النِّزاع على المياه قد يشعل حروباً جديدة في أفريقيا والشرق الأوسط!
د. نضال قبلان/ترجمة كنان واكد.
باتت قضية السيطرة على الأنهار والممرات المائية الاستراتيجية العابرة للحدود أمراً في غاية الأهمية، إذ أنها تشكل عاملاً أساسياً في الحفاظ على الأمن القومي للعديد من الدول في أفريقيا والشرق الأوسط. وركزت قراءات العديد من المراقبين والخبراء وتحليلاتهم في الآونة الأخيرة على إمكانية نشوب نزاعات تهدف إلى السيطرة على الموارد المائية مما قد يشعل حروباً جديدة في المنطقة وما وراءها.

يُعد الخلاف القائم والمتفاقم بين مصر وأثيوبيا بشأن سد النهضة الإثيوبي العملاق على نهر النيل أحد هذه الحالات والأمثلة، وكذلك ما تقوم به تركيا من استنزاف مستمر للمياه التي تتدفق عبر أراضيها إلى كُلِّ من سوريا والعراق.

يعد هذا السلوك التركي اللاإنساني انتهاكاً صارخاً للاتفاقيات الدولية التي تنظم عملية تدفق المياه من خلال الأنهار المشتركة، إذ أنه قد يؤدي إلى جفاف وقحط كبيرين ويقوض عمليات توليد الكهرباء ويقوض اقتصادات الدولتين المجاورتين اللتين تعانيان أصلاً بسبب الحرب والعقوبات. ويمكن لأي حالةٍ منهما أن تطلق شرارة النزاع المسلح على إمدادات المياه الحيوية.

تركيا تغلق بوابات عبور المياه على نهر الفرات ما يفرض المزيد من المعاناة على سورية والعراق
منذ اندلاع الصراع في سورية عام 2011، لم تتردد تركياً أبداً بخلط الأوراق اتجاه تحقيق مصالحها السياسية بما في ذلك فرض تدابير قسرية تفضي إلى تفاقم مشكلة ندرة المياه في المنطقة وقد تعمّدت فعل ذلك بصرف النظر عن العواقب التي سيعاني منها السوريون الذين تدّعي أنقرة أنها تدعمهم وتحميهم. في الأسابيع الأخيرة عملت تركيا على بناء السدود على نهر الفرات بغية خفض منسوب المياه إلى حد كبير لمنع وصولها إلى سورية بدايةً ومن ثم إلى العراق حيث يصب النهر في شط العرب ثم الخليج العربي في نهاية المطاف.
في انتهاك صارخ للقانون الدولي والاتفاقات الموقعة من قبل الدولتين حسب القوانين المتعلقة بتنظيم استثمار مياه الأنهار المشتركة، تطلق أنقرة ما لا يزيد معدله الوسطي عن 150 متر مكعب من المياه في الثانية بدلاً من الكمية التي كانت قد تعهدت في الأصل أن تزود سورية بها والتي تبلغ في الحقيقة 800 متر مكعب. وهذا التأثير أشد وقعاً على حوض النهر والزراعة حوله ومياه الري ومشاريع توليد الكهرباء في سورية والعراق فهذا الشعب بعينه الذي يدعي أردوغان أنه يحميه وقع ضحية التدابير وأساليب الخداع اللاإنسانية التي تتخذها أنقرة لسرقة المياه.
يبدو أن السيناريو الذي حدث في حلب عام 2013 يعيد نفسه اليوم فهذه المدينة التي تعتبر العاصمة الاقتصادية لسورية وأكبر مدن الشمال ولقربها من الحدود التركية كانت قد عانت حينها من العطش والمصاعب شهوراً طويلة نتيجة سياسات تركيا المتعلقة بالمياه. أضف إلى ذلك الدعم المستمر التي تقدمه تركيا للجماعات الإرهابية والمتطرفة التي تحتل أجزاء كبيرة من المدينة ومعظم ريفها.

