زنزانة رقم 17…….!

أبو علاء منصور.
أقلَّتني ورفاقي -كمال ياسين وخالد الديك وهارون غنيم- سيارة جيب عسكرية من مقر الإستخبارات إلى دائرة المخابرات العامّة المجاورة. للمبنى الضخم المطليّ باللون الأزرق الداكن في “منطقة العبدلي” صورة مرعبة وأنت تعبر بجواره، فكيف إن كنتَ تدخله مُعتقلاً؟
غطّى جنديّ عينيّ بقطعة جلد مشدودة خلف الرأس واقتادني، ننزل درجاً ونهبط آخر، قبل أن ينزع الغطاء عن عينيّ ويدفعني داخل زنزانة، فوجدتُ نفسي أمام شاب مفتول العضلات، حليق الرأس، وبشاربين كثيفين على هيئة شوارب “ستالين”.
_ اسمي “سامي السيّد”، من “الجبهة الشعبية – القيادة العامة”. قبل قليل ودّعتُ صديقاً رائعاً اسمه “صالح درويش”، لا أدري إن كان أُفرج عنه أم أُرسل إلى سجن المحطّة، أم جرى نقله إلى زنزانة أخرى. أغلب الظن أنه نُقل إلى المحطّة. قبل أن يأخذوه كنا نُدير حواراً حول مكانة المرأة ودورها في المجتمع. رقم هذه الزنزانة 17. إنها واحدة من بين أربعة وعشرين زنزانة في القسم الذي يطلّ على الشارع الرئيس، وهناك زنازين أخرى وقبو في الداخل.
_ اسمي محمد سليم، من “فتح”. من الأرض المحتلّة. منذ أسبوعين وأنا معتقل في الاستخبارات مع ثلاثة من رفاقي.
في المساء وضع جُنديّ عَصبة على عينيّ وصعد بي إلى مكتب للتحقيق.
أسئلة روتينيّة، لكن الخوف من المجهول ظلّ حاضراً وأنا أعيد سرد الرواية.
مضت الأيام بروتينها وقلقها، رغيف خبز وكوب شاي وحباّت زيتون على الإفطار، وأحياناً بيضة مسلوقة، وتارة قليلاً من الحمُّص أو الفول، أما الغداء فمن أكل الجنود، والعشاء لا يختلف عن الافطار.
روح قلب سجين الزنازين أن يُكلّفه الحارس بتنظيف الممر، فرصة لتليين عضلاته وتحريك دمه، يحاول إطالة الوقت قدر استطاعته فيما الحارس يلاحقه: “أسرع، ماذا تفعل هناك؟ لا تطرق على الأبواب”، لكنه يُغافل ويهمس باسمه أو مستفسراً عن اسم الشخص في الزنزانة التي ينظّف أمامها، تبلغ الدراما ذروتها حين يصل إلى زنزانة يشكّ أن فيها زميلاً من مجموعته، أو يستشعر ذلك، حينئذ يطرق الباب بالقشّاطة ويطيل الإصغاء والهمس، فيما يقف من في داخلها خلف الباب، محاولاً التقاط صورة المتحدّث وتمييز نبرته عبر شقّ ضيق إن وُجد، وإلا فلا سبيل سوى الهمس. هذه بعض وسائل التواصل، والطرق على جدران الزنازين المتجاورة وسيلة للاستفسار أو الإبلاغ عن عدد نزلائها. عدد الضربات يعني عدد الأشخاص، وبالتوالي تنساب الأخبار من زنزانة إلى أخرى.
يجمع الفراغ والألم سجناء الزنازين، كما يجمع الحبُّ قلوب المحبِّين.
قال سامي:
_ استُشهد شقيقي “حسن” قبل “حرب أيلول” بشهرين، بعد الحرب قضيتُ سنوات في “سجن الجفر”، وفي سجنتي هذه قضيتُ أربعين شهراً -توقيف إداري- في سجن المحطة ، أضربتُ عن الطعام مطالباً بمحاكمتي أو الإفراج عني. بدل ذلك جلبوني إلى زنازين المخابرات، ومنذ أشهر لم يُوجّه لي أيّ سؤال.
أضاف مقهوراً:
_ سأتمدّد على الأرض، وأريدك أن تطرق الباب بقوّة مدّعياً أنّه أُغمي عليّ، علّهم يطلبوني للتحقيق.
كُفر! سجين الزنازين يحلم بانتهاء التحقيق، وسامي يتوسل مقابلة المحقِّق!
تلك بعض مفارقات أن تكون سجيناً.
