الصبر والمقاومة الفعالة.. يصنعان النصر.. كوريا الشمالية إنموذجا!
مزهر جبر الساعدي.
بعد اختفاءه لأشهر، ظهر فيها الزعيم الكوري الشمالي، مرة أو مرتين، فند فيهما، الادعاءات الامريكية بمرضه او حتى موته في تنبؤات اخرى؛ ظهر الزعيم الكوري الشمالي هذه المرة، في الذكرى67 للانتصار في الحرب الكورية.. وسط قادة الجيش الشعبي الكوري الشمالي، وهو يتمتع بصحة وحيوية ظاهرة عليه، وبصورة جلية، ومعنويات عالية، اهدى فيها؛ مسدسات تذكارية لقادة الجيش.. في خلال العقود الماضية عانت كوريا الشمالية من العزلة والحصار والعقوبات، التي بلغت اوجها في السنوات الاخيرة، لكن تلك العقوبات لم تثنِ من عضدها وهمتها، في حيازة ما يحمي سيادتها واستقلالها وأمال شعبها في الحرية والتطور بعيدا عن هيمنة الولايات المتحدة الامريكية او حتى غيرها، بالاعتماد على الذات، النشطة والذكية، والمجتهدة؛ في صناعة عوامل واسس ترصين جبهتها الداخلية وتحصين حدودها في البر والبحر والجو، على الرغم من قسوة العقوبات الامريكية، والتي شرعنها مجلس الامن الدولي، بضغط امريكي وقبول روسي وصيني في حينها، على مضض.
وهنا لعبت الحنكة والذكاء في فن ادارة الازمات، بقبول القيادة الكورية الشمالية، بالمفاوضات حول نزع اسلحتها النووية، في مفاوضات غير متوازن لجهة القدرة وعناصر قوتها، بين المتحاورين، كوريا الشمالية، والولايات المتحدة الامريكية، التي ترمي الأخيرة كما بينا، من وراء هذا الحوار؛ نزع الاسلحة النووية للأولى، التي لا يمكن، في الحقيقة أو ليس في تفكيرها، ان تقبل به في نهاية المطاف. (في مقال لكاتب هذه السطور المتواضعة، كتبته قبل اكثر من سنتين، بينت فيه؛ ان القيادة الكورية الشمالية، لن تتخلى عن سلاحها النووي، وقد نُشر المقال في حينها، في موقع الصدى نت الذي تديره الرائعة الدكتورة خيرية المنصور..) مع هذا استمرت في المفاوضات والحوار، في لعبة ذكية، في أستثمارالزمن لتخفيف الضغط الأمريكي عليها أو تهدئة الوضع في تلين خطاب العداء الأمريكي، وقد نجحت الى حد كبير في هذا المسعى، الى ان وجدت لها مخرجا وحجة للانسحاب من المناقشة، لأزمة تعرف الزعامة الكورية الشمالية، أنها، مستعصية ومعقدة، تفتقر الى قاعدة موضوعية، وعملية، يتم البناء المنتج للحل عليها.
كيف لها (القيادة الكورية الشمالية) أن تقبل بالتخلي عن ترسانتها النووية والصاروخية، لتكون بلا جدران تصد عنها وعن شعبها، غزو وعدوان الغول الامريكي الذي يفتقد الى الاخلاق والمصداقية، واحترام العهود والمواثيق سواء كانت البينية او الدولية التي عرفت بها الولايات المتحدة أو بهذا النهج السياسي، والمسار اللاخلاقي، عبر تاريخها. القيادة الكورية الشمالية على بينة ومعرفة بهذا التاريخ بفعل مسار الصراع بينهما، لعدة عقود خلت. الترسانة النووية الكورية الشمالية، الاحتفاظ بها بل زيادتها ليس لذاتها او رغبة بها لذاتها أو للحرب والعدوان، بل لأنها الوسيلة التي لابد منها، لحماية السيادة والاستقلال.
لذا انهار لقاء هانوي بين الزعيم الكوري الشمالي وترامب، لتتوقف المفاوضات بصورة كاملة مذ ذلك التاريخ كما ان الولايات المتحدة لم تعد في وارد تهديد كوريا الشمالية، لتصمت تماما. في الوقت الحاضر تغيرت الظروف بدرجة كبيرة جدا، لصالح كوريا الشمالية، فالولايات المتحدة تعاني في هذا الظرف من مشاكل جمة، هزت ركائز نظامها.. من انتفاضة الشعب الامريكي في اغلب الولايات الامريكية.. الى جائحة كورونا الى حربها الباردة مع الصين.. عليه، فان الصبر والمجالدة والاجتهاد والمقاومة بالفعل المنتج وليس المقاومة الاستاتيكية، بل المقاومة التي تصنع عناصر القدرة والقوة التي تُوقف التهديد بالحرب والعدوان، كفيل بعد اسكات صوت الترعيب الأمريكي؛ بفتح ليس بابا واحدا فقط بل يفتح ابوابا للمستقبل. كوريا الشمالية الآن في وضع المنتصر في صراعها مع الولايات المتحدة، في ظل الظروف الدولية التي تغيرت كثيرا وكثيرا جدا عن ما كانت قبل سنة او اقل، فالولايات المتحدة، تعاني الآن من تمزقها الداخلي، وتراجع تأثيرها الى ابعد الحدود. أن جميع هذه التحولات ستفضي الى فتح باب المستقبل امام كوريا الشمالية، على مصراعيه.
بالذات علاقتها التاريخية مع الصين، التي سوف لامحالة، تشهد زيادة كبيرة جدا، على ما كانت عليه، قبل هذا التاريخ، في النمو والتوسع،على مختلف الصعد، بعد ان تم التخندق بوضوح، على جاني الحرب الباردة بين الصين والولايات المتحدة. الزعيم الكوري الشمالي في ذكرى النصر، وامام قادة الجيش، أكد؛ لقد ترك لنا الابطال الشهداء في هذه المقبرة، (وهي مقبرة شهداء الحرب الكورية) تراثا عقليا ثمينا، لثورة وسط لهيب الحرب، ستضيىء لنا التاريخ طويلا. ان السلاح النووي، ضمانة لاستقلالنا وسيادتنا، بفضل هذا السلاح، لن تشهد هذه الارض بعد اليوم، حربا ابدا.. عليه لن نتخلى عنه ابدا.
‎2020-‎07-‎30