طلائع الفدائيين……. 1!

أبو علاء منصور.
قال عبد الله البياع (أبو إياس) الذي التقيته في منزله بقرية كفر مالك: اعتقلتُ أول مرة في العام 1957، في تلك الآونة كان غالبية المعتقلين شيوعيين وبعثيين. قضيتُ عشرة أعوام في سجن الجفر الصحراوي في الأردن. كنت شيوعياً وما زلتُ وسأبقى، فالأفكار ليست موضة، إنها قناعات تترسخ في الذهن والوجدان. كنت أعزباً وكان التعذيب قاسياً للغاية. وحين احتلت إسرائيل الضفة الغربية طوردتُ لعامين واعتقلتُ في العام 1974، وقضيتُ أربعة أعوام في السجن مع فدائيين غالبيتهم من فتح. قالت زوجته أم إياس وهي تثني عليه: تزوجنا في نهاية العام 1967، كان عبد الله في الرابعة والثلاثين من عمره وهذه سن متأخرة للزواج في بلادنا. لقد أكل العمل السياسي والسجن الكثير من سنوات شبابه. توفيت والدته وهو مطارد لسلطات الاحتلال فتخفى بزي امرأة ليشاهدها آخر مرة. وكما ترى ففي نهاية عقد الثمانينيات من عمره ضعف الجسد وتراجعت الذاكرة، ولم يبق من السمع إلاّ قليل. تسبب الضرب على أذنيه بتمزيق طبلاتها وبنزيف حاد، هذه جرائم.
انتقلنا إلى منزل منصور نصر في ذات القرية، رجل تجاوز الخامسة والثمانين، اضمحل جسده وتراجعت قواه، لكنه عند الحديث عن الثورة يستحيل أسداً. صاح شقيقي جمال في أذنه وهو يُعرفه عليّ: هذا شقيقي أبو علاء قائد مجموعتنا. انتفض الرجل كمن عثر على شيء طال بحثه عنه وقال بلهجة مضخمة: محمد!! قال ذلك واندفع يُقبلني بحرارة فدائي عتيق! ما الذي جعل ذاكرة شيخ تتألق كشاب حين دار حديث عن زمن الفدائيين! كيف ظل اسمي محفوراً في ذاكرة منصور طيلة أربعين عاماً ونيّف وهو لم يلتقني في حياته؟ ربما تذكر عملية بنك لئومي فطافت بخياله صور من سنوات الفدائيين. قال منصور وهو يتحسس جسدي كأنني ابنه: “السجن قاس وكنا فقراء، لكننا كنا مشحونين بأحلام الثورة”. أضاف عن مشكلة وقعت بين أسرى فتح والجبهة الشعبية في سجن نابلس: “مشكلة تافهة كادت تشعل نار فتنة. ساعات عصيبة سنَّ فيها البعض الملاعق كسكاكين لينقضّوا على رقاب بعضهم! العنصرية والتطرف أوبئة فتاكة ومنطق عجز! أنا أعتز بانتمائي الفتحاوي، بعض ذوي العقول المتحجرة من رفاقي طلبوا أن أقطع علاقتي بصديق رائع من الجبهة الديمقراطية فرفضتُ. لماذا أفعل ذلك وهو من خيرة الشباب؟ حزنتُ حين ضُرب لاحقاً”.
في قرية جفنا التقينا عبد الله اسكافي، بدا الرجل السبعيني بمعنويّات عالية وهو يروي حكايته مع فتح: “قبل أن ألتحق بالحركة عام 1965، كنتُ في الكتيبة 421 بجيش التحرير الفلسطيني في العراق. في تشرين الأول عام 1967 قُدتُ دورية للداخل. أنشأنا قاعدة في منطقة بيت فوريك، حيث يتمركز أبو عمّار. كانت مهمتنا تخزين سلاح وتجنيد مناضلين وتدريبهم. لم ترُق لي المهمة فطلبتُ من أبو عمار تكليفي بمهمة قتالية، زوّدني بهوية مزوّرة وأرسلني إلى القدس، انكشفتُ واعتقلتُ بعد اعتقال فاطمة برناوي وخليتها في عملية تفجير سينما صهيون. جهلٌ والكل مكشوف على الكل، دفعنا ثمن أخطاء البدايات. حُكمتُ مؤبدين ونقلتُ إلى سجن المسكوبية في القدس ومن هناك إلى سجن الصرفند، ثم قضيتُ عامين في سجن الرملة. في هذه المرحلة المبكرة من عمر الثورة كان الضرب والإهانة قاعدة تعامل عناصر أمن الاحتلال مع الفدائيين، الكل يضرب ويسبّ. نقلنا إلى سجن عسقلان، أحكام جائرة وسلوك وحشي. كنا نُعطى سيجارتين يومياً. نجحنا في إدخال حجر قداحة عبر نواة حبة زيتون، كان ذلك إنجازاً ضخماً. طلبنا من غير المدخنين أن يأخذوا حصتهم من السجائر لندعم بها المدخنين. استفدنا من خبرات الأسرى القدامى في التعامل مع رجال الشرطة ومع حياتنا الجديدة. في البداية كان كافة الأسرى من فتح، ولاحقاً جيء بأسرى من الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي، والبعض من الصاعقة وجبهة النضال، اعتقل الكل أثناء تسللهم في دوريات عسكرية عبر الحدود. كنا نقضي وقتاً طويلاً في حل المشكلات، وإسناد من ضعفت عزائمهم في التحقيق. بعد الإضراب، دخل الشطرنج وطاولة الزهر ولعبة الدومينو، ودفاتر مرقمة تعاد بعد استخدامها للإدارة. بدأنا نتعلم اللغة العبرية وكان لمحمود حجازي أول أسير فلسطيني في الثورة المعاصرة فضل في ذلك. في هذه المرحلة كان المتعلمون نُدرة، ووقع صراع بين فتح والجبهة الشعبية، لكن العلاقات تحسنت بعد إضراب عام 1976.
قال عبد الفتاح غانم الذي قضى ثلاثة عشر شهراً في سجن الخليل عن الوضع الفصائلي في تلك الآونة: كان غالبية الأسرى من فتح تليها الجبهة الشعبية، وهناك أسرى من قوات التحرير الشعبية ومن الجبهة الشعبية -القيادة العامة-. كان الطعام سيئاً وغير كاف، ويلتقي الأسرى ذووهم وهم جلوس متقابلين في غرفة. كانت القسوة الشديدة قانون تعاطي الشرطة مع الأسرى، فعلى الأسير أن يرتب برشه صباحاً ويجلس فوقه طيلة النهار، وإن شوهد أسيران يتحدثان مع بعضهما بعضاً يعاقبان. بعد قضاء محكوميتي أبعدتُ وثلاثة عشر آخرين إلى الأردن عبر وادي عربة.
مع تحيات أبو علاء منصور
16\7\2020