تمدد وطرقتُ الباب….
قال شاويش شاب أطل من فتحة الزنزانة:
_ مِتّ، الله لا يردَّك.
هبّ صديقي متناسياً إغماءه:
_ يُفرحك أن أكون ميِّتاً؟
صفق الشاويش الباب دون أن ينبس بكلمة.
فشلت خطة سامي في جلب المحقق، فتفتقت قريحته عن فكرة ثانية:
_ عندما نخرج للحمّام تضربني على رأسي بعصا المكنسة، اضربني بقوة حتّى يسيل دمي، وادّعِ أنّني حاولتُ الانتحار، اضربني دون رحمة.
_ لا يا صديقي العزيز، لا أستطيع ذلك.
_ آه لو أنني مثلك قتلتُ جنديّاً في الأرض المحتلة، لو قتلتُ قطاً “إسرائيليّاً” لجلستُ ومدّدتُ رجليّ على طاولة المحقق، أما أنت فتجلس ساكناً كأنك لم تفعل شيئاً!!
أضاف ضاحكاً:
_ في سجنَتي الأولى بعد حرب أيلول شاركني الزنزانة شاب تركيّ، هرب من الجيش التركي قبل أن يُكمل خدمته العسكرية، فأصبح مطلوباً للقضاء التركي. التحق بحركة فتح، ما زلت أذكر اسمه بالكامل “مصطفى محمد حُسين”. اعتُقل واقتيد إلى المخابرات. سأله المحقِّق “لماذا التحقت بالفدائيّين؟ أجاب: “قُدُس يهود لا يمكن”.،وظلّ يكرّر ذلك. في إحدى الليالي أُعيد إلى الزنزانة مُولولاً بعد حفلة تعذيب، كان يضع حذاءه تحت إبطه ويُردِّد بأسى: “…. أختُه عرب، …. أختُه عرب”
في الزنازين تعرّفتُ على كثيرين، بينهم “أحمد دحبور” من “الجبهة الشعبية”، لكن الأكثر درامية هو “محمّد العيّاط”، مقاتل من الجبهة الشعبية القيادة العامة يعاني من مرض السكري، طلب الذهاب إلى الحمام فسمح له الجنديّ بالخروج أوّل وثاني مرّة، في المرة الثالثة ظنّه كاذباً، بال الشاب في حذائه وطرق الباب:
_ آه، ماذا تريد هذه المرّة؟
_ أريد أن أفرغ حذائي من البول.
أأضحك أم أبكي!
في الزنازين سمعتُ عن “تيسير البطاينة” من “شمال الأردن”، ثم التقيته مُعتقلاً في سجن المحطّة. قبل اعتقاله كان برتبة “ملازم أوّل” في الاستخبارات العسكرية الأردنية، جنّده لفتح أحد معتقلي الحركة، ثم انكشف وهو ينقل رسالة للقيادة. سمعتُ عن الجندي “سمير خلف” من قضاء “مأدبا”، من حُرّاس الزنازين في دائرة المخابرات، انكشف وهو يحمل رسالة من معتقل للقيادة أيضاً، اعتُقل وقضى سنوات في السجن.
الوطنية ليست مهنة ولا حكراً على أحد، لا تحدُّها جغرافيا ولا يُعيقها دين أو لون…. الوطنية غريزة إنسانية، وفلسطين وطن الوطنيين والأحرار.
مضى على وجودي في الزنازين حوالي خمسة أشهر….
اقتادني جنديّ، فوجدتُ نفسي مع كمال، وخالد، وهارون.
بدا وجه خالد أكثر بياضاً مما اعتدتُ عليه، وفاجأني هو بالقول:
_ أراك أصبحتَ أكثر بياضاً وعيونك متضيّقة يا محمّد!
_ كنتُ سأسألك ذات السؤال عن حالك.
ضيق الزنازين لا يتطلّب فتح العيون على اتساعها، وعدم التعرّض لأشعة الشمس لمدّة طويلة يجعل البشرة أكثر بياضاً.
سجن المحطّة بناء قديم من عهد “الإنتداب البريطاني”، اكتسب اسمه من وقوعه بجوار “محطّة القطار” شرق عمان، سجن مدنيّ يضم خمسة أقسام تسمى “أشباك”، غالبية نزلائه جنائيّون، وفيه حزبيّون ومنتمون لفصائل فلسطينية، وعملاء لإسرائيل.
