طبعة ثورة العشرين الثانيه/ ختام أ/ 9!


عبدالاميرالركابي.
قامت ثورة المجتمع التحولي المابين نهريني عام 1920 بصفتها “ثورة استبدال تحولي” تفتقر لعنصرين أساسيين جوهريين ( وعي الذات التاريخية والمضمر المودع فيها، والوسيلة المادية اللازمة للتحول ولاكتمال أسباب وجودها في التاريخ) وهما من دون ادنى شك نقصان حاسمان، دالان على ماهوغير قابل للتعويض في حينه وابان انفجار الثورة، كان من شانه تأجيل انتصارها واحالته الى المستقبل، الامر الذي سيكون محور ومحرك تاريخ العراق خلال القرن المنصرم، ومحدد وجهته وجوهره، بعيدا عن الظاهر المتداول من اشكال النظر المستعارة والمفبركة، سواء من قبل “الدولة” المفبركة من اعلى، او المعارضة، وماعرف ب “الحركة الوطنية الحزبية الايديلوجية” الحديثة، ومنظور الفبركة من اسفل.
ليست تلك المرة الأولى التي ينهض فيها مجتمع التحول غير القابل للتجسيد ارضويا، دون ان يبلغ غرضه، فيضطر لان يحور وجوده الى الممكن في حينه وساعته، فتجلى خلال الدورة الأولى السومرية البابلية من تاريخه، بشريعة كوراجينا ( حيث عرفت لأول مرة في التاريخ كلمة “حرية/ امارجي” وكل حقوق الانسان المعتبره اليوم، وحقوق المظلومين) وصولا الى التجلي القمة بالشكل السما/ارضوي النبوي الابراهيمي، واستراتيجيا “الوعد خارج ارضه”، وفي الثانية بالقرمطية والاسماعيليه، والامامية، واخوان الصفا، والمعتزلة، والحلاجية ( الانسان الاله) وصولا الى “الانتظارية/ المهدوية”، مع ختام الدورة الثانية على الوعد الأخير الى”اخر الزمان”.
وفي الدورتين السالفتين، كانت الافاق الضرورية اللازمة امام التحقق الامبراطوري الازدواجي مفتوحة، واكتمال صيغتي الدولة الإمبراطورية “المنتقصة”، واللادولة ” المستبدلة”،متاحة، ذاهبة للاكتمال، اما بحكم اسبقية النمو، او انفتاح الأفق بالفتح الذي اضطلع به في الدورة الثانية، موضع اللادولة الأحادي الاحتياط الجزيري الاستثنائي الاحترابيه، هذا في حين امتازت الدورة الثالثة الحالية، بالاضطرار الى الخوض وسط اليات “التفارقية الرباعية”، مابين كيانات وسلطنات الى الشرق تتشبه بالامبراطوريات القديمه، هي من بقايا الدورة الثانية الشرق متوسطية، وانعكاسها بين الأمم الشرقية، بتحولها للابراهيميه، العثمانية والصفوية الايله للزوال، والصعود الغربي الحداثي الالي الراسمالي الاستعماري. هذا والمنطقة وارض مابين النهرين بالذات، ماتزال تعاني وطاة حالة الانقطاع وذيولها المستمرة منذ سقوط بغداد عام 1258 ، ليمر تشكلها الحديث الرافديني من بدايته بوطاة مايمكن مشابهته بالظروف التي عاشتها ارض الرافدين والمنطقة، ابان الهيمنة المزدوجة الفارسية الرومانية،قبل الثورة الجزيريه، خلال الطور الانقطاعي الأول الأطول، مع بروز عنصر نوعي إضافي دخل على المشهد، تمثل في تراجع الاليات الامبراطورية التقليدية اليدوية الزراعية، مع الانقلاب الكبير الالي البرجوازي الذي انبثق في الطرف الغربي من المتوسط، وافضى الى انقلاب شامل في المفاهيم والنموذج، تنظيما مجتمعيا، وانتاجيا، على مستوى المعمورة.
