حكايات فلاحية: من الذاكرة !

صالح حسين .
يقال أن النضال داخل الحزب أصعب بكثير من ما هو خارجه…في بيروت عام 1981 كنت واحدا من ( 12 – 15 ) رفيقا في ( شقة صبرا / الفاكهاني ) والمساحة تزيد قليلا على ألـ( 50 ) مترا مربعا عبارة عن ( غرفة، صالون، منافع، وبالكون ( برنده / صغيرة ) كانت المقر الدائم ( صيفا، شتاء ) للشاعر ( مشرق الغانم – أبو الوجد ) رحمه الله،، وكان بيننا رفيقات وأطفال، أتذكر منهم ( أبو كمال وزوجته وأبنه 3 سنوات، والمؤسف إنه، أي ( أبو كمال ) اليوم: من جماعة التحرير، أي جماعة الرواتب ( 2 – 5 ) إضافة للتعويضات وما حولها حلالا كان أوحراما، وتدريجيا اصبح سكرتيرا للجنة الثقافية في بابل، ولا أدري بماذا أو عن ماذا يثقف ) سبق ورفع لافته ضد الفساد والمفسدين… وكذلك كان بيننا الشاعر أبو سرحان رحمه الله، وغيرهم، كنا نعيش على الكفاف ( فاصوليا يابسة + ما تبقى من العظام، التي تركها ( اللحام – الجزار / أبو علي ) في سلة المهملات بـ( كيس أسود ) للقطط والكلاب، بينما قيادتنا متمثلة بـ( فخري كريم ولبيد عباوي ) وكثير من المصفقين الدائمين ( 24 – 24 ) يعيشون وعوائلهم بأضخم الشقق ومدارس خاصة لأطفالهم، ورغم كل ذلك نحن أي سكنة شقة صبرا، ربطتنا علاقات رفاقية صادقة … وذات مساء أحد الرفاق قال لي: وصلتني رسالة من والدتي، تسأل عن وضعي مثل ( الأكل، الملبس والسكن ) وسألني بقوله: ماذا اكتب لها في رأيك؟، قلت له: اكتب الحقيقة كما تراها أنت، لأنها ستنكشف يوما ما، ضحك وقال: يعني أكتب لها: النظام ” هاوي عل سقوط ” أنا أيضا ضحكت وقلت له، عزيزي تصرف بما يرض والدتك… بعد عشرة أيام أو اكثر سألته، ماذا كتبت للوالدة… قال: لم أكتب شياً تحاشيا من متابعات الأمن، فقط أخذت صورة جميلة ومعبرة وأرسلتها لها كجواب على أسألتها… وبحكم الميانة بيننا قلت: وما هي الصورة الحقيقة في نظرك التي تجيب … قال: أخذت صورة قرب ( صخرة – ألروشه / بيروت ) وكنت بجانب… وبالأحرى قريب جدا من بياع ( الشاورمة – الكباب ) وكانت في يدي علبة ببسي، وسندويشة فلافل، وكنت لابس بنطلون نصف ردن …الخ. ملاحظــة: شقة صبرا واحدة من شقق أخرى بنفس المواصفات أي ( يابسة وعظمة ) باستثناء أصحاب القرار… وأنا أي كاتب ( الحكايات الفلاحية ) لم أكتب إلا القليل من الوقائع التي عشتها وعايشها غيري من المناضلين، حيث أخذت بعين الاعتبار رغبة القارئ الكريم باختصار المادة أو الموضوع.
مربط الفرس:

عندما زرت العراق عام 2012 صدفة في كراج ( النهضة / بغداد ) التقيت الرفيق أعلاه ( أبو أحمد ) بعد أنقطاع دام ما يقارب ( 30 عاما ) جرى بيننا حديث ودي قصير عن أحواله والأهل… لكنه قال: الوالدة أعطتك عمرها قبل سنتين… مازحا قلت له: المهم شافت صورة ( سندويش ألروشه / بيروت ) ابتسم وقال: راحت لدار حقها وكانت زعلانه مني… قلت له ليش… قال: من .زرت العراق عام 2005 وبعدما عرفت إني من جماعة التحرير، أي جماعة السكرتير الأول للمركزية – للاحتلال – حميد مجيد موسى البياتي، حينها قالت : أهو أمداك ومدى تحريركم، يا إبن… سوده عليه… لو جايبه ( تيس – صخل ) ولا جايبتك، ولك بهاذي عملتك ضيعت كل سنين تعبي وياك… حسبالي أفتخر بيك تالي عمري، وأضاف أبو أحمد قائلا: كانت ( تدردش – تدردم ) بكلمات مثل: جاي فرحان الأفندي بـ” شهادته الوطنية ” أي شهادة العمالة للأمريكي المحتل… وقالت: طيح الله حظك… سليمة تلفكم أنتم ومسؤولكم ( بريمر ) بيا وجه تقابلون الناس… لكن بعد ما ودعته، ألتفت لي مناديا بقوله : أبو فلاح أسكت وخليها رزالة ( غسل ولبس ) أتذكرها طول عمري.
والسؤال موجه للمناضلين والمناضلات هو: ماهي العبرة من كلام هذه الأم رحمها الله !؟. الذين يريدون بناء ( وطنا حرا وشعبا سعيدا ) أو ( حزبا وطنيا ملتزما بالثواب الوطنية ) عليهم أن يتنصلوا من ألتزاماتهم وأفعالهم غير الوطنية وغير المبدئية، وأن يعترفوا بأخطائهم وخطاياهم أمام الشعب، أي بما هم فيه اليوم، و( السكوت – الصمت ) يعني الرضا بالمشاركة والاستمرار بالخذلان، !؟. .

مالمو / السويد – صالح حسين –

20 / 7 / 2020