قضينا ليلتنا الأولى في زنازين السجن. صباح اليوم التالي نُقلنا إلى غرفة رقم “10” في قسم “1”. باب الغرفة شبك حديدي غليظ مجلّل ببطانياّت، ينحشر فيها أحد عشر فدائيّاً، وتحتوي فتحة مرحاض مجلّلة ببطانياّت تستر مستخدمه عن عيون زملائه، يستخدم فقط للتبوّل ليلاً وفي حال الطوارئ.
بدأنا نُعدُّ أنفسنا لإقامة غير محدَّدة باعتبارنا موقوفين إداريّين لا تصدر بحقنا أحكام قضائية، ومع الوقت برزنا بين زملائنا كمجموعة مميّزة.
قال خالد ونحن نتحدث عن الحياة:
_ مرآتك تساؤلاتك. ما هي قدراتي؟ كيف أدير إمكاناتي؟ أين أصبحت؟ هل أنظر من الزاوية الصحيحة؟ أما زلتُ أسير على الطريق الصحيح؟ كثيراً ما تغيب مثل هذه الأسئلة عن أذهاننا وسط زحمة الحياة.
علّق كمال:
_ من يستمع إليك يظنّك عالم اجتماع مع أنّك لم تكمل الدراسة الاعدادية. حرصك الدؤوب على التعلّم جعلك تفهم الحياة، تتقن الإندماج بالآخرين وتحسن الاستماع، نموذج للمثقّف الثوريّ الذي قرأنا عنه في تجارب الثورات.
قلت:
_ أنا مثلاً درستُ الرياضياّت في الجامعة، لكني نادراً ما تعرّضتُ في الحياة لسؤال على صلة بموضوع دراستي، بالمقابل كان عليّ أن أجيب على آلاف الأسئلة المتعلّقة بشؤون الحياة، هذا ليس استخفافاً بالإختصاص، لكن الحياة أكثر رحابة من الشهادات والعلوم النظرية، هذا مع الأسف ما تخلو منه مناهجنا الدراسية التي تكاد تفتقر لما له صلة ببناء الشخصية. ما قيمة الدراسة إن لم نتعلّم منها كيف نعيش ونتقن التعامل مع بعضنا بعضاً؟
في السجن نماذج ثورية وقيادية رائعة، بالمقابل هناك من استأجَر خادماً.
السجن مجتمع يعاني الحرمان.
بعد شهرين وصلتنا رسالة من حمدي:
(مع تدهور الأوضاع ودخول الجيش السوري إلى لبنان، ربما لن أستطيع وأبو حسن قاسم متابعتكم. من الآن فصاعداً اتصالكم مع الأخوين “عباس” و”عيسى”)
وصلنا مع الرسالة مبلغ مالي لا أذكر قيمته، وكان مُرفقاً بآلية توزيعه علينا، كان نصيبي وكمال هو الأكبر، لكنّا اتفقنا على أنّ هارون وخالد أولى منا بالمال كونهما متزوجَين، أعدنا التوزيع بناء على ذلك دون أن نسأل أنفسنا: من سيصرف على ذوي كمال وقد كان المُعيل لعائلته؟ ومن سيتكفّل بوالدي وشقيقتي؟ إيثار وتطهّر ثوريّ.
وقتٌ قصيرٌ واعتُقل حمدي في دمشق….
على عكس حمدي الذي عايشته وعرفته جيداً حين كان مُتخفياً في الأردن، فإنه لم يسبق لي أن التقيتُ عباس وعيسى…. في العمل السري تحديداً والحياة الثورية عموماً، تُشكل المعرفة الشخصية والتجارب المشتركة قواعد مهمة لبناء الثقة والشعور بالأمان، والقيادة ليست مجرد أطر، أشخاص ومواقع.
لَفتت انتباهنا في السجن ظاهرة تكافل رائعة بين الفدائيّين، من يُخلى سبيله يترك لوازمه لمن اعتقل في دورية عسكرية قادمة من سوريا ولبنان وليس له أهل أو أقارب في الأردن.
على مدار أكثر من عام ونصف في السجن، حصلتُ على دورتَيّ لغة عبرية وألمانية، وعلى شهادة طباعة عربي وإنجليزي، لكني لم أقرأ كتباً ثقافية كما يجب! لا أسوأ من أن تكتشف أنّك أهدرت وقتك.
في أجواء الفتنة المأساوية يقتل الأبرياء أبرياء….