كل هذه الأسباب، كان لابد ان تطرح التساؤل الوجيه حول مدى وإمكانية استمرار عمل آليات الازدواج الامبراطوري التاريخي الرافديني، برغم تظافر عائقين هما نقصان جوهريان حال احدهما المتعلق بالمدى الضروري وانفتاحه، دون تحقق الإمبراطورية الازدواجية، وتسبب استنادا لخصائص وأسباب داخليه مساعدة، في انهيارها في حال وجودها، كلما بدأ تراجعه وضاق مداه، بينما انقلبت بحكم الثورة الاليه المصنعية الراسمالية الغربية، كل أسس وقواعد البناء الامبراطوري، ليصبح مرتهنا للثورة البرجوازية.
واهم ماكرسته حالة الانقلاب الغربي الحداثي، بحسم يقرب من البداهة، فكرة “الأحادية الانقلابيه”، فلم يعد هنالك من ممكن غير التحول البرجوازي الالي عاما وشاملا، وفي حال من هذا القبيل لايتوقع اطلاقا ذهاب التفكير الى احتمالية انقلابيه أخرى محايثة، او موازية متداخله، تبدا من الإقرار بالازدواج المجتمعي لتطرح السؤال: هل ان التحول الالي البرجوازي واحد ومتماثل في المجتمعات الأحادية أصلا، قياسا باعلاها تركيبا ودينامية، أي تلك المنشطرة طبقيا، وما نوع تجلي ذلك في المجتمع الازدواجي بنية وتاريخا، وهل ثمة بناء عليه ماتنبغي ملاجظته والانتباه له ولتجلياته كما تتولد عن، او تتفاعل وتتصادم مع الانقلاب الغربي، بناء لنوع البنى والانماط المجتمعية، وبمقدمها النمط الازدواجي التحولي.
وضمن مناخ كهذا ولأسباب بعضها وجيه للغاية، لم يكن واردا تصور انطواء اللحظة الغربية الحداثية على ماهو ابعد من الانقلاب الالي البرجوازي، ناهيك عن النطر لها باعتبارها حقبة ناقصة بذاتها، لاتكتمل الا بالانتقال الى طور وشكل تطور ومتغيرات لاحقه، من نوغ “تحولي تكنولوجي”، تكون بوابة بلوغ المجتمعات نهايتها، بمعنى القول بان بدايات الانقلاب الغربي الحديث، ومايقابلها من عودة التشكل الازدواجي الثالث الراهن في ارض الرافدين، هما ـ كما ينبغي قراءة التاريخ بحسب القرون الخمسة الأخيرة ـ عملية واحدة مترابطة لها بداية ومنتهى، تبدا آليه راسمالية اوربية، وتنتهي ، فتنقلب الى تحولية تكنولوجيه رافدينيه، امريكيه، معها تنتهي الظاهرة المجتمعية، انطلاقا من المكان الذي وجدت فيه ابتداء بصيغتها وبنيتها الأعلى والاكمل.
وجدت ثورة العشرين بلا رؤية تحوليه مطابقة لكينونتها، فخضعت رؤية للاستعارة المتاتية من طغيان النموذج الغربي، وتفجرت في ذات السياق ثورة 14 تموز بعدها بثمانية وثلاثين عاما في 1958 ،وكانت الأخرى بلا رؤية ذاتيه، وماخوذه تماما بوطاة الفبركة والاستعارة الغربية وقد تحولت الى قوة مصادرة للمنظور التاريخي البنيوي، وعامل الحاق للواقع العراقي التحولي الازدواجي بالنموذج الأحادي الغربي، بينما استمر حضور الأول 1021 / 1958 بالعمل على قلب نمط العلاقات التملكية المشاعية الريفية الرافدينية التاريخية الى اقطاعية مفبركة، والثانية 1958/ 2003 بالريع النفطي والعقائدية الحزبيه الاستعارية القومية والنواة القرابيه، فلم يكن “الاستعمار”، او الالتحاق بالنمط الغربي، ممكن التحقق عسكريا، او ب القواعد العسكرية، بقدر ماكان مثل هذا الفعل مرتهنا لمحاولة تغيير طبيعة مجتمع، ونفي خاصياته، ونمط بنيته وتكوينه كازدواج، وهو مااستمر من أيام المماليك، ومن ثم الحكم العثماني المباشر بعد الاحتلال التركي الثالث عام 1831 ،الى 2003 باعتباره ضد حالة حضور للتشكل الثالث من اسفل، ومحاولة كبحه، والحؤول دون تحققه وبلوغه غايته، الامر الذي تولدت عنه اليات الصراعية الحديثة لمجتمع الازدواج التحولي الامبراطوري في القرون الخمسة الاخيره خلال طورين، الأول التصادمي مع السلطنات الشرقية المتراجعه، والثاني المختلف نوعا، والمحكوم للصراعية التكاملية ضمن اليات لحظة “التفارقيه الرباعية”، وصولا الى المتغير الأكبر الثاني، بدخول زمن “العيش على حافة الفناء الثاني”، مابعد الزمن الأول الذي استمر من بداية المجتمعية الى عام 1980 مع الحرب العراقية الايرانيه، وماتبعها ولحق بها من مسلسل كوارثي لايتوقف، مايزال مستمرا الى اللحظة الراهنة.
