هل تسقط منظمة الصحة العالميّة؟
د. محمد سيد أحمد.
فجرت أزمة كورونا ملفاً من أخطر الملفات على المستوى العالمي، وهو ملف المنظمات الدولية، ودور القوى الاستعمارية الكبرى في إدارة هذه المنظمات وتسخيرها لتحقيق مصالحها، وفرض هيمنتها عليها، وكثيراً ما بُحّ صوتنا لتأكيد عدم موضوعية هذه المنظمات، وأنها دائماً ما تكيل بمكيالين وفي بعض الأحيان بمكاييل، وأن الدول ذات النفوذ العالمي وصاحبة المساهمة الأكبر في ميزانيتها، دائماً ما تكون هي صاحبة القرار، وتأتي على قمة هذه المنظمات الجمعية العامة للأمم المتحدة بمنظماتها النوعية المختلفة، ومن بين هذه المنظمات منظمة الصحة العالمية، التي تصاعدت بداخلها الخلافات مع أزمة كورونا.

وهو ما دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب لاتخاذ قرار الانسحاب من المنظمة بعد إخطار الكونغرس رسمياً بذلك، وكان قد نصّ قرار الكونغرس عند الانضمام إلى المنظمة في عام 1948 بأنه يمكن للولايات المتحدة الأميركية الانسحاب منها بعد الأخطار، بشرط أن يتمّ الوفاء بالالتزامات المالية الأميركية بالكامل للسنة المالية الحالية للمنظمة، وفي شهر مايو/ أيار الماضي، أصدر الرئيس الأميركي ترامب قراراً بإنهاء العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية ومنظمة الصحة العالمية، وذلك لأنها منظمة لم تقم بدورها الملائم لمواجهة فيروس كورونا المستجد، وتعدّ الولايات المتحدة الأميركية أكبر جهة مانحة لمنظمة الصحة العالمية بشكل عام، إذ أسهمت بما يزيد على 400 مليون دولار في عام 2019، أي ما يقارب 15% من ميزانيتها.

وتعدّ منظمة الصحة العالمية هي المنظمة الأبرز الآن على مستوى المنظمات الدولية في ظل التهديد الذي تتعرّض له البشرية في ظل جائحة كورونا، وقد أنشئت في 7 أبريل/ نيسان 1948 وهو اليوم الذي يتم الاحتفال فيه بيوم الصحة العالمي، ومقرّها الحالي في جنيف بسويسرا، ويديرها الأثيوبي تيدروس أدناهوم، وتعد المنظمة هي السلطة التوجيهيّة والتنسيقية ضمن منظومة الأمم المتحدة في ما يخص المجال الصحي، وهي مسؤولة عن تأدية دور قيادي في معالجة المسائل الصحية العالمية، وتصميم برامج البحوث الصحية ووضع القواعد والمعايير وتوضيح الخيارات السياسية المسندة بالبيانات وتوفير الدعم التقني إلى البلدان ورصد الاتجاهات الصحيّة وتقييمها.

ويقول دستور منظمة الصحة العالمية، أن الغرض منها هو توفير أفضل ما يمكن من الحالة الصحية لجميع الشعوب، بالإضافة لتنسيق الجهود العالمية لمراقبة نشوء أمراض العدوى، وترعى المنظمة برامج للوقاية والعلاج من هذه الأمراض وتطوير وتوزيع لقاحات (تطعيمات) آمنة وفعالة وقد تمكنت منظمة الصحة العالمية في عام 1980 من القضاء على مرض الجدري، وهو أول مرض يتم استئصاله بمجهود بشري، ووفقاً لجهود المنظمة باتت الصحة في القرن الحادي والعشرين مسؤوليّة مشتركة تنطوي على ضمان المساواة في الحصول على خدمات الرعاية الأساسية، وعلى الوقوف بشكل جماعي لمواجهة الأخطار عبر الوطنية.