بتدبير من بغداد في صراعها مع دمشق، نفَّذت جماعة “صبري البنّا” عملية تفجير في “فندق سميراميس” وسط مدينة دمشق، جاء الردّ السوري بإعدام “أبو حشيش” قائد العملية. هكذا قذف الصراع البغيض بشاب رائع للموت، فأبو حشيش مدرّبي في معسكر “هيت” بالقرب من مدينة بغداد، قبل أن ينشقَّ صبري البنا عن فتح. في حلكة المشهد، نفَّذت “المنظمة الشيوعية العربية” عملية عسكرية ضد هدف أمريكيّ في سوريا، فكانت “جميلة البطش” الطالبة الفلسطينية في “كليّة الصيدلة”، من بين من ألقت قوات الأمن السورية القبض عليهم. قضت الصبيّة سبعة عشر عاماً من شبابها في السجن.
الحروب الأهلية اصطفافات مأساوية ….
ليس المهم من المخطئ، من الذي بدأ، و….
السؤال الأهمّ كيف نخرج من المُستنقع؟
شغلت حربُ الإخوةِ الثورةَ عن حربها مع عدوِّها، حرب مجنونة اعترضت أحلام “حسنين” الذي تحرَّر من سجون الإحتلال في فلسطين فقُتل في لبنان، هذا ما حصل مع أبو الراتب، سعد، الحج حسن، محمد علي، جواد، د. حنا أبوعمر…. قائمة طويلة من أبناء المقاومة الفلسطينية، مقابل قائمة من رجال الجيش السوري، وآخرون لبنانيّون دفعتهم الحرب المأساوية إلى الجبهة المعادية…. ضحايا فرّقت بينهم الحرب الأهلية…. حروب تُمزِّق الأنسجة الإجتماعية، جراحٌ دامية يصعب تضميدها، محرقة تلتهم الخير وتمهد الطريق للأشرار، معادلة سوداء تلتبس فيها الأمور وتتشوَّش المعايير. في الفتنة تختلط الأوراق، ويتقدم كل صاحب مصلحه لأخذ نصيبه، بغض النظر عن اتّفاقه أو اختلافه مع صاحب الطلقة الأولى أو الأخيرة، والخاتمة مأساوية.
في السجن اتّفقنا على الاحتفال بذكرى انطلاقة الثورة. أجرينا في فتح نقاشاً حول برنامج الاحتفال. رأى البعض أن يقتصر على خطابات ومأدبة غداء، فيما رأيتُ ومجموعتي في المناسبة فرصة لإدارة حوار وطنيّ وثقافيّ.
في اجتماع الفصائل الذي مثّلتُ فيه حركة فتح، اقترح أحد الحضور أن يلقي سامي السيّد كلمة الثورة، وافق الجميع ورضيتُ أنا مُحرجاً، سامي صديقي وأفضل من يلقي الكلمة، لكن المناسبة لفتح. إن نُفِّذ المقترح سيعتبرني إخواني الفتحاويِّين هدمتُ الكعبة.
انفضّ الإجتماع وأنا في غاية الارتباك….
أدرك سامي مأزقي فقال بعد مغادرة الجميع:
_ هل أنت راضٍ عن المقترح؟
_ أنت أفضل من يلقي الكلمة، لكني لو عُدت لرفاقي بهذه النتيجة سأعتبر مُقصِّراً.
_ ربما أراد صاحب الاقتراح دقَّ إسفين بيننا! لن ألقي الكلمة، الكلمة لفتح.
في هذه الأثناء نشب خلافٌ داخل الجبهة الشعبية القيادة العامة في الخارج، انشقّ تنظيمها إلى فصيلين متصارعين، فانقسم شبابها في السجن إلى فريقين، بعض من كان يصف “أحمد جبريل” بالرفيق أحمد، راح يناديه أحمد “حاف”، وفيما كانوا يتغنّون بمناقبه، أخذوا يتحدّثون عن مثالبه.
ثقافة سياسية رديئة. الانتهازية خُلُقٌ قبيح والتعصُّب بيئة أعشاب فكرية ضارة…. عندما نختلف نتّهم بعضنا ونخوّن غيرنا! في ذات الفترة اختلفت الجبهتان الشعبية والديمقراطية داخل السجن، وقاطع التنظيمان بعضهما بعضاً. ماذا تفعل “أنيسة” والدة “تيسير وجهاد الزبري”؟ إبنها الأول مسؤول الجبهة الديمقراطية في السجن، والثاني مسؤول الجبهة الشعبية…. يا لمأساة قلبها وهي تتأهب لزيارة فلذتي كبدها، فإذا الأوَّل يقف إلى يمينها والثاني ينزوي إلى يسارها وهما متخاصمان! ماذا تفعل بطنجرة المقلوبة التي لا يمكن قسمتها؟
انتشر في السجن نبأ وجود قائد وطنيّ في الزنازين، فكلّفتني اللجنة الحركية القيادية بإعطائه صورة عن وضعنا.