سياسة أردوغان العقابية والاستفزازية المتعلقة بالمياه تزيد من حدّة التوتر وتنذر بالحرب
يقول الدكتور كمال الجفا المحلل السياسي والاستراتيجي السوري في تقرير خاص من سورية إلى مصر 360 :” ما يقوله السياسيون الأتراك شيء وما يمارسونه بحق الشعب السوري شيء آخر تماماً ” ويضيف: ” تحاول تركيا استخدام موضوع المياه كورقة رابحة لتبتز بها جيرانها خاصة الأكراد في سورية فتلجأ مِراراً وتكراراً الى خفض منسوب الموارد المائية لنهري دجلة والفرات اللذان بنت عليهما أنقرة العديد من السدود”
لقد حقق منسوب المياه مستوى متدني مؤخراً في حوضي نهري دجلة والفرات. تلك المناطق الزراعية ومناطق صيد السمك على ضفة النهر التي كانت مزدهرة في الأمس باتت تجف بسرعة اليوم بسبب قيام أنقرة بإغلاق بوابات عبور المياه فعلياً. تقع هذه البوابات بمعظمها تحت سيطرة سد أتاتورك ( أتاتورك باراجي بالتركية) على نهر الفرات ويقع أكبر هذه السدود في تركيا في مدينة أديامان، مقاطعة أورفة وقد دخل حيز التشغيل بشكل كامل في ديسمبر عام 1993.
تعتبر منشأة توليد الطاقة الكهرمائية (HEPP) التابعة لسد أتاتورك المنشأة الأكبر من بين 19 منشأة لتوليد الطاقة كلها تابعة لما يسمى مشروع جنوب شرقي الأناضول ( GAP ). تسبب هذا السد بتقليص حصة سورية من النهر بشكل كبير إلى أقل من ربع الكميات المتفق عليها دولياً وقد حدث سيناريو متشابه في العراق عَقِب بناء تركيا لسد إليسو على نهر دجلة والذي تسبب بتقليص 50% تقريباً من حصته المشروعة من النهر.
وكان قد شرع الحكام الذين سبقوا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تطبيق سياسات مائية مماثلة في التسعينات والتي أدت حينها إلى قيام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بتهديد أنقرة بالقيام بعمل عسكري ضدها ما لم تلغي سياساتها المائية العقابية. كان يتكون فريقه المكلف بالتفاوض مع الجانب التركي حينها من مجموعة من كبار الضباط العسكريين في إشارة منه إلى جدية القضية المطروحة. أما اليوم فمن غير المحتمل القيام برد مماثل نظراً إلى الوضع الذي تمر به سوريا والعراق لكن هذا لا يعني أن تغير الأحوال القائمة أمر مستبعد كلياً إذا أخذنا بعين الاعتبار النتائج الوخيمة للإجراءات التي تتخذها أنقرة وإخلالها بشروط الاتفاقيتين الدوليتين الموقعتين عامي 1966 و 1997. لقد كانت هذه الاتفاقيات الثنائية بين تركيا من جهة وسوريا والعراق من جهة أخرى إلا أن ما تقوم به تركيا لا يراعي المعايير والاعتبارات الإنسانية الأساسية.
تعتبر تركيا من أغنى دول العالم في الموارد المائية وضمن حدودها ما يزيد عن 635 سد. بالرغم من ذلك فإن أردوغان يتراجع عن الاتفاقية الملزمة قانوناً التي توصل إليها الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال (1927-1993)مع سوريا والعراق وهي تتعهد بتزويدهما بالمساواة بكمية من المياه تبلغ سنوياً 5.75 مليار متر مكعب.

هل يمكن أن تعُم حروب المياه الشرق الأوسط؟
إن الخلاف القائم بين مصر وأثيوبيا بشأن سد النهضة الإثيوبي العملاق هو خير دليل على التشابك بين قضايا المياه وتأثيرها الاستراتيجي على اقتصادات ومصير دول بأكملها. نشب هذا النزاع عَقِب تعنت الأخير بشأن بناء السد بالرغم من حزم التمويل التي قدمتها أمريكا وبعض دول الخليج العربي. عملت أثيوبيا على تعبئة بحيرة السد الضخمة بأكملها على نهر النيل مما أدى إلى شح في المياه الأمر الذي يهدد وجود مصر وشريان حياتها. إن التهديد بالقيام بعمل عسكري كخيار أخير في حال فشلت الخيارات الدبلوماسية يُظهر مدى التوتر الحاصل والخطر الذي يولده دعاة الحروب في القارتين الآسيوية والافريقية.
لا يوجد دولة يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى اقتصادها وأمنها الوطني ومستقبلها ومصيرها بأكمله ينهار أمام عينيها فقط بسبب العِناد التركي والأثيوبي واستخدام قضية المياه لتحقيق أهداف سياسية ضد الأعداء والمنافسين. ما لم يرجع الحكام الذين يتلاعبون بقضية المياه في تركيا وأثيوبيا إلى رشدهم فقد تنشأ نزاعات إقليمية كبرى عاجِلاً لتتحول أكبر نِعَم الرب وجوهر الحياة على الأرض إلى عامل يحرض على المزيد من الحروب والنزاعات. أكثر من أي وقت مضى يثبت الماء أنه أكثر أهمية من الغاز والنفط فمن يمتلكون مفاتيح الموارد المائية سيتحكمون بمستقبل دول بأكملها وربما بمستقبل البشرية جمعاء.

المقال نشر بتاريخ 16 يوليو 2020 ( في InsideOver
التابع لصحيفة ilGiornale الإيطالية الشهيرة )

(ترجمة كنان واكد – مدير مركز Forward للتدريب والتأهيل)
‎2020-‎07-‎26