صُفوفه ممّا أدّى إلى انخفاض شعبيّته (35 بالمِئة)، ورئيسه أردوغان (25 بالمِئة)، حسب بعض استِطلاعات الرأي الأخيرة.
لا نُجادل مُطلقًا بأنّ وسائل التواصل الاجتماعي خرجت عن بعض أهدافها في توفير منابر التّعبير للمُواطنين الذين يعيشون في ظِل أنظمة قامعة للحريّات خاصّةً في مِنطقة الشّرق الأوسط، بسبب استِغلال بعض الأنظمة الحاكمة لها في سبّ وشتم واغتِيال شخصيّات مُعارضيها، والخوض في الأعراض بطريقةٍ بَشِعَةٍ وغير أخلاقيّة، أو لجوء بعض الخُصوم، وبعض الأفراد للأُسلوب نفسه، والتخفّي خلف أسماء مُستعارة، الأمر الذي دفع ببعض المسؤولين في شركاتِ هذه الوسائل إلى التدخّل وحجب العديد من التّغريدات أو المُحتويات، وإغلاق بعض الحِسابات التي تدّعي أنّها كسَرت القواعد الموضوعة من قِبَلها.
نحن في هذه الصّحيفة “رأي اليوم” نُواجِه العديد من المُضايقات وصلت في بعض الأحيان إلى إغلاق صفحات على “الفيسبوك”، لأسبابٍ عديدةٍ أبرزها الانحياز إلى حقّ الشّعوب في مُقاومة الاحتِلال، وفضح جرائمه ومجازره في حقّ الأبرياء، والمُحتل الإسرائيلي على وجه الخُصوص.
وإذا عُدنا إلى موضوع هذه الافتتاحيّة الأساسي، وهو قانون تقييد الحريّات على وسائل التواصل الاجتماعي في تركيا، فإنّ المُشكلة ليست في هذا القانون وبعض بُنوده، وإنّما في نوايا من يَقِف خلفه، وكيفيّة تطبيقه حسب ما يقول مُعارضيه، فعندما يكون ترتيب تركيا على سُلّم حريّة التّعبير في العالم 157 من مجموع 180 دولة، فإنّ هذا التّرتيب يُضفِي بعض المِصداقيّة على وجهة نظر هؤلاء.
تركيا وصلت إلى ما وصلت إليه من حَداثةٍ وإنجازات اقتصاديّة وحريّات إعلاميّة، واحترامٍ لحُقوق الإنسان بسبب الشفافيّة والتمسّك بقيم الديمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة، وعدم التدخّل في الشّؤون الداخليّة لدول الجِوار، وعندما كانت السّلطات التركيّة تتمسّك بهذه القيم وتُطبّقها لم تَشكُ مُطلقًا من وسائل التواصل الاجتماعي، وكانت هذه الوسائل واحةً لحُريّة التّعبير، واحتِرام الرأي الآخر طالما يَحتَرِم القانون، ومن أسباب وصول الحزب الحاكم إلى قمّة السّلطة.
نحن في هذه الصّحيفة “رأي اليوم” مع حريّة التعبير طالما احترمت القانون، وابتعدت عن السّب والقذف والاتّهامات دون أدلّة وإثباتات، وضدّ أيّ قوانين تُقيّد هذه الحريّات، والحق في النّقد البنّاء المَسؤول، سواءً في تركيا أو جميع دول الشرق الأوسط والعالم، دون أيّ استثناء، ولن نتراجع عن هذا الموقف مهما كان الثّمن.
رأي اليوم
‎2020-‎07-‎31