أذهلني حديثه المتعالي:
_ سأبدأ من الصفر.
أي صفر سيبدأ منه؟ أيظنّ أنّ الثورة بدأت من عنده؟ قلت ذلك في داخلي ودون أن أقصد مرّت عيناي على بدلته الفاخرة، و سيجارة المارلبورو التي ينفث دخانها للأعلى. في تلك اللحظة بدا كأنّني ألاحظهما لأول مرّة.
قلتُ وقد شممتُ رائحة غطرسة وعفن قيادي:
_ في السجن أكثر من خمسين فدائيّاً من فتح، وهناك آخرون من الفصائل والأحزاب، هؤلاء أصحاب تجارب صنعوها بتضحياتهم وعلى جلودهم، هم من تبقّى في السجن من آلاف المناضلين الذين اعتقلوا قبل “أيلول الأسود” وبعده، من فتح هنا منذر ارشيد، أبو رومل، عبد الكريم صالح، سعدي قطام، حسن عطايا، صالح شعواطه، وغيرهم. ومن الجبهة الديمقراطية تيسير الزبري. ومن الجبهة الشعبية شقيقه جهاد. ومن القيادة العامة سامي السيّد. ومن حزب البعث المحامي وليد عبد الهادي. رهطٌ قادة، بعضهم مُعتقل منذ تسع سنوات، ومنهم من حُكم بالإعدام. لم أفهم ما عنيتَه بقولك “سأبدأ من الصفر”، ربما ما قلتَه غير مقصودٍ لكنه ليس لائقاً…. هناك من يظنّون أنّ الله خلقهم رحمة بغيرهم، أنّ الكون خُلق من أجلهم دون غيرهم.
كان الجو موبوءاً عشيّة وصول مجموعة تابعة لصبري البنّا إلى السجن. وفي خطوة وقائيّة -كي لا تنشب مشاكل بيننا وبينهم- توجهتُ للجنة الحركية القيادية:
_ كما تعلمون ستدخل إلى السجن مجموعة البنّا الموجودة في الزنازين منذ أمس، هناك من ينتظر تفجّر مشكلة بيننا وبينهم. إذا لم نتصرّف بحكمة ربما يتحول السجن إلى جحيم يشتعل بنار الفتنة. أقترح صيغة للعلاقة معهم تقوم على قاعدة أننا جميعاً سجناء، لنترك الخلاف السياسي لمن في الخارج.
_ هؤلاء قتَلَة، قتلوا كوادرنا، لا مجال للتفاهم معهم.
أذهلني ما سمعته، فعدتُ لأبناء مجموعتي متشائماً:
_ إذا جُنّتْ جماعتنا فلا يعني ذلك أن نفقد نحن الحكمة.
هذا ما قلتُه لرفاقي كمال وخالد وهارون، واتفقنا على أن ينتقلوا مؤقَّتاً للإقامة في غرف أخرى، لنستضيف مكانهم الشباب الثلاثة الجدد -جماعة صبري البنا- في غرفتنا.
بهذه الروحيّة استقبلنا عمر حنّون، فتح الله الريماوي، وتحسين الريماوي، وانخرطنا معهم في نقاش باعتبارهم مناضلين مثلنا.
في اليوم التالي عُدتُ للتحدث مع اللجنة القيادية:
_ الشباب مجموعة من الأرض المحتلّة، التحقوا بجماعة البنّا لأنهم أوَّل من صادفوا في طريقهم للثورة، ما ذنبهم؟ أليس هذا ما جرى مع غالبيَّتنا؟ هل بينكم من قرأ النظام الداخليّ لفتح قبل أن يلتحق بها؟ ألم يتجنّد معظمنا للثورة على صيتِ فدائيِّيها؟ هل نعاقبهم على وطنيّتهم؟
أسابيع واختلى بي تحسين مسؤول المجموعة وهمس:
_ نريد أن ننضمّ إلى فتح.
_ لم يكن هذا قصدُنا عندما استقبلناكم.
_ إنّها النتيجة الطبيعية لحسن تصرِّفكم، سعينا لأن نكون فدائيِّين وبمعرفتكم وجدنا طريقنا.
مع تحيات أبو علاء منصور
12\7\2020
من كتابي (على ضفاف النهر)