ومع انفجار فيروس كورونا وانتشاره في الصين بدأت معركة تلاسن بين الولايات المتحدة الأميركية والصين تحوّلت مع الوقت إلى حرب كلامية واتهامات متبادلة حول ما هو مصدر هذا الوباء الذي اجتاح العالم مخلفاً أكثر من 13 مليون مصاب حتى الآن مرشحة للزيادة، أكثر من ربعهم في الولايات المتحدة الأميركية وحدها، وضارباً أكبر الاقتصاديات العالمية، ومع ارتفاع وتيرة الاتهامات وجهت الولايات المتحدة الأميركية سهامها إلى منظمة الصحة العالمية، التي لم تنصَع لأوامرها بتأكيد أنّ الصين هي مصدر الوباء، وبالفعل تطوّرت تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمنظمة في محاولة للتغطية على فشل إدارته وتأخرها في تطبيق تدابير الحجر والتباعد الاجتماعي، وتأمين المستلزمات الطبية، مما أدى إلى انتشار الوباء بشكل كبير وفقدان السيطرة عليه داخل الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما أدى إلى اندلاع التظاهرات داخل العديد من الولايات الأميركية، فكان قرار ترامب بالانسحاب من المنظمة في محاولة لتحسين صورته أمام الرأي العام الأميركي قبل الانتخابات الرئاسية التي تحلّ في الخريف المقبل.

وقد تسبّب القرار في ردود أفعال غاضبة سواء داخل الولايات المتحدة الأميركية أو خارجها، حيث أصدر بعض العلماء الأميركيين بياناً نشرته المجلة الطبية البريطانية الشهيرة «لانسيت» يوم الخميس الماضي يعتبر الانسحاب من منظمة الصحة العالمية غير قانوني، كما أنه يشكل تهديداً للأمن الصحي في الولايات المتحدة الأميركية والعالم.

وأكد السيناتور الأميركي بوب مينينديز عبر تغريدة له على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» أن قرار الانسحاب في ظل الجائحة لن يحمي حياة أو مصالح الأميركيين بل يترك الأميركيين مرضى وأميركا وحيدة.

واستغلّ مرشح الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة جو بايدن الموقف وأعلن نيته تمزيق قرار الانسحاب من المنظمة حال فوزه بالرئاسة.

ومن جانبه أكد بيل غيتس أحد أكبر المانحين من القطاع الخاص لمنظمة الصحة العالمية وعبر حسابه على «تويتر» أنّ وقف التمويل للمنظمة أثناء أزمة صحية عالمية أمر خطير، فعمل المنظمة يبطئ انتشار كوفيد 19 وإذا ما توقف هذا العمل، فلا يمكن لأي منظمة أخرى أن تعوّضه، فالعالم يحتاج إلى المنظمة الصحية العالمية أكثر من ذي قبل.

وقد جاءت ردود الفعل الخارجية قوية، حيث أكد رئيس الدبلوماسية الأوروبية جوزيب بوريل عبر حسابه على تويتر نحن نأسف لقرار الولايات المتحدة الأميركية بوقف تمويل منظمة الصحة العالمية في الوقت الذي نحن بحاجة لعملها أكثر من أي وقت مضى.

ويؤكد وزير الخارجية الألماني هايكو ماس أن أفضل الاستثمارات الآن تتمثل في تقوية منظمة الصحة العالمية لتطوير وتوزيع الاختبارات واللقاحات.

ووصفت وزيرة الخارجية السويدية القرار بالمؤسف مؤكدة أن العالم يحتاج إلى مزيد من التعاون، وليس أقل لمكافحة التهديدات العابرة للحدود على صحة الإنسان.

وعلى الرغم من قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالانسحاب من منظمة الصحة العالمية إلا أننا ومن خلال ردود الأفعال سواء الداخلية أو الخارجية يمكن التأكيد على أن القرار لن يؤثر على المنظمة ولن يسقطها كما يراهن ترامب، بل يعد القرار نوعاً من البلطجة التي تمارسها الإدارة الأميركية داخل أروقة المنظمات الدولية، ويُعدّ قرار الانسحاب أحد القرارات الكاشفة للوجه القبيح للإدارة الأميركية، التي تحاول فرض سيطرتها وهيمنتها على المنظمات الدولية وإجبارها على إصدار القرارات وفقاً لمزاجها حتى ولو كان ضد مصالح أعضائها أو مدمّراً للمجتمعات ومبيداً للشعوب، وهو الدور الذي يجب التصدّي له من كلّ الأحرار في العالم، اللهم بلغت اللهم فاشهد.
‎2020-‎07-‎16