انعاش للذاكرة : سمير أمين وحرب الخليج ( ١ )!
عرض : علي رهيف الربيعي.
ارتكب صدام حسين خطأ فادحا عندما اعتقد أن دعم القوى الغربية له معناه أن الولايات المتحدة ستقبل بأن يرتفع العراق الى مستوى القوة الإقليمية المسيطرة في الخليج ، ويحل محل العربية السعودية في دور الحليف المفضل لدى واشنطن في المنطقة . وهو تلقى شبه تشجيع من سفيرة الولايات المتحدة في بغداد عندما أفضى لها بنواياه تجاه الكويت . في الواقع كان البنتاغون واسرائيل مصممين على تدمير قدرات العراق العسكرية ، وبالنسبة لواشنطن تظل ملكيات الخليج زبائنها الأفضل . وكان العدوان على دولة مستقلة رسميا يقدم الذريعة المثلى ، لأنه يصف وراء جورج بوش الأمم المتحدة وحلف الناتو ، ويفرض على السعودية أن تقبل بتعزيز الوجود العسكري الأمريكي على أرضها وفي كل الخليج ، ويضمن ، حتى ، أن تمول هذه الحرب الأمريكية من قبل الدول النفطية في الخليج . كان القصف الكثيف الأعمى لكل مدن العراق ، الذي صورته شاشات سي . أن . أن . ، يقوم بوظيفة كبرى في استراتيجية ” النظام ” العالمي ، الذي أعلنه بوش الأب بوقاحة : إرهاب الشعوب . وبموازات ذلك ، كان استمرار صدام يبرر الحصار الاقتصادي الدائم على العراق ، مكملا عملية تخريب البلاد ، ومترافقا مع قصف لا ينقطع تنفرد واشنطن ، وتابعها الانكليزي ، بتقريره وحدها . ويستمر الحضور العسكري الأمريكي في السعودية ، إذ يؤجل دائما الانسحاب الذي وعد بتنفيذه بعد إحراز النصر .
على المدى القريب ، كان هذا الانتصار الأمريكي تاما وكاملا . أما على مدى أبعد فإنه يحمل صعوبات جديدة لدبلوماسية مشروع الهيمنة . فالأنظمة العربية كانت من السذاجة بحيث صدقت الوعود الأمريكية : مقابل التحالف ضد العراق ستعمل الولايات المتحدة على إيجاد حل نهائي للمسألة الفلسطينية . وكان على مؤتمر مدريد ، الذي عقد غداة النصر الأمريكي في عملية ” عاصفة الصحراء ” ، ثم على اتفاقات أوسلو سنة 1993 ، أن يوحي بأن واشنطن مصممة على تنفيذ وعودها . أثبتت الأحداث اللاحقة أن واشنطن تتابع سياسة دعم التوسع الاستيطاني الاسرائيلي بلا شروط . وستبرهن الانتفاضة فيها أن الأنظمة العربية قد خدعت فعلا . وبدل ” تهدئة ” الرأي العام ، تسهيلا لانتشار السياسات النيولبرالية ( رغم المآسي الاجتماعية التي تولدها بالضرورة ) ، أوصلت حرب الخليج وتوابعها ، وصولا الى الانتفاضة ، ” الحقد على الأمريكيين ” ٱلى أعلى ذراه . كان من المستحيل أن تمر المسألة من دون تبعات ، حتى في قلب الطبقات السياسية العربية الحاكمة ، رغم التحاقها بالخيار الكومبرادوري ، بما في ذلك الطبقة السعودية الحاكمة . لقد أصبح حليف واشنطن الأساسي في المنطقة معرضا ، ولم يعد مستبعدا أن ينهار ، بين يوم وآخر ، كما حصل لنظام الشاه .
(١) سمير أمين ، مابعد الرأسمالية المتهالكة ، ترجمة د . فهمية شرف الدين و د . سناء أبو شقرا ، دار الفارابي ، الطبعة الأولى 2003 .ص 138 ,138 , 140 .

Bilden kan innehålla: en eller flera personer och text
2020/07/30