مع ” التفارقية الرباعية” تدخل ارض مابين النهرين زمن “فك الازدواج” المفضي الى انتهاء الظاهرة المجتمعية، ومعها تنطلق الثورة العقلية العظمى، فلا مستقبل ولاحياة ممكنة للبشرية منذ اليوم، مع ماكان العقل قد استقر عليه او بلغه من قمم الأحادية الدينامية العليا، الاوربية الحديثة، ومااعتورها في ابرز واعلى وارفع تجلياتها الكبرى، من نواقص وحدود، مع الماركسية و “المادية التاريخية” التي تغفل حقيقة انتهاء “صراع الطبقات” مع الآلة، كتطور نوعي وانقلاب نوعي في المسارات الديالكتيكية المجتمعية، او الاكتشاف العبقري الأحادي الداروني النشوئي، الذي يقف عند “الانسايوان” ليجعل منه “الانسان”، فيوحده ولا يتبين خاصية الازدواج في البنية الانسايوانية( عقل / جسد)، ومن ثم يعجز متوقفا دون الطور النشوئي الثاني مابعد الحيواني، بعد انتهائه بانبثاق العقل، وبدء عملية النشوء والارتقاء العقلية بعد الأولى الحيوانيه المنتهية. او في علم النفس الفرويدي، واغفاله اثر الازدواج التكويني السالف ( عقل/ جسد) ولا وحدتهما طبيعة وصيروة على مختلف تجليات مايسمى النفس، وصولا الى الاكتشاف الغربي الهام، بطرق باب مايعرف ب “علم الاجتماع” اخر العلوم، والتوقف عند وحدانية النمط المجتمعي “الأحادي”، واعتماده نموذجا معمما وحيدا، بخلاف الحقيقة النمطية الثلاثية: الازدواجية، ومجتمعات أحادية الدولة، ومجتمعات أحادية اللادولة، مع الشكل المختلط، وعلاقة ذلك باجمالي الاليات التفاعلية الأساسية التصيرية المجتمعية وهدفها النهائي.
تعني لحظة وصول الكيانية الازدواجية الرافيدينية المضمرة والمتعذرة على الإحاطة العقلية، خلال الاف السنين، اكبر الانقلابات العقلية التي لم يسبق ان عرفها الكائن البشري من قبل، وهي بلا ادنى شك، استكمال كشفي، وقمة عقلية، يصير عندها العقل البشري الذي يبدا بالاصل محكوما لخوض اشتراطاتها كمسار اجباري، قبل ان يكتمل من خلالها وفي غمرة الياتها، ويصيرجاهزا للاستقلال، وبدء زمن مغادرة الجسد، وهو مالم يكن لارض مابين النهرين ان تصير مهياة للانتقال اليه في العشرينات من القرن المنصرم، ولا في الخمسينات، قبل ان يصير العالم برمته مهيا للانتقال الأعظم نحو التحولية واللامجتمعية كما هو الان ومن هنا فصاعدا.
ـ يتبع ـ
ختام ب
‎2020-‎07-‎16